أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - بين الثائر والطاغي شعرة














المزيد.....

بين الثائر والطاغي شعرة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 10:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد أثبت التاريخ أن الثائر لا يتغيّر حين ينتصر، بل يُكشف. فالثورة ليست اختبارًا للقوة، بل اختبارًا للنوايا، والإنسان حين ينتقل من موقع المظلوم إلى موقع صاحب القرار تتبدّل طبائعه كما تتبدل المعادن حين تُلقى في النار. إن السلطة نار، والمبادئ شمع، وما أكثر الذين ذاب شمعهم حين اقتربوا من اللهب.
الثائر يبدأ رحلته وهو يغلي بالغضب والجرح، يرفع صوته بأسم الحق المسلوب، ويُقسم أن لا يكرر أخطاء الطغاة الذين حاربهم. لكنّ المأساة الكبرى أن الإنسان لا يفهم الطغيان الحقيقي إلا حين يُمنح فرصة ممارسته. ما دام الثائر خارج السلطة فهو طاهر في عيون نفسه، نقيّ كالأحلام، ملائكيّ في الطموح. فإذا قُدّمت له السلطة على طبقٍ من هتاف الجماهير اكتشف فجأة أن الأخلاق التي كان يطالب بها كانت سيوفًا يُشهرها في وجه غيره، لا مقامات يلتزم بها حين يكون هو صاحب السيف.
هكذا تحولت الثورات الكبرى في العالم إلى مرايا عاكسة لطبيعة الإنسان: ما إن سقطت رؤوس الاستبداد حتى تخلّقت في جوف الثوار رؤوس جديدة بأسماء مختلفة. فلا فرق بين طغيان يرتدي التاج، وطغيان يرتدي عباءة الثورة، وطغيان يغطي وجهه بغطاء الدين، أو بطانية “الشرعية الثورية”. فالطغيان جوهر واحد، لا يختلف إلا في اللهجة التي يتحدث بها.
إن التاريخ يفضح كل من ظن أن العدل يُصنع بالغضب وحده. فالغضب يحطم، لكنه لا يبني. والثائر الذي يحاصر الظلم بخطب نارية قد يعيد إنتاجه حين يجلس على الكرسي الذي كان يلعنه. السلطة تُعيد تشكيل النفس البشرية كما يعيد البحر تشكيل الصخور: أول ما تسلبه منك هو تواضعك، وآخر ما تمنحك إياه هو وهم العظمة. فتظن أن ما تقوم به هو “ضرورة وطنية”، وأن قمعك “حماية للمبدأ”، وأن إسكات الأصوات محاولة لإنقاذ البلاد من الانهيار. هكذا يبدأ الاستبداد، ليس بنيّة شريرة، بل بوهم الخير.
ما بين يدين ترتجفان من الخوف ويدان ترتجفان من قوة القرار، يتبدل الإنسان دون أن يشعر. الثائر الذي كان يهرب من العيون خوفًا من ملاحقة الأمن يصبح هو الذي يلاحق، والذي كان يحلم بأن يرى بلده خاليًا من السجون يصبح هو من يملؤها. الطغيان لا يولد من كراهية الحرية، بل من حب السلطة. والسلطة حين تغري الثائر تجعله يظن أن خلاص الأمة مرهون ببقائه، وأن أي معارضة ليست اختلافاً بل خيانة، وأن كل نقد هو مؤامرة. عندها فقط يتحوّل الثائر إلى كتلة مظلمة من الشك، يحرس كرسيه كما يحرس المهووس لعبته الوحيدة.
منذ الثورة الفرنسية إلى ثورات الشرق الأوسط، لم تكن المشاهد تختلف إلا في الأزياء. الثوار الذين كانوا وقود الشارع أصبحوا حرّاس القصر. الذين كانوا يصرخون من أجل العدالة أصبحوا يبررون الشراسة باسم الضرورة. والذين كانوا يحلمون بوطن يعمه النور قادوا بلادهم إلى ظلام جديد لأنهم نسوا أن الثورة ليست غاية، بل مرحلة؛ ليست قرارًا، بل مسؤولية؛ ليست غضبًا، بل هندسة طويلة النفس.
في لحظة الانتصار، يظن الثائر أنه وصل إلى الحقيقة النهائية، فيتحول من طالب حرية إلى محتكر لها. وكل من يحتكر الحرية، ولو للحظة، يتحوّل إلى طاغية، حتى لو كان يعتقد أنه منقذ. فالنية الطيبة حين تجلس على كرسي الحكم تتحول إلى آلة عمياء، تنسى أنها وُلدت من الجرح وتعيش لتخلق جروحًا جديدة.
الطغاة ليسوا دائمًا من أبناء القصور، كثير منهم بدأوا أبناء الأزقة الضيقة، وحملة الأحلام البسيطة، والوجوه المتعبة التي كانت تلعن الاستبداد. لكن الاستبداد ليس بناية تسقط بسقوط ساكنها، إنه فكرة، عقلية، شعور بالتفوق، ورغبة دائمة في التحكم بالآخر. ومن لم يتعلم أن يقف أمام المرآة حين يمنح السلطة، سيكون عرضة لأن يتحوّل إلى نسخة مشوهة من خصمه.
هكذا تعلمنا الفلسفة: أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا حين تختبره الظروف القصوى. والثورة هي أقصى الظروف. فيها يسقط القناع عن الأقنعة. وفيها يتضح أن الحرية ليست وعدًا يُرفع في الميادين، بل نظامًا يقيّد الجميع بما فيهم الثائر. وكل ثورة لا تُنجب مؤسسات تحمي الناس من الناس، ستلد طاغية جديدًا بشكل تلقائي، كأنها لعنة تاريخية متوارثة.
وهكذا تستمر المأساة .. يسقط الطاغية، فيصعد ثائر. يتحوّل الثائر إلى طاغية جديد. ينفجر الناس عليه بثورة جديدة. فيسقط هو الآخر… وتدور الدائرة، لأن الإنسان لم يتعلم بعد أن السلطة ليست امتيازًا بل عبء، وأن الثورة ليست السطر الأول من الحرية بل امتحانها الأخير. إن الثائر الحقيقي ليس من يسقط الطاغية، بل من يمنع نفسه من أن يصبح مثله.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقد كانت معركة عظيمة كلفتني قلبًا بأكمله
- ظل الآخر
- قلب مسافر عاشق
- رحيل في منتصف الطريق
- السيادة.. ليست علماً يرفرف ولا نشيداً يصدح
- خرابٌ تحت قبّة الجامعة: حين يتحوّل الجهل إلى لقبٍ أكاديمي
- عندما تتحوّل الكتابة إلى مطرقة لا ترحم
- الكتابة واشكالية المتلقي
- في المسافة بين إنسانيتهم… و ( انسانيتنا )
- حين يفقد الوطن كرامته
- من قال إن الزمن يشفي؟
- امرأة بين السطور
- حين تتحول العقول الى سجون
- في جامعاتنا .. ثقافة مشتعلة خلف أبواب مغلقة
- تقاسيم أخيرة في جنازة الذكريات
- حين يكون الصمت بيتي الأول
- العراق بين وفرة الموارد وتعطّل الإرادة
- الشخصية العراقية والسلطة والسياسة
- ذاكرة تتفتح بالشعر والحكايات
- في حضرة التفاهة .. قراءة نقدية للسطحية الرقمية


المزيد.....




- فيديو يظهر ما يبدو أنها لحظة صدم رجل من قبل سيارة يقودها عنا ...
- ماكرون يلتقي محمد بن سلمان في السعودية .. ماذا جرى في الزيار ...
- السيسي: الجهد العسكري المصري هو للدفاع عن السعودية وليس هجوم ...
- كاتس يهدد بـ-إشعال- إيران وإعادتها عقودا إلى الوراء ويتهمها ...
- مشاهد من غزة.. توثق تفجير الجيش الإسرائيلي لروبوتات مفخخة لت ...
- بعد مقاطع فاضحة.. مفاجأة بشأن السائحتين البرازيليتين الموقوف ...
- بعد تسريب معلومات للعامة.. -ميتا- تعلق ميزة مشاركة المحادثات ...
- نتنياهو: مجتبى خاتمي يسير على خطى والده وأوصيت الجيش الإسرائ ...
- ماكرون يصل الرياض في زيارة مفاجئة و-غير معلن عنها-
- بيروت: التفاوض لاستعادة الأرض ومنع الحرب


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - بين الثائر والطاغي شعرة