أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - مكتبة في مدينتي














المزيد.....

مكتبة في مدينتي


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8469 - 2025 / 9 / 18 - 00:08
المحور: الادب والفن
    


دخلتُ المكتبة كما لو كنت أقتحم متحفًا مظلمًا في منتصف الليل. الباب أصدر صريرًا يشبه اعترافًا قديمًا، والغبار تصاعد مثل ستارة مسرحية لحظة رفعها. المكان لم يكن محلًّا للبيع، بل معبدًا صغيرًا للكتب، كل رفّ فيه أشبه بممر سري نحو ذاكرة مجهولة.

صاحب المكتبة كان واقفًا خلف المنضدة، يبدو كراهبٍ مدنيٍّ قضى عمره في الصلاة للحبر والورق. عيناه غائرتان كهوامش كتاب متهالك، ابتسامته ضيقة، كأنه يعرف كل الأسرار ولا يريد أن يبوح بها. قال لي بصوت منخفض لكنه لاذع:
"حتى أساتذة الجامعة، أولئك الذين يدرّسون الأخلاق، يسرقون كتبي... وما زالوا."
كانت نبرته أشبه بمحاكمة سرّية، ثم صمت فجأة وكأنه ترك لي مهمة إصدار الحكم.

الغبار كان يتحرك ببطء، يتقاطع مع أشعة الضوء فيصنع مشهدًا يشبه لقطات الأفلام الوثائقية عن الجرائم الغامضة. كل رفّ بدا كأنه شاهد صامت، كل كتاب شاهد زور محتمل.

ثم حدث المشهد الذي لم أنسه: الباب انفتح بعنف، ودخل أستاذ جامعي بوجهٍ متوتر ورفيقٌ يتبعه كظلّ. كان يتكلم بصوت عالٍ، كأنه يفتتح طقسًا غامضًا أمام جمهور غير مرئي:
"هل قرأت الخطبة الفلانية للإمام علي؟"
ردّ رفيقه ببرود: "نعم."
عندها اعتدل الأستاذ، نفخ صدره وكأنه سيعلن اكتشافًا خطيرًا، وقال بنبرة من يكشف السرّ الأخير للعالم:
"إن عليًّا ينكر وجود الله، لكنه يقول ذلك بلغة لا يفهمها الناس."

للحظة شعرت أن الهواء تجمّد. صاحب المكتبة رفع حاجبيه بخفة، وكأنه رأى هذا المشهد آلاف المرات. شعرت أنني لست في مكتبة، بل في محكمة كونية يحاكم فيها النص والقراء معًا.

خرجتُ من تلك اللحظة وكأنني أتنفس دخان حريق قديم. الجامعات – فكرتُ – تمنح شهاداتها كما تمنح المدن خبزها: بلا قداسة، بلا ألم، بلا حتى محاولة للفهم. النصوص تتحول إلى أوراق امتحان، والفهم إلى علامة نهائية على الورق. لم يعلّموا طلابهم أن القراءة ليست تسلية بل مغامرة، وأن الفهم الأول لأي نص ليس حقيقة بل خدعة، حجاب يخفي غابة من المعاني.

رأيت في ذهني مكتبتي الخاصة: نسخ نهج البلاغة الحجرية، المخطوطات المصفرة بأيدي الزيديين، الطبعات الهندية والإيرانية القديمة، شروح محمد عبده وابن أبي الحديد المعتزلي، شروح كبيرة وصغيرة كأنها سلالم تمتد إلى السماء. لم أجد في كل ذلك النفي الذي تحدّث عنه الأستاذ، بل وجدت نقيضه: خطبًا تمسك بيد القارئ وتصعد به نحو الله.

شعرت أن الرجل لم يقرأ النص بل قرأ نفسه. وربما خانته اللغة أو خان هو اللغة، لا فرق. عندها تحوّلت المكتبة في مخيلتي إلى متاهة ضخمة، وأنا أركض بين رفوفها مثل بطل فيلم تشويق يبحث عن المفتاح الأخير. كل كتاب كان بابًا، كل جملة لغزًا، وكل قراءة موتًا صغيرًا وبعثًا جديدًا.

خرجت من المكتبة، لكن المكتبة لم تخرج مني. بقيت تتردد في رأسي مثل موسيقى خلفية. والآن، في كل مرة أفتح كتابًا، أسمع السؤال يتردد في داخلي كهمسٍ مزمن:
من يقرأ من؟
أنا أقرأ النص أم النص يقرأني؟
أم أننا، أنا والنص، مجرد ممثلين في مسرحية لم يعرف أحد بعد من كتبها؟



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كهانة المطبخ
- مطبخ الكهانة
- أغمض عينيّ: ينهض المعنى
- ينهض المعنى من يغمض عينيّ
- دفاتر الهوامش lll /دفاتر الغسيل
- هوامش ومسودات 2
- هوامش ومسودات 1
- التداخل 11
- تداخل 12
- تداخل 10
- التداخل 9
- تداخل 8
- تداخل 7
- نقد النظرية الشيعية: بين البناء الفكري والانفعال الشخصي
- تداخل 6
- تداخل 5
- تداخل 4
- الحجر للدم انتماء باطني
- هندسة التيه
- مكعب


المزيد.....




- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - مكتبة في مدينتي