محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 01:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمرّ بعض الأوطان، والجزائر على وجه الخصوص، بمرحلة حساسة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي الجماعي. فبعد عقود من الصراعات التي أحرقت الأرض وأتعبت العباد، كان يفترض أن نطوي صفحة الماضي ونبني المستقبل على أسس صلبة من الاستقرار والتنمية. لكن ما يحدث اليوم يُعيد إلى الذاكرة سؤالًا جوهريًا: هل استوعبنا دروس التاريخ حقًا؟ أم أننا نسير نحو إعادة إنتاج المأساة نفسها بأدوات مختلفة؟
لا يمكن إنكار أن التيارات المتطرفة كانت وما زالت أخطر أداة لتفكيك الأوطان وضرب استقرارها. فقد استُخدمت الوهابية والإخوانية في مراحل مختلفة لإشعال الفتن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتغذية الصراعات الداخلية. لكن الأخطر من وجود هذه التيارات، هو طريقة توظيفها سياسيًا. الواقع يكشف أن بعض الأنظمة ترى في بقاء هذه الجماعات حيّة ورقة ضغط استراتيجية: "إما القبول بالوضع القائم… أو مواجهة فوضى الوحوش الداعشية". بهذا المنطق، يتم تخويف المجتمع وإبقاؤه تحت السيطرة، بدل معالجة جذور التطرف وتجفيف منابعه.
في الجزائر، تجربة العشرية السوداء يجب أن تبقى درسًا خالدًا في الذاكرة الوطنية. تلك المرحلة الدامية التي دفعت فيها البلاد ثمنًا فادحًا من الدماء والاستقرار، كان يفترض أن تُغلق نهائيًا. لكن استمرار استخدام نفس الأساليب، وإبقاء نفس الأدوات في المشهد، يُثبت أن هناك من يُفضّل إبقاء الخطر حيًّا ليستعمله متى شاء، بدل مواجهة حقيقية للفكر المتطرف. المعادلة خطيرة جدًا: إبقاء التيارات المتطرفة حيّة، تلويح دائم بشبح الفوضى، وربط الاستقرار ببقاء النظام.
هذه اللعبة مكشوفة للشعب، لكنها لعبة نار قد تحرق الجميع، لأن الوحوش التي تُربّى في الظل لا يمكن التحكّم بها إلى الأبد. لقد رأينا في دول عربية أخرى كيف خرجت الأمور عن السيطرة: ليبيا، سوريا، اليمن… كلها بدأت بنفس السيناريو: ابتزاز سياسي، فوضى مدروسة، دمار شامل.
لا يمكن للشعوب أن تبقى متفرجة أمام هذه السياسات. فالفوضى ليست قدرًا محتومًا، لكن الصمت أمام إعادة تدوير نفس الأدوات سيقودنا حتمًا إلى إعادة إنتاج نفس الكارثة. اليوم، على الشعب الجزائري والعربي عمومًا أن يدرك حقيقة اللعبة: التطرف ليس عفويًا، واستمراره ليس صدفة، وتوظيفه ليس بريئًا. إنه جزء من استراتيجية تهدف لإبقاء المجتمع خائفًا ومنقسمًا، حتى يرضى بالحد الأدنى من الاستقرار، ولو كان هشًّا.
التاريخ لا يرحم، والذاكرة الجماعية لا تنسى. لقد علّمتنا تجربة العشرية السوداء أن إشعال النار سهل، لكن إطفاءها ثمنه دماء وأوطان كاملة. من يظن أن التلاعب بالتيارات المتطرفة سياسة ذكية، عليه أن يتذكّر أن الفوضى قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة، وحينها لن ينجو أحد، لا النظام ولا الشعب. اليوم، حماية الجزائر وبقية الدول العربية تبدأ بخطوة واحدة: قطع الطريق أمام إعادة إنتاج نفس المأساة، وفضح كل مشروع يُبقي الأوطان رهينة الخوف والابتزاز.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟