أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محفوظ بجاوي - المثقف العشائري... حين يتحوّل إلى أداة اصطفاف














المزيد.....

المثقف العشائري... حين يتحوّل إلى أداة اصطفاف


محفوظ بجاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:19
المحور: قضايا ثقافية
    


في اللحظة التي يفترض فيها أن يكون المثقف حارسًا للعقل وضميرًا للوعي الجمعي، نكتشف أن بعض من يطلقون على أنفسهم لقب "مثقفين" قد اختاروا التخلي عن دورهم التاريخي، واستبدلوا رسالة التنوير بمهمة ضيقة لا تتجاوز حدود العشيرة والقبيلة. هنا يولد ما يمكن تسميته بـ"المثقف العشائري"، ذلك الذي يختزل العالم في محيطه الضيق، ويحوّل المعرفة إلى أداة اصطفاف بدل أن تكون أداة تحرير.
هذا النمط من المثقفين لا يقرأ الواقع بعين نقدية مستقلة، بل بعين الولاء الأعمى للجماعة التي ينتمي إليها. يبرر أخطاءها، ويغطي عيوبها، ويمجّدها بوصفها مركز الكون، حتى وإن كان ذلك على حساب قيم أسمى كالوطن والعدالة والمواطنة. معرفته تصبح انتقائية، ومنطقه عاطفي، وكلماته مسخرة لرفع شأن العشيرة والتقليل من شأن الآخرين، فيتحول من حامل للفكر إلى ناطق باسم العصبية.
خطورة هذه الظاهرة أنها تُفرغ الثقافة من جوهرها النقدي، وتجعلها وسيلة لإعادة إنتاج الانقسامات داخل المجتمع. فبدل أن يسهم المثقف في توحيد الوعي حول مشروع وطني جامع، يتحول إلى أداة تعميق الشرخ الاجتماعي عبر تكريس منطق "نحن" و"هم". وهنا تبدأ أخطر النتائج: تآكل الهوية الوطنية الجامعة، إضعاف مؤسسات الدولة، وجرّ المجتمع إلى دوامة صراعات لا تنتهي، أشبه بعودة قسرية إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة.
المثقف الحقيقي، على العكس، لا ينكر جذوره ولا يتنكر لانتمائه، لكنه يرفض أن يصبح أسيرًا له. فهو يدرك أن انتماءه الأوسع هو للوطن وللقيم الإنسانية، لا لقبيلة أو عشيرة. المثقف الحق يمارس النقد الذاتي قبل أن ينتقد الآخرين، ويملك شجاعة مواجهة أخطاء جماعته قبل مواجهة أخطاء خصومها. إنه يضع العقل فوق العاطفة، والحق فوق العصبية، والوطن فوق كل الولاءات الثانوية.
ولمواجهة هذه الظاهرة، نحن بحاجة إلى إعادة بناء مفهوم المثقف في وعينا الجمعي، بحيث يُنظر إليه لا كممثل لعشيرته، بل كصوت للحقيقة، وأداة لترسيخ القيم الكبرى التي تقوم عليها الدولة. كما أن غرس قيم المواطنة في التربية، وتوفير فضاءات حرة للنقاش، وتشجيع استقلالية الفكر عن ضغوط الولاءات الضيقة، كلها خطوات ضرورية لبناء مجتمع لا يتحكم فيه منطق العصبية ولا تُختطف فيه الثقافة لخدمة الانقسام.
إن الخطر ليس في وجود العشيرة بحد ذاتها، فهي جزء من تكويننا الاجتماعي، بل في أن تتحول إلى سلطة فوق سلطة الدولة، وأن يصبح المثقف رهينة لمصالحها بدل أن يكون مرشدًا للعقل الجمعي. النهضة لا تتحقق ما لم يتحرر الفكر من أسر الانتماءات الضيقة، والمثقف الحر هو من يملك الشجاعة ليقول "لا" حين يتعارض ولاء الجماعة مع مصلحة الوطن والإنسان.



#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعبة النار...بين النظام والتيارات المتطرفة في الجزائر
- النهضة لا جنس لها...من المانيا إلى الجزائر،الدرس الذي لم نتع ...
- الجزائر بين مطرقة الاستعمار القديم وسندان الوصاية الجديدة: ا ...
- الجزائر: وعي شعب يقطع الطريق على محاولات التلاعب وحكمة تقود ...
- رشيد بوجدرة والثورة الجزائرية: تصويب ضد التدليس الأيديولوجي
- العلمانية والإيمان : دعوا الدولة للناس،والدين لله
- عيد الاستقلال الجزائري : ذكرى المجد والتحدي
- التحرر من سجون الفكر.. دعوة إنسانية على خطى دوركايم
- محمد بوضياف....رجل حلم بدولة، فاغتالوه قبل أن يتم الحلم
- الحجاب: عادة اجتماعية أم فريضة دينية؟
- متى نتوقف عن الأدعاء بأن - الغرب منحل اخلاقيا -؟
- حينما يهدر الوطن ثرواته باسم العظمة
- الجزائر بين من حرروها... ومن حكموها: الحقيقة التي لاتقال
- بين الجهل بالأرض وادعاء الوصاية على السماء: مأزق من لا يعرف ...
- النقد البناء ليس خيانة بل واجب وطني
- في حضرة الخوف....يولد الصمت وتنطفىء الأحلام
- من إستهلاك السلع إلى احتضار الفكر : حين نقتني كل شيء ونعرض ع ...
- التحرر من أسر الماضي: الطريق نحو نهضة حقيقية
- حين يُقصى العقل،وتُستبدل المعرفة بالوهم... يصبح الصمت جريمة.
- الممنوعات باسم الفضيلة: كيف تصنع القيود مجتمعا خائفًا ومقموع ...


المزيد.....




- مسبح أمواج في أبوظبي بـ150 دولارًا للموجة.. وجهة فاخرة للأثر ...
- -مسار الأحداث- يناقش خطة الاحتلال لاجتياح مدينة غزة ورد أبو ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. ماذا حدث في مدينة غزة التي يحشد الاح ...
- بالأرقام.. هل خلقت أوكرانيا تكافؤ فرص في الحرب مع روسيا؟
- إسرائيل تدمر نفسها بلا عودة
- إيران تعتقل 8 أشخاص للاشتباه في صلتهم بالموساد
- مؤرخة إسرائيلية: دولتنا مهددة بالانهيار من الداخل
- أهي ليلة القبض على جدعون؟
- مجددًا.. فيديو يظهر هجومًا روسيًا داميًا على أكرانيا
- شاهد.. حادث تصادم مريع أثناء مطاردة مشتبه به في عملية اختطاف ...


المزيد.....

- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الساد ... / منذر خدام
- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الثال ... / منذر خدام
- أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة(الفصل الأول ... / منذر خدام
- ازمة البحث العلمي بين الثقافة و البيئة / مضر خليل عمر
- العرب والعولمة( الفصل الرابع) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الثالث) / منذر خدام
- العرب والعولمة( الفصل الأول) / منذر خدام
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- مقالات في الثقافة والاقتصاد / د.جاسم الفارس
- قواعد اللغة الإنكليزية للأولمبياد مصمم للطلاب السوريين / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محفوظ بجاوي - المثقف العشائري... حين يتحوّل إلى أداة اصطفاف