أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا














المزيد.....

الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 09:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تُدار المناطق والدول اليوم بالدبابات وحدها، بل بالبيانات والاقتصاد وشبكات النفوذ المتداخلة. القوة الكبرى لم تعد بحاجة لاحتلال مباشر كي تفرض حضورها؛ يكفي أن تمسك بمفاتيح الطاقة، وأن تتحكم بسلاسل التوريد، وأن تؤثر في مراكز القرار المالي والإعلامي. السؤال لم يعد من يملك الموارد فحسب، بل من يحدد أسعارها، ومن يضبط النظام المالي الذي تُباع من خلاله.
هنا تبدأ الهندسة السياسية الحقيقية، لا في فعل ظاهر بدائي، بل في تصميم قواعد اللعبة نفسها.
الإدارة الحديثة للمناطق تقوم على أدوات دقيقة تعمل بهدوء: مراقبة تقنية متقدمة، حضور غير مباشر عبر شركات واستشاريين، تقارير إعلامية تُستخدم لتهيئة الرأي العام، وعقوبات اقتصادية تُسوَّق باعتبارها أدوات قانونية. التصريحات السياسية لا تكون دائمًا تعبيرًا عن موقف عابر، بل قد تكون تمهيدًا محسوبًا لخطوة لاحقة. الأزمات بدورها لا تُصنع دائمًا من الصفر، لكنها كثيرًا ما تُستثمر بذكاء. ارتفاع الأسعار، اضطراب الأسواق، توترات أمنية محدودة… كلها يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط ضمن سياق استراتيجي أوسع.
سوريا: أزمة الإدارة بين الخطط والواقع:
تمثل سوريا نموذجًا حيًّا للفجوة بين الخطط المعلنة والقدرة الإدارية الفعلية في إدارة الخدمات الأساسية بعد سنوات الحرب المدمرة. مع سقوط النظام السابق، ورثت السلطة الحالية مؤسسات شبه متوقفة عن العمل، فوجدت نفسها أمام اختبار أعظم: إعادة بناء الإدارة قبل إعادة بناء الحجر. وعلى الرغم من الإعلانات المتكررة عن نيتها بناء دولة حديثة، إلا أن النهج المتبع يكرر أخطاء الماضي، حيث يبقى ضعف الخبرة الإدارية حجر الزاوية في تعثر المشاريع والخدمات اليومية.
تتولى السلطة الآن طبقة جديدة، معظمها من غير ذوي الخبرة الكافية في إدارة مؤسسات الدولة، مسؤولية تشغيل مرافق الحياة الأساسية. الكهرباء والمياه والاتصالات والسكن تتطلب خبرة تقنية وإدارية متخصصة، لا تُكتسب بالشعارات أو الولاء السياسي وحده. هذه الفجوة بين الإعلان عن مشاريع كبرى والخبرة العملية على الأرض تُفضي إلى تراجع مستوى الخدمات، تأخر تنفيذ المشاريع، وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يضع المواطنين تحت ضغط مستمر ويجعل السلطة عرضة للنقد المستمر.
ضغط المعيشة والأسعار:
النتائج اليومية واضحة على الأرض. ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل ملحوظ، بينما تبقى القدرة الشرائية للأسر في تراجع. أحد أبرز الأمثلة هو سعر ربطة الخبز التجاري الذي وصل في أواخر 2025 إلى نحو 5500 ليرة سورية مع تقليص وزنها مقارنة بما كانت عليه سابقًا، في حين استمر سعر الخبز المدعوم منخفضًا رسميًا لكنه غير كافٍ لتغطية حاجة الأسر بالكمية والجودة المطلوبة. في المقابل، لا يواكب الدخل الحقيقي للمواطن هذا الارتفاع في التكاليف، ما يسهم في تراجع مستويات المعيشة.
تكاليف المعيشة لأسرة متوسطة الحجم تضاعفت بشكل كبير، حيث تجاوزت احتياجات الأسرة الأساسية مستويات يصعب تحملها على الدخل المتاح، بينما لا تزال كثير من برامج الدعم عاجزة عن سد الفجوة بين الحاجة الفعلية والقدرة الشرائية.
المشاريع الكبرى والإصلاح المؤجل:
تتفاقم مشكلة الأداء المؤسسي حين تتحول المشاريع الكبرى المعلنة إلى شعارات دون تنفيذ فاعل. على سبيل المثال، تم الإعلان عن توفير كميات كبيرة من القمح لدعم سوق الخبز، ومع ذلك تظل الإجراءات التنفيذية غير مكتملة بعد أسابيع من الإعلان. وعلى صعيد الطاقة، أعلن عن مناقصات لاستيراد النفط وتشغيل وحدات طاقة لحل أزمة الكهرباء، ولكن شبكة الكهرباء الوطنية - المتضررة منذ سنوات - لم تتحسن بشكل ملموس، ولا تزال ساعات التغذية الكهربائية محدودة.
هذه الفجوة بين الخطاب والخطة من جهة، وبين التنفيذ والنتائج على الأرض من جهة أخرى، تجعل الأداء الإداري أقرب إلى إدارة استجابة لحالات طارئة بدل إدارة استراتيجية طويلة الأمد.
تداخل الصلاحيات والوصايا غير الرسمية:
تزداد تعقيدات الإدارة حين تتداخل الصلاحيات بين مؤسسات رسمية ناشئة وبين فئات ذات نفوذ اجتماعي أو أمني سابق. بعض الشخصيات التي برزت في زمن الفصائل تشكل طبقة جديدة من الشيوخ أو الوجاهة الاجتماعية ( ما يوحي بأنها دولة داخل دولة) ، وتسعى إلى فرض سلطة وصاية على القرارات الإدارية. يظهر هذا بشكل واضح حين تؤثر هذه الفئات في إصدار القرارات المتعلقة بحياة الناس اليومية، سلوكهم، ومظاهرهم الشخصية، إضافة إلى محاولات لفرض رؤى رمزية أو تنظيمات اجتماعية تتجاوز نطاق القانون والجهات الرسمية.
هذه السلطة الموازية - التي لا تستند إلى نص قانوني واضح - تُربك سير المؤسسات، وتضعف المساءلة، وتخلق تنافراً بين ما هو رسمي وما يُمارَس فعليًا على الأرض، ما ينعكس سلبًا على قدرة الدولة في ممارسة سلطتها بفعالية.

التفوق التكنولوجي والأداة النسبية:
التفوق التكنولوجي يبقى عنصرًا حاسمًا في أي معادلة إدارة سياسية حديثة. من يمتلك قدرات متقدمة في التشفير، الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يملك أدوات أكبر لجمع المعلومات، التأثير في السرديات وربما تعطيل خصومه رقميًا عند الحاجة. إلا أن هذه الأفضلية لا تمنح السيطرة المطلقة، بل تمنح أفضليات نسبية ضمن صراع دائم التغير بين دول، مصالح، وشبكات نفوذ.
التخطيط مقابل رد الفعل:
السياسات الكبرى لا تُرسم كرد فعل يومي، بل ضمن استراتيجيات ممتدة تهدف إلى تثبيت مناطق النفوذ، حماية موارد الطاقة، ومنع استقلال كامل للخصوم في القرار أو الموارد. الهندسة السياسية ليست أسطورة جهة تتحكم بكل شيء، بل واقع معقد لشبكات مصالح تتحرك وفق خطط طويلة الأمد.
المشكلة لا تكمن في وجود التخطيط بحد ذاته، بل في غياب التخطيط المقابل داخل المؤسسات المحلية كي يكون قادراً على استيعاب التحديات اليومية وتحويلها إلى فرص إصلاح حقيقية. في عالم تُدار فيه الحسابات الدقيقة، من يكتفي برد الفعل يبقى خارج المعادلة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود ...
- اتحاد الكتّاب بين الشرط المهني وسلطة الوصاية
- ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، وال ...
- سوريا تلغي آثار إحصاء 1962 وتمنح الجنسية للسوريين من أصول كر ...
- الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأرك ...
- الحرب الليزرية الأولى
- قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي


المزيد.....




- طولها 5 بوصات فقط.. مسودّة رسمها مايكل أنجلو تحقق 27 مليون د ...
- قرقاش يُعلّق على زيارة السيسي إلى الإمارات ويتحدث عما -تُجسّ ...
- قتيلان في ضربة أمريكية استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات ...
- صحيفة إسرائيلية: مخاوف من خلافات تدفع للقاء مغلق بين ترمب ون ...
- تفاصيل صادمة.. عضو بالكونغرس يكشف ما رآه في ملفات إبستين غير ...
- فوز كاسح لليبرالي الديمقراطي في اليابان بـ315 مقعدا ومنح سان ...
- عاجل | وكالة إرنا: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ...
- نقش على رخام غزة.. فن يودع الأحياء ويخلد الشهداء
- أمنيون أوروبيون: ترمب يدمّر النظام العالمي
- تحسبا لهجوم.. صور جوية تكشف إجراءات إيران في موقع نووي مهم


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا