|
|
الرمزية في رواية -رحلة المينا الهندي- عامر أنور سلطان
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 16:08
المحور:
الادب والفن
أول حسنة في الرواية "رحلة المينا الهندي" تقديم الواقع من خلال الحيوان/ الطيور، وهذا يقودنا إلى تراثنا القديم وإلى عالم كليلة ودمة، فعقلنا الباطن تربى على الحكم وعلى الرمزية الكامنة في لغة الحيوان، وثاني حسنة وجود ساردين في الرواية، السارد الرئيسي "ونور" حيث يسلم السارد الرئيسي مهام السرد ليتحدث عن طائر المينا، وأحيانا نجده يتشارك مع نور في الحديث عن عدائية المينا الهندي ـ خاصة في آخر أحداث الرواية ـ وثالث حسنة استخدام "نور" لطريقة شهرزاد في سردها للأحداث، فعندما يريد أن ينهي أو يبدأ الحكاية نجده يتماثل في ما جاء في ألف ليلية وليلة، وهذا ما يجعل الرواية مضمونا وشكلا أقرب إلى التراث القدم، لكنه جاء على شكل رواية حديثة. العنوان والواقع من خلال الواقع ووصول طائر المينا الهندي إلى فلسطين في بداية الألفية الثالثة، وما أحدثه من خراب في البيئة الزراعية والحياة البرية، والأذى الذي سببه لبقية الطيور في فلسطين، يدخلنا السارد إلى عالم الطيور، ففي البداية الأحداث يحدثنا عن الصراع بين الغربان وطيور الثلج من جهة وبين الطواويس، حيث تتنصر الغربان التي تقرر التخلص من أذى والشر الذي يسببه طائر المينا الهندي من خلال ترحليه إلى بلاد الندى، بعد أن رفض المينا السكن في البلاد البعيدة والدافئة، وطبعا هذا يقودنا إلى الحرب العالمية الأولى والثانية، وإلى قرار بريطانيا إعطاء اليهود فلسطين وطن قومي، ويقودنا إلى كيف تم تأسيس دولة (إسرائيل) من قبل الغرب. لكن بلاد "الندى"/ فلسطين كانت عامرة بأهلها، لهذا كان لا بد من تفريغها لتكون آمنة للمينا الهندي: "إن أردتم أن نبقى ونعيش في هذه البلاد عليكم أن تخلصونا من سكانيها"ص78، وهذا ما تم حيث عملت الغربان على تهجير "الحجل" من التلال ولتكون مكانا للمينا. المينا الهندي يتوقف السارد عند "المينا الهندي" سبب مأساة "الحجل" حتى أنه يعطي صورة وافية عن طبيعته المؤذية والشريرة التي لا يؤمن جانبها، فهي طيور لا تعرف إلا الشر وإلحاق الأذى بالآخرين: "أن المينا هو من أحرق العالم قبل أن يأتيهم بقناع البراءة والضعف، وكان يخفي كل المكر والدهاء الذي تعلمه منذ حرب الآلهة إلى الآن خلف عيون تسيل بماء التمثيل المتقن" ص74، فالشر، الأذى، المكر، الدهاء، متأصل في المينا وفي فكره ومعتقده، فهو يستند على فكر خرافي بالي: "إنه الطائر الذي يحمل لعنة الأساطير القديمة" ص22، وهنا يدخلنا السارد إلى العديد من الأساطير والمعتقدات السومرية "مردوخ، تيمات وأبسو، أيرشكيجال، عشتار" وغيرها من الآلهة، ليعري المعتقد الديني لطائر المينا: "هذه المعابد لا يجوز أن يسكنها غيركم، هي عطية الآلهة منذ القدم لأجدادنا وأحفادنا من بعدنا" ص50، بهذا التسلسل يشير "نور" إلى بداية الحركة الصهيونية وبدايات تكون فكرها الديني السياسي، لتبدأ بعدها الهجرة إلى بلاد الندى: "ستُجذب هذه الأرض عما قريب، ستزحف الصحراء وتبتلع المدن والغابات، وستهضمها كذبابة في جوف ضفدع، أنا نابو أنذر أهل هذه الأرض بعذاب قادم" ص51. ويحدثنا عن الكذب والخداع الذي يمارسه المينا من خلال قلب الحقائق وتزيف الوقائع، فرغم انه جاء إلى بلاد الندى وهجر "الحجل" من التلال، إلا انه يلعب دور الضحية: "لم يأت إلا غازيا على هيأة ضحية، عندما كنسته الغربان عن أراضيها إلى بلاد الندى كان يحمل مظلومية صور للعالم أنها وقعت عليه" ص73، وهذا يرسخ حقيقة دولة الاحتلال وطبيعتها، فهي دولة قامت على أسطورة غارقة في الخرافة، وعلى كذب وقلب الوقائع والحقائق، مستندة على قوة الغربان التي هيأت لها بلاد الندى لتدخلها بسلام وأمان. كما يتوقف السارد عند عقلية "المينا" التوسعية، فهو لا يعرف (التراجع أو التنازل) عما يصل إليه، ويعتبره ملكا خالصا له: هذا الطائر يريد كل شيء، ولا يعرف التنازل عن أي سرقة حصل عليها، وهو ماهر في التنصل مما يلتزم به" ص91، هذا المقطع جاء بعد مقتل أحد طيور "المينا" الذي وقع مع "الحجل" على اتفاق يتنازل فيها عن بعض التلال التي استوى عليها سابقا لصالح الحجل، بعدها تشتعل الحرب بين الحجل وبين المينا، ليعود المينا في تصوير نفسه كضحية وبريء ومسالم، رغم وحشته وشراسته في قتل أفراخ الحجل: "أما المينا فكان يقتل ويمتص دم ضحاياه، ويبكي أمام الطيور الأخرى وأمام الغراب، ويصور الدم حول مناقيره من آثار ضحاياه بأنه دمه، والجراح حول مخالبه التي سببها كسر عظام ضحاياه على أنها حرب تخاض ضد وجوده" ص105، ولا يكتف المينا بهذا ، بل يتغول أكثر في بطشه، حتى أنه يقرر أخذ بوصية الغراب والقضاء على رئيس الحجل، ليشتتهم أكثر، بحيث لا يعود من يقودهم أو يمثلهم: "أقطعوا رأسهم لينبت لهم أكثر من رأس" ص105، وبهذا يصل القارئ إلى حقيقة وطريقة وأسلوب المينا وطبيعة المهام الموكل له. الحجل في المقابل نجد الحجل الذي فعل ما باستطاعته ليحول دون فقدانه للتلال في بلاد الندى لكنه فشل، وعندما أجبر على الاتفاق مع المينا على إخلاء بعض التلال له، كان ذلك من باب استعادة ما يمكن استعادته من بلاد الندى، فقد ألمت به خسائر فادحة ومتعددة: "فقرر التعامل مع الأمر بقواعد جديدة لوقف خسائره ونزف فراحه، قرر القبول بتلتين من تلال بلاد الندى على أن تتسع لاحقا حسب تطور الأمور" ص85، لكن هذا الاتفاق تم إلغاءه من قبل المينا الذي لا يحفظ عهد ولا يمكن الوثوق بعهوده، فطبيعته الناكثة للعهد تجعله في حل من أية اتفاقيات، وطبيعته التوسعة تجعله يتشبث أكثر بما بين يديه. كما يقودنا السارد إلى أثر الاتفاق بين الحجل والمينا على المنطقة العربية عامة وعلى الفلسطينيين خاصة من خلال هذا المشهد: "كان إيمان معظم طيور التلال بالحجل الذي أمضى حياته ومن معه يسعون خلف حلم العودة للتلال كبيرا" ص86، لكن حتى بعد أن تقليص الحلم وصغير، لم يرض المينا ولا الغراب بهذا الاتفاق، فقاموا بقتل الكثير من أفراخ الحجل، ثم عملوا على إحداث انقسام داخل صفوف الحجل، ومع هذا بقى الأمل بالمستقبل حاضرا في الحجل: "كلما ضاق عليهم التلال اتسع الأمل في قلوب بعضهم فحافظ على المسير في ظلام النفق نحو آخره" ص132، وسبب هذا الأمل ناتج عن طبيعة الحجل وعلاقته بالأرض، بسبب ارتباطه ببلاد الندى ف: "هو الطائر الوحيد الذي يبني أعشاشه ملاصقة للأرض، لا يرهنها لشجرة ولا لثقب بيت مهجور، لأنه يعلم أن بعد الموت لا يشعر الجسد أن أي لون يريح الجسد غير لون الأرض" ص143، رغم دخول "نور" في عالم الخيال، إلا أنه أشار لنا بطبيعة الحجل الذي يعشق الأرض وينتمي إليها، فهما كالجسد والروح، لا يمكن الفصل بينهما. كما توقف "نور" عند ضرورة الوحدة الوطنية ودورها في استمرار مواجهة المينا وتحقيق الانتصار: "هذا الأجساد لم تعد تعترف بفقرتكم، تريد أن تدفن إلى جانب بعضها... هذه الأجساد التي ضحت لأجل التلال ستفرض أيضا ألوانكم" ص140، اللافت في هذا المشهد أنه يقودنا إلى مقبرة الشهداء في بيروت، تلك المقبرة التي تضم كافة الشهداء، من كل الطوائف والملل، من كل الأحزاب، الوطنية واليسارية والدينية والقومية، من كل الجنسيات العربية وغير العربية، فكلام البوم وما فيه من حكمة يقدم الحجل من طبيعته الجامع والموحدة لمجموعته ولبقية الطيور الأخرى. السرد اللافت في الرواية وجود أكثر من سارد، السارد الرئيسي ونور" الأول يتحدث بعمومية، ثم يترك المجال لنور ليتحدث من "الحسون" في القفص، فتبادل أدوار السرد، يمنح الرواية بعد جماليا، بحيث يشعر القارئ أن هناك اكثر من متحدث/ راوي، كما أن التلقي/ الجمع بين رمزية سرد "نور" وواقعية السارد الرئيسي عن المينا الهندي، أعطى الرواية بعدين، الرمز والواقع. يضاف إلى ذلك أسلوب التشويق الذي استخدمه "نور" في جذب القارئ للأحداث، مما جعل الرواية شكلا ومضمونا وأسلوبا وطريقة تقديم سلسة وسهلة وممتع، وبهذا حقق السارد أهم هدفين، تقديم للقارئ فكرة وطنية/ قومية/ إنسانية عن طبيعة المينا الهندي، وإمتاعه بطريقة وشكل التقديم. الرواية من منشورات دار دلمون للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى 2025.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجديد والتجّديد في -شيءٌ يذكّرني بي- لعبد السلام العطاري
-
العطاء في كتاب -أم سليمان، تجربة ملهمة- أبو علاء منصور
-
دورة الحياة في رواية -جنين في جنين- نسيم قبها
-
التراث والرمز والتمرد في رواية -سعد سعود- محمد حسين السماعنة
-
الجديد والقديم في رواية -فتنة الزوان- إبراهيم الكوني
-
كتاب -تحت ظل القلم- مهند طلال الأخرس
-
أهمية كتاب منزلقات التفكير سعادة أبو عراق
-
المرأة والصحراء، السارد والبطل في رواية -التبر- إبراهيم الكو
...
-
رواية -نبوءة الصحراء- عامر أنور سلطان
-
الحاضر والماضي في رواية -ظلال عاشقة عامر أنور سلطان
-
الناقد، ما له وما عليه في كتاب -روايات وسير تحت الضوء- إبراه
...
-
السواد في ديوان -عراب الريح- عبد السلام عطاري
-
التمرد والفرح في رواية -الرخام الأسود- مختار سيعدي
-
القيمة الأدبية في -الشعلة الزرقاء، رسائل جبران خليل جبران إل
...
-
رواية -بين الحب والحرب- محمد حافظ
-
-غربان ديكسون- : رواية السارد المتمرد على السياق
-
الصوت الآخر في كتاب -حوار مع صديقي الملحد- مصطفى محمود
-
ملاذ الشاعر في ديوان -الرحيل إلى الندم- منذر يحيى عيسى
-
كثير من الأدب، قليل من السياسة في -هكذا انتهت البداية، سيرة
...
-
الجسر والتجارة الدينية
المزيد.....
-
افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب وسوريون للجزيرة مباشر: لا رقا
...
-
تأجيل موعد الانتهاء من وضع اختبارات اللغة للحصول على الجنسية
...
-
خريف الكتاب بمعرض القاهرة.. أي طريق لإنقاذ القراءة في مصر؟
-
مؤثرو منصات التواصل يشعلون صداما جديدا بين نقابة الممثلين وص
...
-
في معرض استثنائي بمراكش.. إيف سان لوران يخرج من عالم الموضة
...
-
ولهذا مات الشاعر!... إلى صديقي عبد الناصر صالح
-
مهرجان فجر في دورته 44 يشهد حالة من التوهج للسينما الإيرانية
...
-
من فاراب لدمشق.. لوحات تستحضر طفولة الفارابي ومساره الفلسفي
...
-
الخارجية العمانية: ركزت المشاورات على تهيئة الظروف الملائمة
...
-
بالفيديو.. إيقاف رياضي في الفنون القتالية لسبب غريب
المزيد.....
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|