|
|
الفدائي في رواية الجرمق مهند الأخرس
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 01:22
المحور:
الادب والفن
عندما يكرس فرد ذاته لقضية وطنيه، بالتأكيد سيبدع ويتألق "مهند الأخرس" يعكف على كتابة تاريخ الثورة الفلسطينية أدبيا، وتحديدا روائيا، مستندا على شهادات من عاشوا الأحداث، فيعرفنا على شخصيات وإنجازات الثورة، وهذا الأمر نحن بأمس الحاجة له، في عصر تفشي الانتهازين والوصولين والفاسدين والمثبطين وحتى الخون، وعلوهم علوا كبيرا، وهذا ما يجعل أعمال "مهند الأخرس" ذات قيمة أخلاقية، مناقبية، فيكفيه بث الإيجابية فينا، في وقت أصبح السلبي/ السواد/ الفساد هو السيد والسائد. "علي أبو طوق" قائد وطني فلسطيني، نذر نفسه وحياته لخدمة شعبه وقضيته، فكان نموذجا للفدائي، نبي هذا الزمن وشهيد هذا العصر، يتوقف السارد عند هذه الشخصية التي تظهر كالبدر، مترفعا عن الحياة الدنيا، ساعيا وصاعا إلى السماوات العلى، فبعد التعرف على حياة هذا الفدائي، نتأكد أن هناك من أعطى ما تعجز عنه مؤسسات/ وزارات/ أحزاب، فبدى ما ينجزه "مهند الأخرس" وكأنه صدى/ تكمله/ ثمرة لما زرعه "علي أبو طوق" وهو بهذا يؤكد ما جاء به السيد المسح حينما قال: "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير": ص109، ففكرة الاستمرار/ الانبعاث/ تجديد الحياة فكرة سورية/ فلسطينية غارقة في الأصالة، فنجدها في عقيدة "البعل وعشتار/ تموز وأنانا" وجاءت المسيحية لتوكدها، وتبعها الإسلام الذي قال عن الشهداء: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل لله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون" فالموت في العقيدة السورية/ الفلسطينية ـ منذ الأزل ـ يعني الحياة، من هنا يؤكد "علي أبو طوق" هذه العقيدة بقوله: "استشهدوا لكي يبقى لنا وطن وعيد" ص111. مآثر "علي أبو طوق" تعرفنا الرواية على طبيعية "علي أبو طوق" الذي فكر بطريقة (مجنونة) ليدخل السلاح إلى فلسطين المحتلة: "حفر نفق من جنوب لبنان إلى فلسطين المحتلة" ص89، وهذا يشير إلى أن بوصلته كانت فلسطين، لهذا تجاوز كل المعيقات (والخلافات) الجانبية، وعض على الجراح في سبيل قضيته التي آمن بها، فأثناء حرب المخيمات، وتحديدا حصار مخيم شاتيلا الذي كان يتواجد فيه، رفض المساعدة لتعزيز صمود المخيم، وطلب العمل على ضرب قوات الاحتلال: "استمروا في مهاجمة إسرائيل بكل الطرق، وهذه المساعدة الأفضل لنا" ص92، هذا الموقف ينم على أننا أمام شخصية مبدعة، تعرف أن حروب الأخوة هزيمة، وانتصارا لعدوهم، من هنا جاء طلبه بمثابة ـ إشارة غير مباشرة ـ إلى أن هناك عدو لنا جميعا، وعلينا محاربته، وليست محاربة أنفسنا. أثناء حصار المخيم، كان يتابع حياة الناس قبل متابعة أوضاع المقاتلين: "يقوم بنفسه بمتابعة المصروف اليومي للخبز من لحظة خروج كيس الطحين من المستودعات حتى وصوله إلى الفرن وخبزه وتوزيعه على السكان" ص 97، وعندما شاهد أحد الفدائيين يأكل الحم، خاطبه مؤنبا: "كيف تستطيع أكل الحم، وأهلنا لا يستطيعون أكل الخبز" ص97، هذه الأخلاق تنم على أن "علي أبو طوق" تقوده مفاهيم سامية، تجعله (أسيرا) لها، بحيث لا يستطع الاستمتاع/ التلذذ بنعم الحياة، ما دام شعبه لا يستطيع مشاركته ما يتنعم به. أما عن مكان نومه وكيف كان ينام: "ينام على الأرض، أو في موقف السيارات، أو في بناية قيد الإنشاء وكان يضع تحته كرتونة وينام، ولا يتجاوز نومه أكثر من أربع ساعات" ص99، من خلال هذا المشهد نصل إلى أن الشهيد كان زاهدا في حياته، أكثر من أهل المخيم أنفسهم، فهو مقاتل وعليه أن يكون مثلا للجلد والصبر وتحمل مشاق الحصار. أما عن ممتلكاته وثروته: "لم يكن يملك خزانة ليضع فيها ثيابه، بل إنه لا يملك بيتا أصلا ليضع فيه هذه الخزانة، فعلي لم يكن يسكن في أي بيت، علي كان بيته الثورة، ومسكنه المعسكر" ص216، هذا هو الفدائي، نبي عصرنا ومثلنا في العطاء وقدتنا في العمل، من هنا، أثر هذا النبي كان حاضرا في المخيم، فيكفي أن يذكر اسمه حتى تزول الخلافات وتنتهي النزاعات: "فإن الاستنجاد ب (رحمة علي) يكون كافيا لإنهاء الشجار فورا ودون شروط" ص227، إذن "علي" كان حاضرا وفاعلا ومؤثرا حتى لو لم يكن موجودا بجسده، فاسمه يكفي لبث المحبة والمودة بين الناس، فكيف يكون الحال إذا ما حضر بجسده!؟ "أبو طوق" القائد القائد يحرص على حياة جنوده، ويعرف كيف يحميهم، من هنا كان "علي أبو طوق" أول ما يصل إلى مواقع المقاتلين: "يطمئن على التحصينات، ويقول: الحفاظ على الذات أولى مهماتنا، لا تجعلوهم ينالون منكم، وفروا شهداءنا للمعارك، ثم يوزر المستودعات فيطمئن على التموين، نوعا وكما ويقول: الأجسام القوية من التغذية الصحيحة، ثم إلى الذخائر والأدوات الأخرى، يدور حول الموقع ويلتقط كل غيار داخلي مرمي، وكل بذلة أو حذاء أو وعاء للطهي... يأخذه معه، يغسله ويصلحه ويعيده جديدا ويقول: الحفاظ على ممتلكات الثورة أمانة في أعناقنا جميعا فالذين لا يحافظون عليها لا يحافظون على رجالهم، إنهم لا يحافظون على دماء الشهداء" ص228، بسبب هذا السلوك كان كافة المقاتلين يفضلون القتال مع "علي أبو طوق" فهو لم ينتقد السلبيات قبل أن يقوم بعمل الصواب، غسيل، تصليح، من هنا هو رجل أعمال وأفعال قبل أن يكون رجل أفكار. حياة الفدائي صعبة، وهو مطارد من الأعداء (والأشقاء) لهذا كان "علي أبو طوق" يحتاط لما هو قادم: " يأخذ معه أحد الأخوة أو أكثر بين الجبال حاملا معه كيسا كبيرا، ويحفر بالأرض ويضع علامات ويدفن كيسه، وعندما يسأل ماذا يفعل، يقول: أدفن ذخائر وطعام، سيأتي يوم نحتاج فيه لهذه الأغراض... واحتاجوها...في أثناء حرب عام 1982 وما بعدها، كان يسبق في كل شيء، حتى الحفاظ على عائلاتنا، في إجازاتنا كانت عائلاتنا تفاجأنا بأن عليا زارهم ومعه آخرون، وسأل عن أحوالنا، ويداعبنا بالسؤال عن حسن العلاقة بيننا وبينكم، ويفرغ حمولة السيارة من التموين الجاف، وفي كل مرة يعرض على عائلاتنا أموالا" ص229، نلاحظ الرؤية المستقبلية عند القائد، فهو يستشعر الخطر القادم، ويستعد له، كما نجده يحرص على حياة أسر الجنود وتوفير ما يحتاجون من متطلبات، حتى النواحي النفسية اهتم بها، فالأسرة عندما تكون في انسجام ووئام، ينعكس ذلك إيجابيا على المقاتل الذي يصب اهتمامه وتفكيره وقدراته على مواجهة الأعداء ومنازلتهم. أثناء حرب المخيمات وحصارها، أحتاط "علي أبو طوق" ليس على السلاح والغذاء فحسب، احتاط لحاجات لا تخطر على بال بشر: "حفاظات الأطفال وفوط النساء الصحية خزنها" ص230، وهذا ما يجعله رجل يتجاوز عصره، رجل يفكر بهموم وحاجات الناس كما يفكر بهموم وحاجات المقاتلين. أما عن استشهاده فكان بواسطة العملاء: "تمكن أعداء المخيم الفلسطيني من تشريك قذيفة مدفع أصابت الشهيد على أبو طوق وعدد من رفاقه سقطوا بين شهيد وجريح ومنن بينهم لبنانيين وعرب" ص232، وبعد أن وصل خبر الفاجعة لرئيس منظمة التحرير الذي كان يحضر مؤتمر القمة الإسلامية في الكويت، خرج من الجلسة مغادرا، مما حدا بأعضاء المؤتمر على تعزيته بفقدانه أحد اهم القادة الفلسطينيين، وهذا يعد تكريما من الله للشهيد الذي قضى في يوم 27/1/1987وهو يدافع عن أبناء شعبه وأمته. مقولات الشهيد "علي أبو طوق" "علي أبو طوق" لم يكن يتصرف بحكمة فحسب، بل كان ينطق بها أيضا، لهذا تعد كلماته حكم يسترشد بها في كل زمان ومكان: "نحن لسنا ملكا لأنفسنا، وإنما ملك الشعب والقضية" ص240، "الشعب هو الدرع الحامي للثورة" ص249،
شهادات الأخرين ينقل لنا السارد بعض ما قاله الآخرون عن "علي أبو طوق" منهم "محمد الشبل": كل كتب الكون لا تفيه حقه...فتح مدخلا وبابا إلى فلسطين، ولن يقفل" ص247و248، أما "محمد درويش" فيقول: "هو أول من يستشهد، وأخر من ينسحب وأول من يجوع، وآخر من يأكل، وأنه في الأصل خلق من أجل خدمة الناس، والشعور بقضاياهم ومشاكلهم ومعاناتهم" ص253، أما "حنان بكير" فتقول: "سرت معه في أزقة المخيم، كان مدججا بالسلاح، وعندما يشاهد طفلا يدس يده في جيبه، ليخرج لهم حبات الشوكولا والسكاكر، وينقلب طفلا مثلهم ... فترات الهدنة كانت تحوله إلى عامل نظافة لأزقة المخيم ومجاريرها...أخبرته ذات مرة عن فنان تشكيلي فلسطيني يعاني المرض...قلت لعلي: سأحضر لزيارتك مع الفنان، أجابني على الفور: مثل هؤلاء نحن نذهب إليهم...في اليوم التالي أرسل وفدا من امرأتين إلى بيته مع مبلغ من المال...وأجرى له مخصصا شهريا كان يصله بانتظام" ص254و255، ويقول السارد: كان يحفظ أسماء الجميع ويسأل عنهم فردا فردا، قدراتهم، تطورهم، مشاكلهم الخاصة أوضاعهم الأسرية، الانسجام الداخلي في المجموعة، تحس انه يرعى نبتة صغيرة يتفقدها كل صباح" ص265. العنوان "الجرمق" العنوان له مدلول جغرافي، قمة أعلى جبل في فلسطين، وهو اسم الكتيبة الطلابية التي أنشأها "على أبو طوق" وكان قائدها، هذه الكتيبة التي شاركت في كافة المواجهات مع العدو، وما جرى في قلعة الشقيف إلا صورة عن طبيعة هذه الكتيبة، كما أنها كانت تضم العديد من الطلبة والخرجين العرب وغير العرب، الذي انخرطوا في صفوف الثورة، منهم الدكتور الكندي "كريس يانو" الذي جاء إلى لبنان لمعالجة جرحى الثورة والمواطنين. مأساة الفلسطيني الرواية توقف عن واقع الفلسطيني، وهذا يحسب لها لما فيه قيمة معرفية، حيث يتعرف المتلقي على مأساة الفلسطيني وبطولاته، السارد يحاور أحد الأصدقاء الذي يختزل واقع الفلسطيني بهذه الصورة: "نحن الفلسطينيون كمثل صبار حزين، لا يبكي، لأنه يدرك أنه لو بكى مائة عام، لن يحتضه أحد" ص8، هذا الواقع فرض على الفلسطيني أن يكون لوحده، يقلع شوكه بيده ـ وهذا لا ينفي مساعدة الأحزاب الوطنية والقومية، والعناصر الحرة في الدول العربية وبقية دول العالم ـ لكن هذا النظرة شاملة لكل من شارك في الثورة، وأصبح جزء منها، ومن الشعب الفلسطيني، ولكثرة ما فقدنا من شهداء في حروبنا مع (الأشقاء) جعل رئيس منظمة التحرير يقول: "من يقرب هذا الدم تحل عليه اللعنة" ص36، من هنا كان الفلسطيني بمثابة مسيح هذا العصر، يضرب، يعذب، يصلب، يقتل ومع هذا يحب (أعداؤه) ويصفح عمن ظلمه: "وليس في انتصارنا ما يشي برغبة في الثأر من الماضي" ص47. ينقل لنا السارد شهادة "أمنة جبريل" عن حال الأم الفلسطيني التي فقدت أولادها: "أم فاعور خلايلة التي فقدت ثلاثة من أبنائها، والتي لم تستوعب أنهم قد أصبحوا شهداء حتى مماتها، فكانت تأتي في كل صباح إلى الضريح تحمل معها ركوة القهوة، وتتحدث معهم بكل وجعها وألمها وحسرتها وما ألم بها، ثم تدعوهم لشرب القهوة بصوت يصدح في المكان يبكي كل من حولها" ص239، هذه المشهد يكفي لتبيان صورة عن مأساة الفلسطيني، أم تفقد كل أولادها، تجن، لكن جنونها كان فيه إبداع، فيه إنسانية، فيه وفاء. الفلسطيني مطارد/ منبوذ حتى في موته: "يسافر إلى ألمانيا عبر باريس للعلاج، في باريس يكتشف طاقم الطائرة أنه مات، فينقل الجثمان (حسب خط التذكرة) إلى ألمانيا التي سمحت بدورها بدخوله، نظرا لأنه يمتلك فيزا، لكنها رفضت دفنه كونه لا يمتلك إقامة، السعودية حيث تسكن عائلته رفضت استقباله كونه ليس مواطنا، ومصر صاحبة وثيقة السفر رفضته، لأنه لا يحمل تأشيرة عودة، والجثمان مسجى في المستشفى إلى أن يجد قبرا لا وطنا" ص407، هذا المشهد يبين مأساة الفلسطيني، وعقم الأنظمة العربية التي لا تعترف بإنسانية الفلسطينية، فما بالنا بوطنيه وحقه في الكفاح والمقاومة!! لهذا كانت الثورة ملاذه الوحيد، وملاذ الشعوب العربية التي تسعى نحو الحرية والكرامة والحياة السوية، فمأساة الفلسطيني تتجاوزه لتطال كل ما هو عربي، فهل يعقل لأمة علمت الأمم الكتابة والحروف الأبجدية، والدورة الزراعية والدولاب/ العجلة، وأنجزت أول مدونة أدبية فلسفية (ملحمة جلجامش) أن تكون بهذا الذل والانحطاط!؟ صمود الفلسطيني صمود الفلسطيني جعله أسطورة هذا الزمان، فقد تعود على الموت واقفا، رافعا رأسه وسلاحه بوجه الأعداء، ولاستبساله وقدرته على الصمود والثبات، جعلت: "حتى الناس اللي كانوا عدو لمنظمة التحرير كانوا يحترموا صمود شاتيلا ورمز شاتيلا" ص307، هذا على مستوى (الأشقاء) الأعداء، أما جنود العدو فيعترفوا بهذه الحقيقة: "122 ساعة أخرى بعد الخمسين الأولى، قاتل فيها فدائيان حتى (استشهادهما) صبيحة يوم الأثنين 7 حزيران/ يونيو 1982، بعد أن قتلا 7 جنود وإصابة 17 جنديا بجروح" ص318، هذه صورة من صور صمود المقاتلين في قلعة الشقيف التي جاء "بيغن" رئيس وزراء العدو بنفسه، ليطلع على مجريات المعارك فيها، فوجد هذه الحقيقة: "سأل بيغن أحد الجنود أمام عدسات التلفاز: هل كان لديهم بنادق؟ فأجاب الجندي: الكثير من البنادق، ثم سأله: هل استسلم أحد؟ فرد الجندي بغضب وهو يكاد يبكي: لم يستسلم أحد منهم، وكررها "لم يستسلم أحد. نظر بيغن إلى الأرض فوجد الرصاص يغطيها، ثم نظر إلى شارون، وعلى حد قول المعلق الإسرائيلي فإن بيغن فهم ما يجري. قال له شارون: لماذا جئت إلى هنا... القتال ما زال قريبا، غادر بيغن وعلى وجهه علامات الخيبة، ولم يعد منذ ذلك الوقت إلى لبنان سواء خلال الحرب أو بعدها، واكتفى بتلقي التقارير من بعيد" ص320، هذه صورة المقاتل الفلسطيني والعربي، فالبسالة والتضحية هما العنوان: لا تراجع لا استسلام، وهي رد على كل الجيوش العربية التي تأكل الأخضر واليابس، تحت عنوان (حماية الوطن)، لكنها في الحقيقة تحمي الأنظمة ولا تحمي الوطن، وهذا ما أكدته الأحداث في كل الدول العربية، فالجيش أرنب أمام العدو وسبع أمام الشعب!! ديمقراطية الفلسطيني الفلسطيني كان نموذجا في الديمقراطية، واستيعاب الآراء/ الأفكار الأخرى، حتى لو كانت جارحة، ففي الثورة الفلسطيني لا توجد جريمة قدح المقامات العليا، لأنها ثورة لكل الشعب الفلسطيني، الصغير والكبير، الرجل والمرأة، القومي والوطني، الديني والشيوعي. يتعرض "خالد الحسن، أبو السعيد" أثناء محاضرته لهجوم من أحد الشباب، واصفا ما جاء في المحاضرة "بالانبطاح والتفريط والردة عن مبادئ الحركة ومنطلقاتها" ص114، وبعد الانتهاء من المحاضرة، يطلب أحد العناصر من هذا الشاب الذهاب إلى "خالد الحسن" والاعتذار عما بدر منه، لكن كان موقف خالد الحسن: "إياك أن تعتذر، ما قتلته أنت من وحي سنك وهو عين الصواب، وما قلته أنا من وحي سني وتجربتي أراه صوابا، ولكنني لا أستطيع أن أطمئن للمستقبل إلا بوجود أمثالك" ص114، هذا الموقف يؤكد أننا أمام ثورة جامعة/ موحدة للكل الفلسطيني، وثورة تستوعب كل الأفكار الأخرى لخدمة فلسطين والشعب، وتؤسس لدولة ديمقراطية، دولة تعي دور الشباب وفاعليتهم ودورهم وأهميتهم في الحياة، لهذا كان رؤية "خالد الحسن" رؤية متقدمة، تتجاوز الرسمي العربي المتحجر الذي يرى نفسه "أنا ربكم الأعلى". وهذا الموقف تكرر مع "صلاح خلف، أبو إياد" الذي قال لمن وصفه بالانهزامي: "لو لم نكن مثلك ذات يوم لما انطلقت هذه الثورة" ص115، إذن قيادة الثورة كانت مثلا في تقبل الآراء الأخرى وتفهمها، لهذا استطاعت استيعاب كل العناصر الشريفة بصرف النظر عن معتقداتها الفكرية/ الأيديولوجية، وبصرف النظر أن كانت (مندفعة أو متفهمة) للواقع وللإمكانيات والقدرات. الإبداع الفلسطيني الفلسطيني الذي أنجز ثورة في زمن الهزيمة والقهر، ثورة من مخيمات اللجوء وما فيها من جوع وفقر، كان مبدعا في الفن والأدب والثقافة، فاهتم بالغناء والفنون والأدب والأنشطة الثقافية، وخرج العديد من المبدعين الفلسطينيين والعرب من عباءة الثورة التي فجرت في عناصرها طاقات إبداعية، ما كانت لتكون دون وجود الثورة. يحدثنا السارد عن أربعة قصائد بحاجة إلى تلحين، يذهب بها إلى "عبد العظيم محمد" وطلب منه بأن يقوم بإعداد لحن لها خلال ساعات قليلة، لكنه رد بأنها تحتاج إلى عدة شهور، لكن ما سمعه من اللجنة: "ولكننا في أحوال خاصة، ونحن في ثورة، ولنا مقايس مختلفة" ص170، وهنا دخل "عبد العظيم محمد" إلى معتكفه الفني وبدأ في أعداد التلحين، وخرج بعد ساعات منذهلا بإنجازه ونجاحه: "هل من المعقول أن أفعل كل هذا في ليلة واحدة" ص171، وهذا يؤكد أن الثورة تفجر الطاقات، وتتجاوز المألوف/ العادي، وتحقق المعجزات. كما يتجمع الفقراء والضعفاء حول الأنبياء، يتجمع الشرفاء حول الثورة الفلسطيني التي لم تفرق بين شخص وآخر، بين دين وآخر، بين دولة وأخرى، فكانت مقبرة الشهداء نموذجا للوحدة الوطنية/ القومية/ الإنسانية، مقبرة تجاوزت الانغلاق الديني، والجمود العقائدي، فكانت مقبرة قومية وأممية: "تجاور قبور المسلمين والمسحيين، ولا بل عن القبور الجماعية التي يختلط فيها المسلم والمسيحي والكبير والصغير والرجل والمرأة والفلسطيني واللبناني والعربي الحر" ص110، هذه الوحدة القومية كافية لإثارة الأعداء الذي يدفعون أدواتهم في المنطقة لتحارب أية فكرة/ عمل/ سلوك نبيل، يخدم الوحدة العربية، وتحارب كل من يذكر أن هناك وطن سليب، وأعداء قتلة لا يفرقون بين هذا أو ذلك، فكل من هو عربي يجب أن يكون تحت التراب. الإبداع الفلسطيني لم يتوقف عن حالة واحدة، فنجده حتى في الأسر، يتم أسر العديد من مقاتلي الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، ووضعهم في معسكر أنصار سيء الذكر، حيث أستخدم العدو وعملاؤه أقسى أنواع التعذيب معهم، تقرر مجموعة أسرى ـ خمسة عشر أسيرا ـ التحرر من الأسر، فيتم حفر نفق: "بعمق مترين ونصف المتر وبطول سبعة وثلاثين مترا...استطاع أن يخرج منه هذا النفق ما يقارب (766) بطلا حرا" ص357، بسبب هذا الإبداع متعدد الأوجه، كانت الثورة الفلسطينية مطلوبة للعدو الصهيوني وللأنظمة العربية التي لا تريد أن ترى من يعرها ويكشف عجزها وعريها. الوطن فلسطين بالنسبة للفلسطيني ليست مكان، أو جغرافيا، أو بيت... هي وطن، والوطن المحتل هو بمثابة الجنة المفقودة، لهذا لا ينفك يتغنى به وفيه: "حين أتحدث عن وطني....لا أشبع" ص70، من هنا لا يرضى إلا به، ولا يقبل إلا أن يكون فيه: "شيئا واحدا يجب أن أعرفه، هو أن هذه البلاد لنا" ص79، هذا التماهي بين الفلسطيني والمكان هو ما يميزه عن الآخرين الذين يريدون الحياة فقط، بينما الفلسطيني يريد الحياة بوطنه، وليس في أي مكان آخر: "الموت اقصر الطرق لتحرير فلسطين" ص80، بهذه الروح يتعامل الفلسطيني مع وطنه فلسطين. ولهذا نجده يتوقف عند المدن والبلدات والقرى والجغرافيا الفلسطينية، فيحدثنا عن صفد، عكا، يافا، حيفا، بحرنا الفلسطيني، عن برتقال يافا وعن الازدهار الذي كان فيها: "كانت بيارات يافا دون أسوار وكانت فلسطين بلا جيش ومع ذلك كان برتقال يافا يسافر حيث يريد وكان بريد يافا يستقبل كل طوابع العالم" ص74، هذه الصورة تبين كيف يتعامل/ ينظر الفلسطيني إلى وطنه، فهو الجنة بعينها، وهو الحياة التي ينشدها، وهو الغائب الذي ينتظر عودته، وهو العز والكرامة المفقودة، كل هذا وأكثر هو الوطن الفلسطيني. حكم السارد ينقل مجموعة من الأقوال "لعلي أبو طوق" ولرفاقه الذي شاركوه النضال، أو ما جاء على لسان أدباء ومفكرين، من هذا الأقوال ما جاء به "تولستوي": "لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو ما تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين" ص78، وما جاء في رواية الأم لمكسيم غوركي: "إني لا أستطيع أن أسمح لهم باستعمال ظهري كي يتعلموا كيف يجلدون الآخرين" ص336، "الوطن البعيد نحن فداه، يكرم الشهيد يتبع خطاه" ص91، "الأمة التي تنسى عظمائها لا تستحقهم" 104، "أمة لا تتذكر شهدائها محكوم عليها بالذبول والأفول" ص112، "ثلاثة أماكن للوحدة الوطنية الفلسطينية، الجبهة، المستشفى، القبر" ص301، وعن المقاومة والصمود في قلعة الشيف: "أنها كانت قبل أن تعلمك لتكون مقاتلا، تعلمك كيف تكون إنسانا" ص315، "أسوء المعارك هي التي تهزم بها قبل أن تخوضها" ص404، وعن ضرورة المواجهة لكي لا نكون "زكي الندواي" بطل رواية حين تركنا الجسر: "فالانتظار موت، والخنوع موت، والحياد موت، والتردد موت، وأنصاف المواقف موت، وفقدان الأمل موت، والغباء موت، والارتداد عن فكرة الحرية موت، وخذلان الثورة موت"ص411. كتابة الرواية الرواية كبيرة الحجم 415 صفحة، وهذا له علاقة بالحكم التي جاء آنفا، فالسارد أراد بها تذكيرنا بشهدائنا الذي نستحقهم ونستحق أن نكون أتباعهم، من هنا جاءت فكرة كتابة الرواية تكريم "علي أبو طوق": "فقررت أن أعرف من هو علي أبو طوق حق المعرفة، نهجا وعلما وسلوكا" ص13، يؤكد السارد أنه الكاتب نفسه من خلال: "أنا علي طلال عمر الأخرس "أبو يافا" من دير الذبان قضاء الخليل" ص112، وكأنه من خلال هذا الوضوح يؤكد واقعية الأحداث وما جاء في الرواية من شخصيات، فهو يقدم مادة معرفية، يرى أنها ضرورية لكل فلسطيني. أخطاء الرواية وهذا ما جعل السارد/ المؤلف ينساق وراء شخصية "علي أبو طوق" ويرددها في الفقرة والواحدة أكثر من مرة كما جاء في الصفحة 94: "بينما كان الشهيد القائد علي أبو طوق يتفقد المواقع في أثناء وقف اطلاق النار حضر ضابط من الجيش اللبناني ـ اللواء السادس ـ وطلب وقتها الحديث مع مسؤول المواقع حيث كان الشهيد علي أبو طوق موجودا في الموقع في تلك اللحظة، حينها رأى الضابط اللبناني الشهيد علي أبو طوق فبادر الضابط اللبناني بالقول: أنت علي أبو طوق، فأجابه أبو طوق نعم" في هذا المقطع بدا السارد (مهوسا) بشخصية "علي" مما جعله يكرر اسمه بهذا الشكل، وهذا الأمر تكرر في الصفحة 388 عندما تحدث عن "جورج عسل، أبو خالد" فتم تكرار الاسم بطريقة مزعجة. وهناك أخطاء جاءت في الصفحة 49: "إسرائيل في الشمال ويهوذا في الجنوب" والصواب (يهودا)، وهناك خطاء في تسمه جيش الاحتلال جاء في الصفحة 290: " لكن في العام 1981 قام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية إنزال سريعة" فالصواب استخدام جيس الاحتلال. الرواية من منشورات دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان الأردن، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2018.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفرح والتمرد في -قصائد بابلية- ليلى إلهان
-
كتاب -مقاعد المبدعين محجوزة (للمجانين)، التمرد هو السبيل، أب
...
-
الحكاية والرواية في -بيت الأسرار- هاشم غرايبة
-
العام والخاص في مجموعة -سعيد أسعد أبو سعادة- محمد حافظ
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس كاملة
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس 2
-
أدب الثورة في -رواية سافوي- لمهند طلال الأخرس نموذجا (1)
-
القسوة وطريقة تقديمها في -الكرسي لا يصلي- لامية عويسات
-
الماضي والحاضر في رواية -وادي الغيم- عامر أنور سلطان
-
التجديد في -ابنة الجنرال- أبو علاء منصور
-
التسرع في ديوان -ظلال وعشق وصدى محمد فتحي الجيوسي
-
الانفتاح في كتاب -رحلتي مع غاندي- أحمد الشقيري
-
الكتابة في رواية -عائشة تنزل إلى العالم السفلي- بثينة العيسى
-
مجموعة الأقدام تكتب، سردية بين المحطات والذاكرة كمال أبو صقر
-
الشكل والمضمون في رواية -نساء الظل- خالد محمد صافي
-
الفلسطيني القومي في ديوان -رهين النكبات 5- أسامة مصاروة
-
التألق في قصيدة -من ركن بعيد- محمد أبو زريق
-
التألق في قصيدة -من ركن بعيد- محمد أبو زريق
-
غزة والشاعر في ديوان -دم دافئ فوق رمل الطريق- سميح محسن
-
الشكل والمضمون في مجموعة -دوي الصوت فيهم-
المزيد.....
-
الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال
...
-
وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
-
عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير
...
-
مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025
...
-
“فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو
...
-
غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله
...
-
تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
-
وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
-
الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا
...
-
-Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|