أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الميمر: عذوبة اللحن وغموض الأصل .















المزيد.....

مقامة الميمر: عذوبة اللحن وغموض الأصل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8546 - 2025 / 12 / 4 - 13:00
المحور: الادب والفن
    


حكى أبو علقمة النغمي , فقال : كُنْتُ يَوْمًا أسيرُ في مَحْفَلٍ بَغْدَادِيٍّ يَعُجُّ بِأهْلِ الفُنُونِ والأدَبِ , والأسْماعُ مُعَلَّقَةٌ , والأفْئِدَةُ مُضْطَرِبَةٌ , فَجَذَبَنِي صَوْتٌ أخَّاذٌ , لَهُ وَقْعُ الطَّبْلِ وخَفْقُ القَلْبِ , يَشْدُو عَلَى نَغْمَةِ البياتِ , فَيَهُزُّ النُّفُوسَ هَزًّا , ويَأْخُذُ بِالألْبَابِ أخْذًا , فَقُلْتُ لِجَلِيسٍ لِي: ما هذا اللَّحْنُ الَّذِي يُفْقِدُنِي اتِّزَانِي؟ فَأجَابَ وقَدْ طَارَ عَقْلُهُ مِنْ شِدَّةِ الطَّرَبِ: يَا أَبَا عَلْقَمَةَ , أَمَا تَعْرِفُ مِفْتَاحَ القُلُوبِ وَمَلِك الأغَانِي؟ هَذَا وَزْنُ (( المِيمَر )) , قُلْتُ: ومَا المِيمَرُ يَرْحَمُكَ اللهُ ؟ هَلْ هُوَ طَائِرٌ يَشْدُو , أَمْ دِرْهَمٌ يُعْطَى , أَمْ سِرٌّ يُطْوَى ؟ قَالَ: المِيمَرُ سُلْطَانُ الأوزَانِ فِي الشِّعْرِ الشَّعْبِيِّ العِرَاقِيِّ , بَحْرُهُ مُسْتَقِلٌّ , وَوَزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلْ , أَقْدَمُ مِنْ نَظْمِ الأبوذيةِ , لَهُ ثَلاثَةُ أَشْطُرٍ مُتَّحِدَةُ القَافِيَةِ , يَخْتِمُهَا بِرَاءٍ سَاكِنَةٍ تَهْدِأُ لَهَا الأرْوَاحُ , كَقَوْلِهِمْ : (( احْنَه الَّذِي حُبُّ الوَطَنِ عَادِلْنَه , وَالوَكْتُ بِالعِزِّ يَا شَهُمْ عَادِلْنَه , نِسْجِيهِ مُرَّ اللَّي لَفَى أوْ عَادِلْنَه , وَاللِّي يَصْحَبْنَه بِالوَطَنْ يِتْبَخْتَرْ)) .

ثُمَّ زَفَرَ وَقَالَ : لَهُ أُصُولٌ كَالَّتِي لَمْ تُعْرَفْ , فَالْمَنْدَائِيُّ يَقُولُ: أَصْلُهُ قَوْلٌ أَوْ كَلامٌ , وَبَعْضُهُمْ يُعِيدُهُ إِلَى (( مَا مَرَّ بِمَعْنَى لَمْ يَمُرَّ )) , وَفَرِيقٌ يَرَاهُ مُشْتَقًّا مِنْ قِشْرَةِ (( الدِّيرَمِ)) لِتَجْمِيلِ الشِّفَاهِ , لَكِنَّ الأصَحَّ , كَمَا قَالُوا فِي كُتُبِهِمْ , أَصْلٌ آشُورِيٌّ يَعْنِي (( القَصِيدَةَ )) فِي الكِتَابَاتِ القَدِيمَةِ , قُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ فِي الكَلِمَاتِ عُمْقَ التَّارِيخِ , فَأشَارَ إِلَى جَمْعٍ مِنَ المُتَظَاهِرِينَ يَهْتِفُونَ , فَقَالَ: وَهَا هُوَ اليَوْمَ صَوْتُ المُنْتَفِضِينَ , يَا أَبَا عَلْقَمَةَ, أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُمْ فِي الحُزْنِ عَلَى مَجْزَرَةِ الخَمِيسِ؟ (( عَالْمِيمَرِ وَعَلْمِيمَرْ, شَبَابٌ شُبَّانٌ جَنَّهُمْ وَرِدْ وَعَلَى فْرَاكْهُمْ مَانِكْدَرْ, رَادُوا يُعَطِّرُونَه وَلِكَوْهُ مِعَطَّرْ, طَالِبْ بِحَقِّه وَرِجَعْ لِأُمِّهِ مُوَزَّرْ )) , قُلْتُ: أَلا إِنَّهُ لَوْنٌ لَهُ سِرٌّ , لَكِنْ هَلْ هُوَ (( عَالْمِيمَرِ)) حَقًّا أَمْ (( عَلَى المَا مَرَّ ؟ فَقَدْ جَادَلَ قَوْمٌ بِأَنَّهَا (( مُحَرَّفَةٌ )) , فَضَحِكَ ضِحْكَةَ العَارِفِ وَقَالَ : يَا أَبَا عَلْقَمَةَ , الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالطَّرَبُ وَاحِدٌ, هُوَ مَا تَرَكُوا لَهُ غَرَضًا شِعْرِيًّا , مِنْ المَوَالِ إِلَى الأبُوذِيَةِ , حَتَّى دَخَلَ فِي أَمْثَالِ البَغْدَادِيِّينَ , أَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي نَغَمِ (( يَابُو خِدِيدِ الوَرْدَةِ الهِيلاَنِي ؟ )) , بَلْ تَفَنَّنَ فِيهِ الشُّعَرَاءُ حَتَّى جَعَلُوهُ خَمْسَةَ تَرَاكِيبَ فَنِّيَّةٍ , ثُمَّ أَطْرَقَ , وَغَنَّى بِلَحْنٍ شَجِيٍّ يَكَادُ يَبْلُغُ عَنَانَ السَّمَاءِ : (( عَالْمِيمَرِ وَعَالْمِيمَرِ وَعَالْمِيمَرِ... عِينَه وَسِيعَة وَعَلَى فْرَاكُهْ مَا نِكْدَرْ )) .

قَالَ أبو علقمة النغمي : فَعَلِمْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ المِيمَرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَزْنٍ , بَلْ هُوَ رُوحُ العِرَاقِ نُطِقَتْ بِهَا الألْسُنُ وَتَرَنَّمَتْ بِهَا القُلُوبُ , فِيهِ غَرَامُ الوَحْدَةِ وَحُزْنُ النَّاصِرِيَّةِ وَفَرَحُ البَغْدَادِيِّ , وَفِي تَعْقِيدِ أُصُولِهِ , سِرُّ خُلُودِهِ , يَعُجُّ به المَحْفَلٍ البَغْدَادِيٍّ بحضور أهْلِ الفُنُونِ والأدَبِ , فتغدو الأسْماعُ مُعَلَّقَةٌ , والأفْئِدَةُ مُضْطَرِبَةٌ , فَيجَذَبَك الصَوْتٌ الأخَّاذٌ , الذي لَهُ وَقْعُ الطَّبْلِ وخَفْقُ القَلْبِ , يَشْدُونه عَلَى نَغْمَةِ البياتِ , فَيَهُزُّ النُّفُوسَ هَزًّا , ويَأْخُذُ بِالألْبَابِ أخْذًا.

وعن سِحر الإيقاع والتَّرجيح , قَالَ صاحِبِي: وَاعْلَمْ يَا أَبَا عَلْقَمَةَ أَنَّ المِيمَرَ لَيْسَ شِعْرًا يُقْرَأُ كَالعِقْدِ فَحَسْبُ , بَلْ هُوَ نَغَمٌ وَإيقَاعٌ مُوسِيقِيٌّ جَمِيلٌ يَمْلَأُ النَّفْسَ ويُغْني الجُذُورَ , فَلَا تَتِمُّ عَذُوبَتُهُ إِلَّا بِتَلْحِينِهِ وَتَرْجِيحِ الصَّوْتِ فِيهِ , لِهَذَا تَرَاهُ يَطْرُقُ بَابَ المُغَنِّينَ جَمِيعًا , ويَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا فِي صَدْرِ المَقَامَاتِ العِرَاقِيَّةِ العَتِيقَةِ , فَهُوَ قَسِيمُ لَهَا , لَا يَعْدِلُهُ لَوْنٌ آخَرُ فِي شِدَّةِ الهَزِّ وَجَمَالِ الوَقْعِ , فَاللَّحْنُ الَّذِي يُؤدَّى بِهِ اليَوْمَ عَلَى نَغَمِ البَيَاتِ يُذَكِّرُكَ بِأَصْدَاءِ (( عَالْمِيمَرِ عَالْمِيمَرِ وَعَالْمِيمَرِ بِيض النَّوَاهِي عَلَى اسْمِيجَةَ حِدَرْ )) , هَكَذَا يَنْتَقِلُ بِالسَّامِعِ مِنْ سَكِينَةِ النَّغَمِ إِلَى صَخَبِ الطَّرَبِ .

ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ بِوَجْهٍ مُشْرِقٍ وَقَالَ : وَلَيْسَ المِيمَرُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ , بَلْ قَدْ تَفَنَّنَ فِيهِ الشُّعَرَاءُ , فَنَظَّمُوهُ بِعِدَّةِ تَرَاكِيبَ فَنِّيَّةٍ , وَالشَّائِعُ مِنْهَا يَبْلُغُ خَمْسَةً, فَلَا تَعْجَبْ إِنْ وَجَدْتَهُ يُغَنَّى فِي أَغْرَاضِ الوَصْفِ , كَقَوْلِهِمْ فِي وَصْفِ الجَمَالِ: (( شَفَايِفْ حَبِيبِي مُوَرَّدَاتْ وَتِسْحَرْ )) , ثُمَّ تَجِدَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ يُسْتَخْدَمُ فِي الحِكْمَةِ وَالأَمْثَالِ , فَقَدْ أَدْخَلَهُ البَغْدَادِيُّونَ فِي أَمْثَالِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: (( مَا أَكْدَرْ أَكُولَنْ بَغْلَتِي بِبْرِيجِي )) , هَذَا التَّنَوُّعُ وَالاسْتِعْمَالُ فِي كُلِّ المَوَاطِنِ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المِيمَرَ قَدْ تَجَذَّرَ فِي وِجْدَانِ الشَّعْبِ العِرَاقِيِّ , وَقَدْ خَتَمْتُ حَدِيثِي , فَقُلْتُ: وَمَا يُلَخِّصُ هَذَا الفَنَّ الجَمِيلَ , هُوَ قَوْلُهُمْ الَّذِي يَحْمِلُ الغَزَلَ وَالتَّذَكُّرَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ : (( عَالْمِيمَرِ وَعَالْمِيمَرِ وَعَالْمِيمَرِ رَادُوا يِعَبّرُونَه؟ وِلْكَوْهُ مِعَبَّرْ )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَقامَةُ عَلْوَةِ النَّجَفِيّ والوَفَاءِ الهَالِكِ .
- مقامة مأزق فارس الملل : اللومُ عادةُ مَن لا يُغامرون , فلسفة ...
- مقامة تأجيل الصدمة .
- ألمقامة الاستغنائية .
- مقامة غجرية : وُضوءُ الغَجَر وسُكْرُالوَجْد ...قُبْلةُ المَو ...
- مقامة الشجاعة : اذا حلت المقادير بطلت التدابير.
- مقامة الحلم الطويل .
- المقامة الإسماعيلية في فضائل السلالة الخليلية .
- مقامة جشع الورثة وسوء خاتمة التركة.
- مقامة الخلجات .
- مقامة حميد يا مصايب الله : صرخة الهور والحب الضائع .
- مقامة رحى الخزاف .
- مَقَامَةُ حِفْظِ السِّرِّ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالْحِكْمَةِ ...
- مقامة أبانا .
- مقامة العبر .
- مقامة تجليات قلق الورّاق .
- مقامة ام الكعك .
- مقامة غنائية .
- مقامة الرجاء الشطرنجية : في وصفِ لعبةِ التَّشظّي .
- مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.


المزيد.....




- الفيلم الكوري The Great Flood.. رعب اليوم الأخير لكوكب الأرض ...
- قراءة في كتاب كارل لويث : بين فيبر وماركس
- -سينما قطاع-.. مشروع شبابي في مدينة الصدر
- أنديرا غاندي: من الصعود إلى الاغتيال… أول امرأة قادت أكبر دي ...
- صدور الطبعة الثانية من السردية للكاتب الأردني أشرف الضباعين
- عائشة بنور: النقد عاجز عن مواكبة طوفان الروايات
- لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟
- بعد استحواذ -نتفليكس- على -وارنر- … ما هو مستقبل السينما؟
- من هي أم سيتي البريطانية التي وهبت حياتها لحبيبها الفرعون؟
- المطرب الموصلي عامر يونس يفتح سيرته الفنية في حوار مع «المدى ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الميمر: عذوبة اللحن وغموض الأصل .