أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه














المزيد.....

هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 21:37
المحور: قضايا ثقافية
    


لا ينظر العالم الغربي إلى “الآخر” بوصفه كيانًا إنسانيًا مكتمل الملامح، بل بوصفه فكرة قابلة للتشكيل، وصورة مرنة يمكن تطويعها بحسب الحاجة، فالرؤية هنا ليست معرفة، بل وظيفة، وليست حوارًا، بل تجارة مقنّعة بثوب الفلسفة والأخلاق. الآخر في المخيال الغربي ليس ما هو عليه، بل ما ينبغي أن يكون كي تستقيم دورة الربح، وحين تختل الحقيقة، تُستدعى الصورة، وحين تعاند الوقائع، تُصاغ الرواية.في هذه الفلسفة، يُختزل الإنسان إلى دور، ويُضغط التاريخ في مشهد، وتُمحى التعقيدات لصالح وصف واحد سهل التداول، فتصبح الأمم “متخلفة” لأن التخلف مريح ذهنيًا، يضع الغرب في موضع القمة، ويمنحه حق الوصاية، ويبرر له لغة التعليم من علٍ، لغة المعلّم الذي لا يرى في التلميذ سوى نقص دائم. التخلف هنا ليس توصيفًا معرفيًا، بل حالة ضرورية لاستمرار التفوق الرمزي، لأن المتساوي لا يُباع له شيء، أما المتأخر فيُباع له كل شيء.وحين يريد السوق سلاحًا، تُستحضر صورة الإجرام، لا بوصفه ظاهرة اجتماعية معقدة، بل بوصفه سمة لصيقة بالآخر، فيغدو العنف جزءًا من طبيعته، وتتحول الحروب إلى “نزاعات محلية”، ويصبح الدم مادة إخبارية صالحة لتمرير صفقات بمليارات، فالسلاح لا يُسوّق في فضاء هادئ، بل في عالم مضطرب، والعالم المضطرب يحتاج دائمًا إلى آخر متهم، لا يُسأل عن الأسباب، بل يُدان بالنتائج.وحين يريد السوق لهوًا، يُعاد تشكيل الآخر بوصفه كائنًا سطحيًا، عاشقًا للضجيج، منصرفًا عن التفكير، فتُغرقه صناعة الترفيه في سيل من المتع السريعة، وتُقدَّم له الضحكة بوصفها خلاصًا، لا بوصفها تعبيرًا، فيضحك طويلًا كي لا يسأل، وينشغل بالصورة كي لا يطالب بالمعنى، وتتحول المتعة من حق إنساني إلى أداة إلهاء، ومن فسحة للروح إلى قيد ناعم للعقل.وحين يريد السوق خمورًا، تُصاغ صورة الانحراف، لا من باب الحرية الفردية، بل من باب الاستهلاك المنهجي، فيُقدَّم الهروب بوصفه اختيارًا، والنسيان بوصفه فلسفة، وتُباع الزجاجة على أنها تمرد، بينما هي في حقيقتها استسلام مؤجل، استسلام لا يثير الضجيج، ولا يهدد النظام، بل يُنعشه بأرباح هادئة وسُكر صامت.وحين يريد السوق تكنولوجيا، يُرسَّخ وهم التخلف، لا ليُزال، بل ليُدار، فيُقنع الآخر أن التقدم في الاقتناء لا في الإنتاج، وفي التحديث لا في الفهم، وفي الاستهلاك لا في السؤال، فيظل يلاحق منتجًا يتغير أسرع من وعيه، ويشتري مستقبلًا لا يُسمح له بصناعته، ويعيش داخل حلقة مفرغة من “اللحاق” الذي لا ينتهي.أما حين يريد السوق الجسد، فيُعاد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا هشًا، قلقًا، مضطربًا عاطفيًا، فيُباع له الوهم الحميمي، والعلاقة السريعة، واللذة المعزولة عن المعنى، فتُختزل العاطفة إلى صورة، والرغبة إلى مادة، والحب إلى اشتراك مدفوع، وتتحول الوحدة إلى سوق، والفراغ إلى فرصة استثمارية لا تعرف الشبع.
المفارقة الساخرة، المبكية حد التهكم، أن هذه الفلسفة تُقدَّم للعالم بوصفها دفاعًا عن القيم، بينما هي في جوهرها إدارة بارعة للاحتياج، وتغليف أنيق للاستغلال، فالخطاب أخلاقي، لكن البوصلة اقتصادية، والشعارات إنسانية، لكن الحسابات رقمية، والدموع تُذرف أمام الكاميرا، فيما تُوقَّع الصفقات خلف الستار.
ليس الإشكال في أن للغرب مصالح، فذلك من بداهات السياسة، بل في أنه يلبس مصالحه ثوب الحقيقة، ويصدّر صورته عن الآخر بوصفها تعريفًا نهائيًا، ويقنع العالم، وأحيانًا يقنع الآخر نفسه، أن هذه الصورة قدر لا يُراجع. وهنا تكمن الكارثة، حين يبدأ الإنسان في رؤية ذاته بعيون غيره، ويقيس قيمته بمعايير لا تخصه، ويدافع عن صورته المشوهة ظنًا منه أنها اعتراف.إن أخطر ما في هذه الفلسفة أنها لا تحتل الأرض، بل تحتل المعنى، لا تصادر الثروات فقط، بل تصادر القدرة على التعريف، ومن يملك تعريفك، يملك توجيهك، ومن يوجّهك، لا يحتاج إلى قهرك. والخلاص لا يكون في العداء الأعمى، ولا في الانبهار الساذج، بل في الوعي، في تفكيك الصورة، في استعادة حق السؤال، وفي كسر المرآة التي لا تعكسنا كما نحن، بل كما يريد لنا السوق أن نكون.ذلك أن التحرر الحقيقي لا يبدأ من رفض الآخر، بل من استعادة الذات، ومن إدراك أن الإنسان لا يكون متخلفًا لأنه متأخر، ولا مجرمًا لأنه مختلف، ولا تافهًا لأنه يضحك، بل يُختزل إلى كل ذلك حين يُنظر إليه من زاوية الربح وحدها. وحين نعيد لأنفسنا حق التعريف،سنكتشف أن أول طريق الفكر، هو الشك في الصورة الجاهزة، وأن أول خطوة نحو الوعي، هي ألا نصدق المرآة إذا كانت بيد تاجر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.


المزيد.....




- غياب لافت.. لماذا لم يصطحب شي رؤساء كبرى الشركات الصينية إلى ...
- موسكو تتوعد برد على عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد رئيسة تحرير ...
- الجيش الأمريكي يصد مسيّرات إيران بالليزر
- مفتي السعودية يصدر بياناً يحث على -الرباط والجهاد- ضد الحوثي ...
- إزالة الدراجات وإغلاق الشوارع في باريس مع استقبال البابا ليو ...
- استقبال حافل للرئيس الصيني في البيت الأبيض.. هل حققت قمة ترا ...
- تقارير: إيران تقترح خطة مدتها 7 أيام لإعادة فتح مضيق هرمز
- روسيا.. قتيلان وجرحى بهجوم أوكراني بالمسيرات
- إعلام غربي: روسيا حققت ثورة في مجال الطائرات المسيرة النفاثة ...
- مصر.. وفاة مفاجئة لطليقة نجم الأهلي شادي محمد وتحرك ضد المست ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه