|
|
السواد في ديوان -عراب الريح- عبد السلام عطاري
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 23:07
المحور:
الادب والفن
عندما نقرأ شاعر، نعتقد أننا أصبحننا نعرفه ونعرف طريقة كتاباته، نعرف المواضيع التي يطرحها، رغم إلمامي الجيد بشعر "عبد السلام عطاري" إلا أنه فاجأني في ديوان "عراب الريح" فلم أكن أتوقع أن يكون هناك سواد في شعره، لأنه يتعامل مع الطبيعة كبنية أساسية في قصائده، والطبيعة تصفي النفس، تريحها، تخلصها من العوالق التي تؤذيها وتعكر صفوتها. من هنا سأحاول تبيان السواد وطريقة تقديمه، ونبدأ من قصيدة "كلاكيت، آخر مرة": "سوف أصفع الحاضر وأغلق باب الدخول وأفتح النوافذ لليل أطفئ قناديل الحلم وأنحاز للغياب. غيابي، أنا أكثر بي وأقل بما يأتي" ص25. بداية، إذا ما توقفنا عند فضاء القصيدة سنجدها متعلقة بغرفة محصورة: "باب، نوافذ، قنديل، حلم" بمعنى غياب الطبيعة، غياب العالم الخارجي، وهذا ما جعل الأفعال أيضا متعلقة/ متربطة بما هو موجود في (الغرفة): (أصفع/ الباب، أغلق الباب، أفتح النوافذ، أطفئ قناديل" إذن سبب ضيق الشاعر، جزء منه يكمن في وجوده في مكان محدود/ ضيق، يحجب عنه الطبيعة. وإذا ما توقفنا عند معنى الأفعال التي استخدمها الشاعر: "أصقع، وأغلق، وأطفئ، أفتح، أنحاز" سنجدها بمجملها تحمل مضمونا أسود، حتى فعل الحرية "أفتح" وفعل الموقف: "أنحاز" استخدمه ليعطي مدلولا أسود، ونلاحظ توازن السواد في أفعال: "أغلق، أطفئ" وفي ألفاظ: "للغياب، غيابي" فبدا الإغلاق والإطفاء متعلق بالغياب، غياب الشاعر، لكن إذا ما توقفنا عند الأفعال البيضاء: "أفتح، وأنحاز" والألفاظ البيضاء: "الحاضر، باب، النوافذ، قناديل" لا نجد توازنا، فالألفاظ تتغلب على الأفعال، لفظين مقابل فعل واحد، وهذا يقودنا إلى العقل الباطن للشاعر، حيث يغالب عليه الإيجابي/ الفرح، منها كان البياض أكثر حضورا من السواد. ما يؤكد هذا الاستنتاج الخاتمة: "أنا أكثر بي وأقل بما يأتي" فبدأ بالكثرة/ "أكثر" وختم بالقلة/ "أقل" وهذا يشير إلى اضطراب الشاعر وانتقاله بسرعة من الإيجابية إلى السلبية، وهذا ما يجعل القصيدة سوداء. وفي قصيدة "أرق" نجد سواد آخر وبشكل جديد، يقول: "حلم يخر شريان فلبي والقلب عكاز عشق قديم أفرش النعاس الخشن كي أرقد على مساحة ظني
أنا جمرة وندف ثلج سيان عي الطريق... موال صبر.. تمائم الأمهات وزادي زوادة يابسة نسيها الرعاة وبعض ماء في حوض بئر تعفن كان صوتي
سيان هي الريح إن غادرتها الروح" ص42. أيضا نجد المكان محدود ومجزوء، فرغم وجود شيء من الفضاء المفتوح: "ندف ثلج، طريق، حوض بئر، رعاة" إلا أن السواد/ تعب الشاعر حاضرا في: "أفرش، أرقد" فبدا وكأنه (مريض) تعب، موجوع، من هنا وجدنا (حرارته) ترتفع وتنخفض: "جمر، ثلج" ونجد في: "موال صبر...وتمائم الأمهات" صورة عن الأم التي تقف على رأس أبنها المريض تدعو له بالشفاء ورد عين الحساد عنه. ونلاحظ تعب/ مرض الشاعر في عدم مقدرته على الكلام: "في حوض بئر تعفن كان صوتي" وهذا ما جعله مستسلما لواقعه: "سيان هي الريح إن غادرتها الروح" ما يجعلنا نقول إن السواد متعلق بمرض الشاعر استخدمه لألفاظ: "أفرش، أرقد، شريان، القلب، صوتي" فهذه الألفاظ متعلقة بالجسم وما يصدر منه، وما وجود الطبيعة القليلة/ المقطعة/ اليابسة: "بعض ماء، حوض بئر تعفن" إلا انعكاس/ نتيجة لحالة المرض الذي أقعد الشاعر، ومنعه من حرية الحركة والتنقل والتمتع بفضاء الطبيعية. أما سواد الواقع فنجده في قصيدة "هذه المدينة": "أنا شتات الله في صحراء لغزاة أجوع ولا مائدة تأتيني من السماء والطابون المرصوف بحجارة لا تشبه حجارتنا يعجن في قلبي ناره
أنا الضال بالغيب ما كفرت ولكن مضغت صوتي وصمت" ص70. السواد هنا جاء نتيجة لموقف رسمي، فالشاعر يتحدث عنه كونه فلسطينيا يتعرض لبطش الاحتلال، ولا يوجد من يساعده لمواجهة عدوه، حتى السماء تركته دون معونة، ولم تنزل مائدتها كما أنزل الله مائدته للحواريين. رغم وجود ألفاظ متعلقة بالطعام: "أجوع، مائدة، طابون، يعجن" إلا أن الشاعر أراد أخذنا إلى ما هو أبعد من جوع المعدة، أخذنا إلى جوع الحرية، من هنا كان الصمت هو الرد على الواقع الرسمي العربي. ونلاحظ حضور حالة الإيمان في المائدة/ مائدة السماء، ما كفرت، وفي صبر الشاعر: "وصمت" بمعنى أنه ثابت/ باقي/ مستمر في تحمله للأم، ولن يبوح بما فيه من ألم، كتأكيد لرسوخ إيمانه، وإشارة على استمرار التخاذل الرسمي العربي وصمته على ما يجري. أما حنق الشاعر على الواقع الفلسطيني الداخلي فنجده في قصيدة: "المدينة ثانية": "هذه المدينة كومة خرابي وأنا كحجر أتنفس ببطء في الحزب خائن وعلى جدران الوطن بطل لا أريد أن أذهب إلى مدن أخرى كي أكون كل ما أراه جدار هائل ستكون صورتي عليه" ص71. فضاء الأحداث "المدينة" من هنا لم يستخدم الشاعر أية إشارة عن الطبيعة، فهناك امتعاض للشاعر من واقعه في: "خرابي، ببطء، جداران/ جدار" ونلاحظ حالة الشاعر النفسية: "خرابي، أتنفس ببطء" ناتجة عن المكان "كحجر، جدران/ جدار، المدينة/ مدن" بمعنى أنه محاصر بالمدينة. هذا جزء من (خراب) الشاعر، لكن هناك جزء آخر، جزء اجتماعي/ سياسي نجده في: "في الحزب خائن" وهنا أيضا يصبر الشاعر ويتحمل ظلم الرفاق، ويكتفي بأنه مؤمن بما يفعله/ يفكر به: "ستكون صورتي عليه" لهذا لا يكترث بما يقولون فيه. وإذا ما توقفنا عند "خائن" وعند "بطل" سنجد الغلبة ل"بطل" لأنه تبعها "هائل" فهناك ستكون له (جدارية) صورة على جدار هائل.
ويختم الشاعر السواد في قصيدة "إلى منفي": " أرحل وابحث في منفاك عن غار حراء ويمامتين وخيوط عنكبوت عش مقفولا/ وأحذر أن تتحدث في تيهك عن ذات الأرض/ عن الطهر عن العذراء/ فيثير حديثك عاهرات المدن وتعود عشقا لا يخلق عنفا وضاجع ساقطات العواصم/ لتعرف أن للحب معاني أخر/ فلا بأس إن مر الغرباء على جسد حبيبتك أو أقاموا قليلا لا فرق في زمن التعايش والسلام...!!" ص81. بداية نلاحظ أن صيغة الخطاب جاءت أنت المخاطب، فقد تحول الشاعر من صيغة أنا المتكلم عن نفسه، إلى أنا المتكلم إليك، وهذه الصيغة ناتجة عن جحم السواد الكامن في القصيدة، بحيث لم يستطع الشاعر تحمل الألم/ القسوة، فأوجد شخص آخر يتحدث إليه. إذن هناك سواد قاتم لم يعد يحتمل، وهذا ما دفع الشاعر لفتح القصيدة ب: "أرحل" ورحلة التي يريدها الشاعر للمخاطب تتماثل مع رحلة النبي من مكة إلى المدينة، رحلة من الظلم/ القهر إلى العدل، من هنا جاء استخدامه " يمامتين، عنكبوت"، ونلاحظ نبوة الراحل في "غار حراء" بمعنى أننا أمام نبي هذا العصر والزمان. وبما أن رسالة النبوة عالمية لا تخضع لجغرافيا محددة فقد تجاهل الشاعر المكان تماما، لكنه أشار إلى الفلسطيني المقصود بهذه الرحلة/ هذه النبوة من خلال: "الأرض، الظهر، العذراء" وهذا الإيحاء يحسب للشاعر الذي أحسن الاستخدام ولم يسم الأشياء بأسمائها، تاركا الباب مفتوحا أمام القارئ ليعرف من هو المقصود ب"أرحل" والمفارقة بين رحيل الرسول "محمد" ورحلة الفلسطيني أن الأول ذهب لنشر الأخلاق والخير، بين الثاني عليه الصمت/ والعزلة، لأن من سيقابلهم من غير طينته/ من غير تركيبته الفكرية/ المناقبية، فهم/ فهن" عاهرات، ساقطات" ويردون من (أنت المخاطب) أن يماثلهم في سلوكهم/ فعلهم: "فلا بأس إن مر الغرباء على جسد حبيبتك أو أقاموا قليلا" هذا هو المكان/ الواقع الذي سيغادر إليه "الراحل" فهل يصلح للحياة!؟ خاتمة القصيدة تدفع "بالراحل" للبقاء، بمعنى أن الشاعر استخدم فعل "أرحل" ليجعل المستمع يبقى ولا يغادر، فهناك، في المكان (الجديد) سلوك ومفاهيم وناس يتنافون مع طبيعته/ أخلاقه، وتفكيره وسلوكه، وهذا ما سيجعله يبقى متمسكا/ ثابا على أرضه وفي مكانه. الديوان من منشورا دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان الأردن، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2013.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التمرد والفرح في رواية -الرخام الأسود- مختار سيعدي
-
القيمة الأدبية في -الشعلة الزرقاء، رسائل جبران خليل جبران إل
...
-
رواية -بين الحب والحرب- محمد حافظ
-
-غربان ديكسون- : رواية السارد المتمرد على السياق
-
الصوت الآخر في كتاب -حوار مع صديقي الملحد- مصطفى محمود
-
ملاذ الشاعر في ديوان -الرحيل إلى الندم- منذر يحيى عيسى
-
كثير من الأدب، قليل من السياسة في -هكذا انتهت البداية، سيرة
...
-
الجسر والتجارة الدينية
-
الفدائي في رواية الجرمق مهند الأخرس
-
الفرح والتمرد في -قصائد بابلية- ليلى إلهان
-
كتاب -مقاعد المبدعين محجوزة (للمجانين)، التمرد هو السبيل، أب
...
-
الحكاية والرواية في -بيت الأسرار- هاشم غرايبة
-
العام والخاص في مجموعة -سعيد أسعد أبو سعادة- محمد حافظ
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس كاملة
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس 2
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس نموذجا (1)
-
القسوة وطريقة تقديمها في -الكرسي لا يصلي- لامية عويسات
-
الماضي والحاضر في رواية -وادي الغيم- عامر أنور سلطان
-
التجديد في -ابنة الجنرال- أبو علاء منصور
-
التسرع في ديوان -ظلال وعشق وصدى محمد فتحي الجيوسي
المزيد.....
-
انتخاب الفلسطينية نجوى نجار عضوا بالأكاديمية الأوروبية للسين
...
-
لماذا يلجأ اللاعبون إلى التمثيل داخل الملعب؟
-
فيلم -الوحشي-.. المهاجر الذي نحت أحلامه على الحجر
-
ماكرون غاضب بسبب كتاب فرنسي تحدث عن طوفان الأقصى.. ما القصة؟
...
-
مصطفى محمد غريب: هرطقة الرنين الى الحنين
-
ظافر العابدين يعود إلى الإخراج بفيلم -صوفيا- في مهرجان سانتا
...
-
جينيفر لورنس خسرت دورًا بفيلم لتارانتينو لسبب يبدو صادمًا
-
اللغة والنوروز والجنسية.. سوريون يعلقون على مرسوم الشرع بشأن
...
-
فيلم -الرئيسيات-.. وهم السيطرة البشرية في سينما الرعب المعاص
...
-
-في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|