أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ذاكرة تتفتح بالشعر والحكايات














المزيد.....

ذاكرة تتفتح بالشعر والحكايات


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8532 - 2025 / 11 / 20 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


هناك لحظات في العمر تُشبه نافذة تُفتح على عالم آخر، عالم ينساب منه نورٌ ناعم يشبه وقع القصيدة الأولى على القلب. كنتُ في الكلية حين وجدت نفسي بين شعراء يحملون دفاتر مليئة بالعطر والدهشة، وهناك أدركت أن بعض السطور ليست جُملاً، بل مفاتيحَ خفية تفتح أبواباً للذات.
كان نزار قباني أول من لمس شغاف القلب؛ شاعرٌ يعرف كيف يحوّل العاطفة إلى موسيقى تُسكن الروح قبل أن تُقرأ. يكفي أن يقول: «الحب قبلةٌ ودمعة… لكنه قبل ذلك وبعده فنُّ ترتيب المشاعر» لتشعر أن اللغة بين يديه تنحاز لقلب الإنسان قبل عقله. في قصائده، كنت أجد تلك الرهافة التي تجعل الجملة مجرّد ذريعة للعاطفة كي تُعلن وجودها.
ثم جاء محمود درويش، لا كرومانسي هادئ، بل كثائر يرى في الشعر خلاصاً من ضيق العالم. كان صدى كلماته يُحدث ذلك الارتباك الجميل الذي يُشبه صحوة الروح بعد غفلة. ويكفي قوله: «وأنا من أنا؟… أنا أسئلتي» لتدرك أن شعره ليس بياناً عاطفياً، بل بحثاً مستمراً عن معنى الإنسان في هذا الزمان. معه أصبح الشعر وطناً، والقصيدة نافذة تُطل على فضاء أوسع من حدود المكان.
كانت أولى خطواتي في عالم السرد رواية الشاعر للمنفلوطي، ذلك الكاتب الذي كان يكتب كما يتنهد قلبٌ مُثقل بالجمال والحزن. عباراته لا تُقرأ بل تُشعر؛ وفي سطوره تلك الروح القديمة التي تُذكّرنا بأن البلاغة ليست زخرفة بل صدقٌ يُسكب في اللغة. ويظل قوله: «ليس أدقّ على القلب من كلمة صادقة تأتي في وقتها» خير شاهد على جوهر أدبه الذي لا يشيخ.
ثم دخلتُ حارة نجيب محفوظ؛ لا كقارئٍ عابر، بل كساكن وجد لنفسه مكاناً بين أزقة الرواية. كان محفوظ يكتب ببساطةٍ تخبئ حكمة، وبرصانةٍ لا تنسلخ عن الشارع والناس والحياة اليومية. وفي جملة قصيرة مثل: «إن أعظم القلوب هو ذاك الذي لا ينسى… لكنه لا يحقد» يتجلى عمق تجربته الإنسانية التي جعلت من رواياته أرشيفاً للروح المصرية والعربية معاً.
ولم يكن عباس محمود العقاد بعيداً عن رحلتي. قرأتُ له كثيراً حتى شعرت أنني أقف أمام بحرٍ من الفكر لا تُحد أطرافه. في كل صفحة له قوةٌ في العبارة واتساعٌ في الرؤية. يقول العقاد: «اعرف نفسك… فذلك أول العلم»، وفي هذا القول وحده تختصر فلسفته التي تجعل من العقل بوابةً للجمال ومن المعرفة طريقاً للحرية.
وعلى الضفة الأخرى كان يقف توفيق الحكيم، معلّم الإيجاز وسيد الفكرة اللامعة. منه تعلمت أن الكلمة حين تُصاغ جيداً تُغني عن صفحات. وهو القائل: «الفكرة العظيمة لا تحتاج إلى كثرة الكلام… يكفي أن تُقال في وقتها». كانت بساطة الحكيم درساً عميقاً في البلاغة دون زينةٍ زائدة.
من كتب أوروبا وأمريكا دخلتُ إلى عوالم من الجمال والغموض؛ فقد فتحت لي روايات دوستويفسكي بوابات النفس البشرية ووضعتني أمام سؤال الخير والشر، بينما جعلتني صفحات ماركيز أصدّق أن الواقع يمكن أن يمشي جنباً إلى جنب مع الأسطورة. وفي “غاتسبي العظيم” لفيتزجيرالد رأيت كيف يمكن للحلم أن يلمع حتى لحظة انكساره، وكيف تتحول الوعود الكبيرة إلى ظلال بعيدة. أما همنغواي، فببساطته الحادة، جعل من الصمت لغة أخرى لا تقل بلاغة عن الكلمات.
كانت تلك الكتب شواهد حيّة على أن الأدب ليس سرداً فقط، بل أفقاً جديداً يعلّمنا أن نرى ما هو أبعد من العين، ونلمس ما يختبئ بين السطور.
ومع مرور السنين، بدأتُ أدرك أن القراءة لم تكن هواية عابرة، بل تربية للروح وصقلاً للرؤية. كنتُ كلما أغلقت كتاباً شعرت أنني أفتح نافذة جديدة في داخلي. من درويش تعلمت أن الإنسان أكبر من جراحه، ومن نزار أن الحب أعمق من اللغة، ومن المنفلوطي أن الحزن جمالٌ آخر، ومن محفوظ أن الواقعية شجاعة، ومن العقاد أن الفكر سلاح، ومن الحكيم أن البساطة فنّ لا يتقنه إلا الكبار. ومن كتاب الغرب والشرق تعلمت معنى الجمال في الغموض وتفسير الاحجية السردية .
واليوم، حين أعود إلى تلك الكتب التي رافقت بداياتي، أشعر كأنني ألتقي بأصدقاء قدامى علّموني أكثر مما توقعت. لقد منحني الأدب لغة أرى بها العالم، وذائقة تميّز الجميل من العابر، وقلباً يعرف كيف يصغي لنبض الحروف. فالأثر الحقيقي للكتاب لا يظهر على الرفوف، بل في طريقة تفكيرنا ونبرة كلامنا وما نحمله من اتساع داخلي. ولهذا ستظل رحلتي مع هؤلاء العمالقة جذوراً تمتدّ في أعماقي، تمنحني صوتاً حين تصمت الأشياء، وعمقاً حين تضيق الطرق.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حضرة التفاهة .. قراءة نقدية للسطحية الرقمية
- فيروز والصباح
- حب في الستين
- فوضى العمران وضياع الهوية الجمالية في المدن العراقية
- سطحية الترند وثقافة اللايك
- برامج ام مسرحيات هزلية
- قرءة نقدية في نص - الربيع والحب في موسكو -
- الثقافة والفقر.. استثمار الوعي
- جدلية الجهل والسلطة عند جورج أورويل
- سأزورك يوما
- الدولمة العراقية ترند في مطاعم العالم
- رسالة اليها
- ضجيج بلا اثر
- الانتخابات .. الوجه الآخر للقمر
- العراق بين الحلم المؤجل والواقع المرير
- حلم المسافات الطويلة
- احلام ذلك الزمان
- المثقف وورقة الاقتراع
- المثقفون واشكالية السلطة
- دولة الجسور والمولات... وجنازة الصناعة العراقية


المزيد.....




- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 
- الدوحة 35.. معرض كتاب يكبر في زمن ينكمش فيه القراء
- مهرجان كان: حضور محترم للأفلام العربية وتكريم للممثل المصري ...
- 7 دقائق كلفت 102 مليون دولار.. تقرير فرنسي يندد بالإهمال الأ ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا ...
- المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن ...
- رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
- طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟ ...
- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ذاكرة تتفتح بالشعر والحكايات