|
|
كتاب -خطوات صغيرة في بلاد كبيرة- مهند طلال الأخرس
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 23:31
المحور:
السياحة والرحلات
قليل من يكتب أدب الرحلات، حتى أننا عربيا نكاد نفتقده، فالأجناس الأدبية الأخرى تهيمن على الساحة الأدبية، وحجبت أدب الرحلات، من هنا تأتي أهمية كتاب "خطوات صغيرة في بلاد كبيرة" فالكتاب يعرفنا على الجزائر، ليس كمكان مجرد، بل كشعب/ كدولة/ كمجتمع، من هنا نجد العلاقة بين المكان والناس/ المجتمع، ففي كل شارع هناك بطل وطني، وفي كل مدرسة ومسجد هناك مجاهد ومناضل، فالجزائر يتميز عن بقية بلاد العالم بأن شوارعه، مدارسه/ مساجده/ أحياءه تدل على الإنسان، فهي متربطه به وبعطاءه، وهذا يدل على وفاء هذا البلد لمن ضحوا من أجل استقلاله وتحرره من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي. الجزائر وفلسطين الكتاب جاء باسلوب سلسل، سهل، وهو أقرب إلى محطات مر بها الكاتب، وبما أنه فلسطيني فقد ركز على الحميمة التي تجمع الشعبين، الجزائري والفلسطيني، من هنا نجده يتوقف عند مجموعة إشارات/ مشاهد تشير إلى الحميمة التي تميز الجزائر عن غيرها، ففي أول صفحة في الكتاب يستوقفنا هذا المشهد: "الرسمات والشعارات المخطوطة على جدار المدرسة، كان أجملها علم فلسطين يجاوره علم الجزائر يتلاصقان ويتعانقان وكأنهما يتعاهدان على أن يكون أحدهما هو الآخر في كل شيء" ص9، هذا المشهد تكرر حتى آخر صفحة في الكتاب، فتكاد غالبية المحطات تتحدث عن فلسطين أو حركات التحرر الإفريقية والعالمية ودور الجزائر في دعمها، من هنا تم تكرار هذه الحقائق أكثر من مرة وفي أكثر من موضع: "نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، المسيحيون يحجون إلى الفاتيكان، والمسلمون إلى مكة، والثوار إلى الجزائر، أحنا أصحاب ثورة، نعرف ونقدر كل من يدير ثورة،" وهذا ما يجعل الجزائر مميزة عن بقية بلدان العالم الأخرى، خاصة بالنسبة للفلسطينيين، حيث منحتهم وأعطتهم كل التسهيلات، حتى جوازات سفر دبلوماسية، إضافة إلى السلاح والتدريب والدعم السياسي وفتح أبواب العالم أمام قيادة الثورة الفلسطينية لتسهيل إيصال فكرتها ورسالتها وحاجاتها التسليحية للعالم، من هنا يلخص "مهند الأخرس" مشاعره تجاه الجزائر بقوله: "في الجزائر تفتخر بنفسك وبها وأنت تردد بلاد العرب أوطاني" ص16، كتأكيد على الحب الذي تركه الشعب الجزائري في وجدان الكاتب. وينقل ما قاله "ياسر عرفات" عن الجزائر إذا ما ضاقت الأمكنة بالفلسطيني: "إذا ضاقت عليكم الدنيا فاذهبوا للجزائر، فإن فيها شعبا وقيادي يحبون فلسطين كحبهم للجزائر" ص87، وهذا القول لم يأتي من فراغ، فالجزائر أول دولة عربية فتتح فيها مكتب لفتح، وهي ثاني دولة مدت الثورة الفلسطينية بالسلاح. وإذا ما توقفنا عند فصل "الجزائر قبلة الثوار" الذي جاء بستين صفحة" وكلها تتحدث عن علاقة الجزائر بفلسطين، وتحديد بحركة فتح، حيث استعان الكاتب مجموعة مذكرات لقادة فتح، تحدثوا فيها عن دور الجزائر في دعم الحركة، نصل إلى أن فتح لم تكن لتكون ما كانت عليه دون دعم الجزائر لها، فقد تم زيادة عدد المعلمين الفلسطينيين من أربعة عشر معلما، إلى أربعمائة معلم ثم إلى ألف معلم، وهذا ما سهل مد فتح بالرجال والمال معا. معالم المكان عادة تفتخر الدول بوجود بناء ضخم جميل متميز، أو جدارية صممها فنان عريق، أو آثار قديمة، لكن الجزائر تفتخر بشيء آخر: " في الجزائر تجد كاسترو، وجيفارا وفرانيس فانون وغوركي ومحمد فوزي ومفدي زكريا وسيمون بوليفار ولوركا وموريس أودان وجمال عبد الناصر وكثير من الأولياء والصالحين والأنبياء والمرسلين" ص32، هذه هو فخر الجزائر، كل الثوار حاضرون فيها، لهذا لا يتوه فيها الإنسان، فهي بوصله لكل أحرار العالم، يسترشدون بحبها قبل معالمها: "في الجزائر العاصمة لا خوف على زوارها من الضياع، وإن حدث ذلك وتاهت خطواتهم فلا خوف عليهم، فكل ما يتطلب الأمر أن ترفع نظرك للأعلى سترى مقام الشهيد يعانق السماء، أجعله بوصلتك ومنارتك نحو الهدى وسر واتبع طريقك التي تريد، لكن نصيحة لكل من يزور الجزائر، دع خطواتك تسير في الطرقات على غير هدى وأطلق لها العنان، واترك الفؤاد يسير بك حيث يجب" ص32، اللافت في هذا المقطع الجمع بين ما هو مادي وما هو روحي/ عاطفي "صرح الشهيد" وما تأكيد الكاتب على الانطلاق (على غير هدة) إلا تأكيدا للروحانية التي يتركها المكان في الزائر، وهذا يقودنا إلى أنها مكان مقدس، وما حج الثوار إليها إلا تأكيد لقدسيتها ومكانتها الروحية. يؤكد الكاتب قدسية الجزائر من خلال وضح قصيدة "مفدي زكريا" في الكتاب والتي يتردد فيها: "شغلنا الورى وملأنا الدنا بشعر نرتله كالصلاة تسابيحه من حنايا الجزائر" تسع مرات، وفي المرة الأخيرة كانت فلسطين حاضرة في القصيدة: "فليت فلسطين...تقفو خطانا وتطوي ـ كما قد طوينا ـ السنينا" ص48. الشوارع، المستشفيات، المدارس، المساجد كلها تسمى بأسماء الشهداء والعظماء، يعرفنا "مهند الأخرس" على "مولود قاسم" من خلال مقولته: "أفضل أن أكون بوابا في السويد على أن أكون وزيرا في حكومة ضعيفة" ص 55، ومن خلال موقفه عندما ذهب إلى موسكو واستقبله موظف عادي في وزارة الخارجية، فقرر العودة بنفس الطائرة إلى الجزائر، لكن السوفييت عالجوا الأمر بسرعة. فضل الجزائر على فرنسا ما يحسب "لخطوات صغيرة في بلاد كبيرة" تعريف القارئ بحقائق تاريخية، تتحدث عن الفضل الجزائر على فرنسا، فقد كانت الجزائر هي المنقذة لفرنسا والمسعفة لها، فقدمت مساعدات متنوعة، منها المادية والغذائية: "المساعدات الثمينة بل الانجادات العاجلة والإسعافات المنقذة من المجاعة التي قدمتها الجزائر لفرنسا في ظروف الشدة، من قروض للاستيراد من الجزائر خاصة الحبوب، ومن قروض أخرى نقدية، مواد غذائية وخيول وأشياء أخرى عديدة مقدمة مجانا" ص50، هذا ما حدث عام 1789، حيث كان فرنسا تمر بمجاعة بسبب الأحداث الداخلية فيها، مما جعل الجزائر تقدم لها المعونة من باب الإنسانية، وأكثر من هذا الجزائر كانت أول من اعترف بالجمهورية الفرنسية في العالم عام 1793، ورغم كل هذه الخدمة الجليلة والعظيمة، فرنسا ناكرة الجميل تأتي في عام 1830 لتحتل الجزائر وتفرض عليها حكما استعماريا حصل أكثر من مليون مواطن جزائري. مكانة الجزائر عالميا حال الجزائر كحال فلسطين، فهناك من يعدي أنهما قبل الاستعمار الاستيطاني كانتا متخلفتين عن الدول الأخرى، لكن الحقيقة غير ذلك، فالجزائر كانت في المراتب الأولى في الإنتاج الزراعي من هنا وجدناها تقدم المعونة لفرنسا، وفي الإنتاج تميزت بمشروباتها الغازية، فكانت الأولى عالميا في تصنيع وإنتاج هذا المشروب. هذا عدا عن قوتها العسكرية وأسطولها البحري الذي كانت له صولات وجولات في البحر المتوسط. الشعب الجزائري يتوقف "مهند الأخرس" عند مجموعة مواقف متعلقة بالمواطن الجزائري، منها باع البلح الذي يهديه قطف بلح عندما علم أنه فلسطيني، وسائق التكسي الذي نسى معه الحقيبة، وكيف عاد إلى المكان الذي نزل فيه "مهند" وأعاد له الحقيبة، إضافة إلى الترحيب والحميمية التي وجدها من المستقبلين في كل مكان زاره. هذا بالنسبة للحاضر، أما الماضي وكيف استطاع الشعب الجزائري التحرر من الاستعمار الفرنسي، يحدثنا عن موقف أم جميلة بوحيدر" حينما تم أسرها من قبل الفرنسيين، وكيف خاطبت ابنتها المحكومة بالإعدام: "يا سعدك يا حبيبتي أن تكون شهيدة، ويا سعدي أن أكون أم الشهيدة، وأنت لا تموتين بسبب عار وإنما تموتين بشرف الدفاع عن استقلال الوطن ودفاعا عن الإسلام واللغة العربية، حبيباي لا تخافي من الموت، كل الناس يموتون، وأحد يموت مريضا أو حادث والموت كأس على كل الناس...نلتقي عند الله، وخرجت من سجن بربروس" ص119، هذه الأم وأمثالها، وهذا الموقف هو الذي جعل الجزائر تتحرر من الاستعمار. أما بالنسبة لجميلة بوحيدر وموقفها مما كتبوا عنها، فتقول: عندما أقرأ ما كتب عني أتصور أنه كتب عن امرأة غيري ولست المعنية، واستحي من الشهداء أمام هذا الفيض من المشاعر النبيلة نحوي من أخوتي العرب" ص128، نلاحظ حجم التواضع الذي تتحلى به "جميلة بوحيدر" وحجم الوفاء للشهداء، فهي تعتبر نفسها صغيرة أمام من رحلوا في سبيل حرية الجزائر. هذا الموقف يقودنا إلى المتنفذين في الأنظمة العربية، فالذي سجن على سرقة دجاجة أيام النظام السابق، يريد أن يكون وزيرا، فهو معتقل سابق ومن حقه أخذ مركز في الوزارة الجديدة يليق به وبعطاءه!! وعن حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري من أجل التحرر ينقل لنا ما دونته خلود خيري" في سيرتها عن أحد الضباط الفرنسيين المسؤول عن دفن: "أنتم تقتلون بأسرع من طاقتنا على الدفن" ص120، وهنا أرقام هائلة لعدد ضحايا المجازر الفرنسية بحق الجزائريين. بطش فرنسا وجرائمها يتوقف الكاتب عن العديد من جرائم فرنسا في الجزائري، منها ما هو متعلق بالقرآن الكريم والكتاب والمخطوطات العلمية والأدبية التي استولت عليه أو حرقتها ـ أكثر من 300 ألف كتاب ـ ومنها تغيير معالم العبادة من مساجد إلى كنائس، ومنها ما هو متعلق بالناس، فقد تم إعدام أربعة ألاف شهيدا قرروا الدفاع عن مسجد كتشاوة. من هنا نجد المقابر في وسط العاصمة وليست في أطرافها كحال بقية مدن العالم، فعدد الشهداء وعطائهم ومكانتهم جعلتهم يكونوا في المكان الذي ارتقوا فيه، قريبين من أهلهم، وليسوا معزولين عن وأحبتهم. وأختم وأقول أهمية هذا الكتاب جاءت في أكثر من مسألة، منها حجم ونوعية المعلومات التي قدمها الكاتب عن الجزائر والجزائريين، وإلى حجم تضحيات الجزائريين ونوعيتها في سبيل التحرر ونيل الاستقلال، وكما أوضح لنا العلاقة التاريخية بين الجزائر وفلسطين، والجزائر وحركات التحرر العالمية، كما أدخلنا إلى التاريخ وبين مكانة وعطاء الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي. وبما أن "مهند الأخرس" توقف عند أشخاص عاديين وكيف تعاموا معه وكيف يتصرفون تجاه وطنهم وشعبهم، وهذا يعد طاقة إيجابية يستفيد منها كل من يقرأ الكتاب، ففي زمن البؤس والكسل واللامبالاة، نحن بأمس الحاجة إلى من يمدنا بنماذج عن العطاء والانتماء، لنستطيع التقدم والاستمرار في الحياة. الكتاب من منشورات دار الفينيق، عمان الأردن، الطبعة الأولى2025.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كتاب -بقايا زنزانة- بين الالتزام والنقد الذاتي- للأسير قتيبة
...
-
فاكهة -الليالي- محمد حافظ
-
الرمزية في رواية -رحلة المينا الهندي- عامر أنور سلطان
-
الجديد والتجّديد في -شيءٌ يذكّرني بي- لعبد السلام العطاري
-
العطاء في كتاب -أم سليمان، تجربة ملهمة- أبو علاء منصور
-
دورة الحياة في رواية -جنين في جنين- نسيم قبها
-
التراث والرمز والتمرد في رواية -سعد سعود- محمد حسين السماعنة
-
الجديد والقديم في رواية -فتنة الزوان- إبراهيم الكوني
-
كتاب -تحت ظل القلم- مهند طلال الأخرس
-
أهمية كتاب منزلقات التفكير سعادة أبو عراق
-
المرأة والصحراء، السارد والبطل في رواية -التبر- إبراهيم الكو
...
-
رواية -نبوءة الصحراء- عامر أنور سلطان
-
الحاضر والماضي في رواية -ظلال عاشقة عامر أنور سلطان
-
الناقد، ما له وما عليه في كتاب -روايات وسير تحت الضوء- إبراه
...
-
السواد في ديوان -عراب الريح- عبد السلام عطاري
-
التمرد والفرح في رواية -الرخام الأسود- مختار سيعدي
-
القيمة الأدبية في -الشعلة الزرقاء، رسائل جبران خليل جبران إل
...
-
رواية -بين الحب والحرب- محمد حافظ
-
-غربان ديكسون- : رواية السارد المتمرد على السياق
-
الصوت الآخر في كتاب -حوار مع صديقي الملحد- مصطفى محمود
المزيد.....
-
ألمانيا: قرارات إسرائيل تصعب دعم الضفة وتقوض فرص السلام وحل
...
-
فيضانات المغرب: استجابة بحجم الكارثة؟
-
عاجل | وول ستريت جورنال عن مصادر: مسؤولون بإدارة ترمب ناقشوا
...
-
نتنياهو يحلق إلى واشنطن عبر أجواء أوروبية رغم مذكرة التوقيف
...
-
ترامب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أو صواريخ
-
مليونية الجنوب تجدد التفويض للزبيدي وتتمسك باستعادة الدولة
-
سنتكوم: تموضع قواتنا في المنطقة يضمن مواجهة التحديات الراهنة
...
-
اختفاء والدة مذيعة يهز أميركا.. ونشر فيديو -مسلح على الباب-
...
-
المستشفى الإماراتي العائم في العريش يفتتح قسما لغسيل الكلى
-
عقوبات جديدة.. شبكة تمويل -حزب الله- في مرمى واشنطن
المزيد.....
-
قلعة الكهف
/ محمد عبد الكريم يوسف
المزيد.....
|