أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - قراءة في قصة التمثال للبريكان














المزيد.....

قراءة في قصة التمثال للبريكان


نادية الإبراهيمي

الحوار المتمدن-العدد: 8471 - 2025 / 9 / 20 - 21:11
المحور: الادب والفن
    


قراءة القصيدة البديعة للشاعر محمود البريكان

هي ليست مجرّد قصيدة، هي حوار عميق بين الحجر والزمن، بين التمثال وصدى التاريخ. القصيدة تحوّل الصمت الجامد إلى شهادة حيّة؛ التمثال يتكلّم كذاكرة متكلّسة، يحدّثنا عن الحروب والحرائق، عن الزلازل والموت، عن القصور والخراب، عن الأوبئة والشهوات، عن الحضارات حين تبنى وحين تسحق.

لغة البريكان هنا محمولة على إيقاع ملحميّ، صورها كثيفة وموغلة في الرمزية: التمثال شاهد لا يشيخ، يحفظ في جسده العاري كل ما مرّت به آشور وما تلاها، حتى صار هو نفسه نصّا مفتوحا للتأويل.
المفارقة المؤلمة أنّ هذا "المعبود" الذي كان سيّد نينوى، صار في "غرفة الزجاج" مجرّد أثر تحدّق به العيون، يتلهّى به الأطفال، وتعجب النساء ببساطته، فيما يظلّ داخله محتشدا بكلّ أهوال التاريخ.

قصيدة "قصة التمثال من آشور" درس في تجسيد الذاكرة التاريخية عبر الشعر، وكيف يمكن لجماد أن يتحوّل إلى راو يدين الخراب الإنساني عبر العصور. إنها نصّ يذكّرنا أن الحضارة ليست سوى لحظة هشة أمام سلطة الزمن، وأنّ الشواهد الباقية — مهما بدت ساكنة — تختزن صخب البشرية كلّه.

(قصة التمثال من آشور)
في غرفةِ الزجاج
في متحفٍ
يقبعُ في مدينةٍ ضائعة
ترسّبَتْ في بلادٍ
مهجورةٍ
في قارةٍ واسعة

هذا أنا، مرتفعٌ، أواجهُ العيون
أشلُّها
أنفضُ في نهايةِ السكون
حوادثَ الدهر، ورعبَ المائةِ التاسعة
معبودُ نينوى
سيّدُها
في لحظةٍ غامضة
برزتُ للوجود
على صدى إزميلٍ
في راحةِ نحّات

في قاعةِ الأحجارِ والسِّجيل
قبائلُ الأموات
تنحرُ لي ذبائحَ الرعبِ
وكمْ أصواتٌ
تهتزُّ بالكابوسِ في ذبذبةِ الترتيل

سُمّيتُ ألواناً من الأسماء
بُخّرتُ بالعطورِ والأنداء
خُتمتُ بالخواتم
عينايَ مَاسَتان
تخترقان الليلَ، من مناجمَ
لم يكتشف أسرارَها إنسان
يعترفُ الزمن
بهذه الذاكرة
أنا رأيتُ القمرَ الناعم
عند ابتداءِ الليل
وضجّةَ الزلزال قبلَ الساعةِ العاشرة

أنا رأيتُ الخيل
تقتحمُ الخدور
رأيتُها ترتفعُ الرماحُ بالجماجم
رأيتُها تختلجُ الرؤوس
بعد سقوطِ السيف
رأيتُ كيف ترقصُ العروس
في زفّةِ الموت
وكيف تُطفئُ الشموس
زوبعةُ العواصم
يعترفُ الزمن
بهذه الذاكرة
تساقطَ القلاعِ والأسوار
والقحطِ، والأمطار
والقمحِ، والحديد
والبدءِ من جديد
وقوّةِ السيفِ الذي يحدّجهُ الرجال
برهبةٍ، في غمدهِ الجلدي

يعترفُ الزمن
بذلكَ الواقع، أو بذلكَ الخيال
الموعدِ السريّ
لموتِ أسطورة
وبدءِ مشروعٍ من المحال

أوبئةِ التاريخ
دورتها المجهولةِ التقويم
أشعّةِ الحرائق
تلوّن الوجهَ، والسماءَ، والحدائق
إرادةِ القوّة
وشهوةِ التحطيم
فقدتْ مَاسَاتي
جُرّدت من خواتمي… جُزَّتْ ذؤاباتي
دُحرجتُ من قاعدتي
نُقلتُ من مكان
إلى مكان
حاورتني البومُ والعُقبانْ
تسلّقت أضلاعي الصِبيان
جُرّبَ فأسٌ ما
في جسدي يوماً
رُبطتُ بالحبالْ
سُحبتُ ممدوداً على وجهي
وراء زوجين من البغال
حرستُ سوراً مرة
ومرّة أخرى
وُضعتُ في مدخلِ قصرٍ ما
قُطّرتُ في جيشٍ من الجيوش
تُركتُ في الصحراء
ممدّداً، تغسلني الأنواء
تجفّفُ السّموم
أقصى حجيراتي
محدّقاً تحديقةَ الأبد
محاجري البيضاء
مفتوحةٌ لعالمِ النجوم
ينحسرُ البحرُ ولا تبقى سوى الأصداف
في باطنِ الأرض
تهبّ الريحُ بعد الريح
تُعيد توزيعَ الرمالِ الحُمر
والغربان
حلّتْ هنا، واندمجتْ في دورةِ الأفق
قوادمُ الصقور
رفتْ على العُنق
واحترقتْ على ذُرى الكثبان

عجائزُ الذئاب
توسّدتْ جسمي
هاربةً إلى مكانٍ ما

قوافلُ اللصوص
تفيّأتْ جنبَيَّ، حيثُ تُتركُ الفصوص
آثارَها، وحيثُ تبني النملُ من تراب
مملكةَ التوازنِ الأعمى
في غرفةِ الزجاج
مُنتصبٌ، تُحدّق النساء
في جسدي الخالي من التعقيد
(في وسطِ الحوض، على التحديد)

يبتهجُ الأطفال
لأنَّ أُذُني سقطتْ، وحاجبي مكسور
لأنَّ في صدري
دائرةً خاليةً، مُفزعةً في النور

في غرفةِ الزجاج
لا يصلُ الصوت
ولا يُلمَسُ سطحُ الموت
يبدو رجال، ربّما يواصلون الهمس
عن ظفري الأيسر

في غرفةِ الزجاج
لا تسقط الأصابعُ الرثّة
لا تصل الشمسُ، ولكنْ يصل المجهر

في غرفةِ الزجاج
وحيدةً
تنتصبُ الجثة

محمود البريكان/ العراق



#نادية_الإبراهيمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عاصف النظرات
- نجم ...وأفل
- الفصل الأخير
- حين يخون البريق..
- أيلول...ماتبقى منا
- بحر يبتلع الريح
- قراءة في هايكو بوعلي سمير
- انا ...كما لا يريدني أحد
- أزهار في ظلال الذاكرة (قصة قصيرة)
- الهدية (قصة قصيرة)
- قصة قصيرة : ظل في الغابة
- سلسلة رسائل من الأزمنة المنسية الجزء الاول
- برد الغياب (قصة قصيرة)
- أديم ذكرياتك
- الشعر بين الأمس واليوم
- قراءة هايكو الفراق والحنين
- حين يلتقي الضوء بالظل
- قراءة في مرآة -القديس-
- هايكو الفراق والحنين
- أثار على الرمال


المزيد.....




- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...
- -أنا ألمس إذا أنا موجود-.. قصص نجاح بالدوحة في اليوم العالمي ...
- حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة ال ...
- تاريخ سكك حديد مصر.. مهندس بلجيكي يروي قصة -قطار الشرق الأول ...
- فيديو.. -الحكواتي- المسرح الفلسطيني الوحيد بالقدس
- يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..
- الشيخ نعيم قاسم : زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من قبل ال ...
- أجمل -أهدافه- خارج الملعب.. حمد الله ينقذ فنانا مغربيا من ال ...
- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نادية الإبراهيمي - قراءة في قصة التمثال للبريكان