أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عببر خالد يحيي - الموجة التي أطفأت الضوء: دراسة ذرائعية في قصة (كنت أرى ولم أفقد صوتي) للكاتب والناقد الأردني حسين دعسة بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي















المزيد.....



الموجة التي أطفأت الضوء: دراسة ذرائعية في قصة (كنت أرى ولم أفقد صوتي) للكاتب والناقد الأردني حسين دعسة بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي


عببر خالد يحيي

الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 09:02
المحور: الادب والفن
    


ا
مقدمة:
الكتابة عند حسين دعسة ليست فعلَ حكيٍ أو توثيقٍ، بل هي غوصٌ في الهاوية، حيث يتقاطع الإدراك بالحلم، والواقعة بالهذيان.
في نصه «كنت أرى ولم أفقد صوتي»، لا يسرد- حادثة عرضية لسقوط على الرصيف أو إصابة في الرأس، بل يُحوّل ذلك الفقد البصري إلى بوصلة سردية تعيد ترتيب الحواس، وتخلق عالمًا يقوم على الصدى بدل الصورة، وعلى الشذرات بدل الحبكة.
هنا، لا تنمو القصة في الزمن، بل تنمو في الرأس: في ثقوبه، في ذكرياته المتسرّبة، في أصوات الإذاعة، في عشقٍ يتقمّص هيئة الموجة، وفي لغةٍ مشظاة كزجاج الوعي حين يتكسر على شاطئ كامب شيزار.
من هذا المنطلق، كان لا بد من اختيار المنهج الذرائعي للقراءة، بما يتيحه من أدوات لغوية ونفسية وتداولية، تفتح النص على طبقاته المتداخلة، وتكشف عن البنية العميقة لتجربة الإنسان حين ينهار مركز إدراكه الحسي، ويبدأ في رؤية العالم من الداخل، عبر جرح الرأس، وعبر "الصوت" الذي يبقى حين يغيب البصر.

تجنيس النص:
نص تجريبي سردي-شعري، يتراوح بين القصة الطويلة الحرة، والمونولوج الداخلي، وتقاطعات مع اليوميات والهذيان الشعري. تتعدد أصواته بين الراوي والموجة والسجينة وصوت هيام حموي والإذاعات.

في هذه الدراسة، نخوض مع النص في مستويات متعدّدة، نتتبع فيها البؤرة الأخلاقية، والبنية الجمالية، والانفجار النفسي، والوظائف التداولية الرمزية، لنخرج بصورة أكثر تعقيدًا وثراءً عن معنى السرد حين يصير خلاصًا… أو غرقًا في موجة أنثوية تُشبه الحكاية وتبتلعها.

أولًا: البؤرة والخلفية الأخلاقية:
البؤرة:
تجربة وجودية تمر من العمى الجسدي إلى انكشاف داخلي نفسي، حيث يفقد الراوي بصره إثر حادث بحري ويبدأ بالتقاط العالم من جديد عبر الصوت والذاكرة والتخيل. تظهر الموجة بوصفها كائنًا أنثويًا-رمزيًا يقوده إلى العزلة والتطهير والموت الرمزي.
الخلفية الأخلاقية:
يقدّم النص قلقًا فلسفيًا معلقًا، لا يصدر أحكامًا، بل يكشف تفتت الذات أمام قوى غامضة (البحر، المرض، الغياب، الحب). لا توجد صراعات أخلاقية واضحة بل حالة من الاستسلام والتواطؤ مع الهذيان.

ثانيًا: المستوى اللغوي والجمالي
اللغة:
مكتظة بالمجازات المركبة:
"ثقوب الرأس"، "العيون التي تنام بعد حرث"، "صوت هيام حموى يوقظ الموجة".
شعرية اللغة تقوم على المفارقة بين ما هو محسوس (الرصيف، السرير، الموج) وما هو لا مرئي (الذاكرة، الهذيان، الحب).
استخدام مركّز لحقول دلالية: البحر، الصوت، الرأس، الحصى، الموج، الأغنية.
تكرار عبارات وصيغ لخلق إيقاع داخلي يُغني عن الإيقاع الشعري الخارجي:
"كنت أرى ولم أفقد صوتي"، "ثقوب الرأس"، "الموجة صديقتي"، "هيام حموى"، "عروس البحر".



الجمالية:
تتجلى في تكثيف المشهد النفسي من خلال تقنيات التجزيء والتكرار والتداعي.
الصورة السردية تتجاوز الحدث إلى التكوين الشعوري: البحر ليس مكانًا بل ذاكرة، الموجة ليست عنصرًا طبيعيًا بل أداة اختبار وتحول.
تقنيات التلاشي والتجلي: الشخصية تتماهى مع الموجة، وتتحول من رجل إلى كائن بحري، في عملية إعادة تشكيل للذات.
كما تتجلّى جمالية النص في قدرته على تحويل الفقد إلى توليد لغوي، وعلى نقل المأساة الفردية من مجال التجربة الشخصية إلى مجال الأسطورة الذاتية. لا تقتصر الجمالية هنا على رشاقة التعبير أو عمق الصور، بل تنبع من تخليق واقع موازٍ، يتشكل فيه العالم عبر التشظي، وتتقد الحواس على أنقاض بعضها. فحين يُلغى البصر قسرًا، يُستدعى السمع كحاسة خلاص، وتتحوّل اللغة نفسها إلى حاسة جديدة ترى وتشتم وتلمس.
الجمالية في هذا النص تقوم على مفارقة دائمة بين عنف الألم ورهافة الصورة؛ فثقوب الرأس ليست مجرد توصيف طبي، بل نافذة شعرية تنزّ منها الصور، الأحلام، الأغاني، الذكريات، وحتى الحجارة. الموجة لا تتحرك فحسب، بل تُغازل وتغار وتختطف وتُولد كأنثى رمزية، تجمع بين عروس البحر، والحبيبة، والقصيدة.
كما يعتمد النص على هندسة صوتية داخلية تتجاوز الموسيقى التقليدية، عبر التكرار المموّه للمفردات والصور، ما يمنح الإيقاع بعدًا نفسيًا خفيًا. ويمتاز بالتشابك بين المشهدي والتأملي، إذ تنتقل الجملة من صورة مادية إلى انزياح رمزي سلس، كما في:
"رأيت الشمس تنتحر وراء الموج الغريب"،
"رأسي يرشح الحروف التي كتبتها الحروب"،
"الموجة تغار من صوت السجينة".
إنها كتابة تشبه السير على زبد البحر، لا تترك أثرًا واحدًا، بل تخلّف طبقات من الارتعاش. الجمالية هنا ليست تزيينية، بل عضوية، نابعة من بنية التشوش والاضطراب، ومؤسسة لتجربة سردية هي أقرب إلى "قصيدة طويلة مكتوبة في نثر داخلي".
هذا التداخل العميق بين الأسلوب والمحتوى، بين الجرح واللغة، بين السرد والشعر، هو ما يمنح النص جماله الأكثر فتكًا: جمال الانهيار المتناسق.

ثالثًا: المستوى الديناميكي (المحرك البنائي والحركي للسرد)
ينتمي النص إلى البنية المفتوحة ديناميكيًا، حيث لا يوجد مسار سردي خطي أو حبكة تقليدية تقوم على حدث متسلسل أو صراع درامي واضح.
عوضًا عن ذلك، يعتمد السرد على تفكك الزمن وتراكم التداعيات الحسية والنفسية التي تتحرك عبر ذهنية راوٍ متأزم، يعيش على تخوم الإدراك والهلوسة.
يتبدّى الديناميك في النص من خلال عدة عناصر متشابكة:
1. تشظي الزمن:
فالزمن ليس وحدة تقيس الحكاية، بل نسيج هش ينهار بين الذاكرة والحاضر والحلم.
الزمن الخارجي (الحادث، السقوط، المستشفى، البحر) يتداخل مع زمن داخلي متقطع يعتمد على الانفعالات الحسية والموسيقية. لحظة واحدة كافية لأن تُستعاد مرارًا من زوايا مختلفة، لا لتشرح، بل لتُعمّق الغموض.
"غبت عن الوعي... ثم رأيت... ثم شممت... ثم سمعت..."
هذه العبارات تعكس زحفًا دائريًا زمنيًا، لا خطيًا.
غياب الزمان والمكان المحددين: كامب شيزار يظهر كمحطة رمزية لا جغرافية، الليل والنهار يتداخلان، الحاضر يغيم بالماضي والمخيلة.
2. تحوّل الشخصيات إلى رموز ديناميكية:
الموجة، وهي العنصر الأكثر حضورًا، تبدأ كعنصر طبيعي، ثم تصبح شخصية حية، ثم تتحول إلى أنثى، فحبيبة، فعدوّة غيورة، فكائن صوفي يأخذ الراوي إلى الأعماق.
السجينة، في المقابل، لا تظهر فعليًا في الحدث بل كصدى موازٍ، كأنها الوجه الآخر للموجة أو المرآة المعكوسة له.
هذا التناوب بين الموجة والسجينة يمنح السرد طابعًا حركيًا دائريًا، حيث تتنازع الشخصيات مواقع التأثير والسيطرة داخل وعي الراوي.
3. تعدد الأصوات والتقاطعات النصية:
تساهم تعددية الأصوات – صوت الراوي، الطبيب، الأخ، العطار، المذيعة هيام حموي، الأغاني، الموجة، صوت التحقيق – في خلق سردية فسيفسائية تتنقل من الذاتي إلى الموضوعي، ومن الواقعي إلى المتخيل، مما يكسر مركزية الصوت الواحد، ويحوّل النص إلى فضاء تشاركي للمعنى.
4. غلبة البُنى الحسية على البنى الفعلية:
الحدث الأساسي (السقوط وفقدان البصر) لا يتطور نحو نهاية أو حل، بل يُستثمر كنقطة انطلاق لغوص داخلي طويل في طبقات النفس، ما يخلق حركة سردية تعتمد التحول الداخلي أكثر من التغير الخارجي.
5. السرد كتعبير عن مقاومة ثابتة ضد الثبات:
كل مقطع في النص يبدو وكأنه محاولة لفهم معيّن، ثم يتم تقويض هذا الفهم من جديد. كأن السرد لا يهدف إلى بناء "حقيقة" بل إلى كشف هشاشتها.
لا جواب نهائي عن: من هو الراوي؟ من هي الموجة؟ هل العمى حقيقي أم استعاري؟ هل نعيش حلمًا أم ذاكرة أم وهمًا؟ وهذه الأسئلة التي تُرواغ القارئ باستمرار تُعدُّ جوهر الدينامية في النص.
والخلاصة :
لا يسير النص إلى الأمام، بل يتحرك إلى الداخل.
لا ينمو نحو خاتمة، بل يتكاثر في التواءاته.
ديناميكيته ليست من فعل الأحداث بل من توتر التراكيب، ومن الصراع بين الصوت والصمت، بين الرؤية والعمى، بين اللغة والتبخر.
إنّه نص يسير على إيقاع "ثقوب الرأس"، حيث كل ثقب يفتح بابًا جديدًا للانزلاق نحو قصة لم تُحكَ بالكامل بعد.

رابعًا: المستوى النفسي (اللاشعور، الهشاشة، الصراع الداخلي)
ينفتح النص على فضاء نفسي شديد الهشاشة، يُنقل من خلال شخصية الراوي الذي يتحول تدريجيًا من فرد يواجه حادثًا عرضيًا إلى كيان مأزوم يختبر فقد الحواس، وانفلات الوعي، واحتشاد الصور والهلاوس والذكريات. هذا التحول يكشف عن اشتباك معقد بين الهوية والذاكرة والحواس والجسد، حيث تصبح الكتابة نفسها فعلًا تعويضيًا عن الحواس المفقودة، وتتحول التجربة إلى سردية ذات طبيعة تحليلية ـ شعورية أشبه بجلسة تداعي حر مطولة.
1. العمى كآلية للانفتاح النفسي:
حين يُعلن الطبيب: «لن ترى خلال الأيام وربما الأشهر المقبلة»، لا يتوقف الأمر عند حدود الجسد، بل يتسرب إلى الروح. يتحول العمى من إصابة إلى مجاز للفقد الأكبر: انقطاع الرابط مع العالم المادي، وتضاؤل القدرة على التفسير، ودخول حالة شبيهة بالموت الحسي، لكنها تولّد رؤى جديدة أكثر تعقيدًا وعُمقًا.
فالراوي يبدأ برؤية داخليّة تعوّض انعدام البصر، رؤية تعتمد على الصوت والرائحة والحلم والذكرى.
"رأيت أن عيوني تعيش في وهم الرؤية، كأنها نائمة بعد حرث في مقلة العين..."
هذا النوع من اللغة يشي بأن الرؤية ليست وظيفة بصرية بل نفسية، وأن الحواس كلها قابلة للانكسار كما الإدراك.
2. الرأس المثقوب: تسرّب اللاوعي
تُعدّ ثقوب الرأس في النص من أهم الرموز النفسية: فهي لا تشير إلى الإصابة الجسدية فقط، بل إلى انفتاح أبواب اللاوعي، وانفلات المخزون المكبوت: الذكريات، الأغاني، الصور، الحنين، الرغبة، وحتى الأصوات الخارجية (كهيام حموى وملحم بركات) التي تتحول إلى أدوات استحضار عاطفي ونفسي.
إن ثقوب الرأس هي الصورة المكافئة للـ Free Association في التحليل النفسي، حيث يرشح النص بمضامين مكبوتة، تطفو فجأة دون ترابط منطقي، لكنها تحمل كثافة عاطفية هائلة.
3. الموجة: صورة الأنثى – الأم – العشيقة – الموت
الموجة ليست كيانًا طبيعيًا فحسب، بل شخصية نفسية متعددة الأوجه:
تظهر كعشيقة شهوانية (تحمله إلى الأعماق)،
ثم كأم حانية (تلاعبه، تغار عليه)،
ثم كموت جميل (تخدره، تبتلعه بلطف)،
وأحيانًا كحكاية ناقصة يريد أن يكملها، لكنها تتمنع.
بهذا التعدد، تصبح الموجة صورة مركّبة للأنثى في لاشعور الراوي، تمثّل الرغبة والحرمان معًا، وتكشف أيضًا عن اضطراب التعلّق العاطفي؛ حيث يهرب الراوي من الواقع إلى حضن رمزي أنثوي، لا ليُشفى، بل ليذوب.
4. الانقسام النفسي والهوية المتعددة:
نلاحظ تكرار حالات التماهي والانقسام:
يتماهى الراوي مع الموجة، مع السندباد، مع السجينة، مع رضيع الملائكة، مع العروس البحرية.
هذه الانقسامات تشير إلى أزمة هوية حادّة: لا يستطيع أن يحدد نفسه بشخصية واحدة، فيرتحل بين الذكوري والأنثوي، بين البر والبحر، بين الإنسان والكائن الرمزي. وكأن الحادث الجسدي أدى إلى تمزق نفسي داخلي، لم يُشْفَ منه بل تم التعبير عنه بلغة شاعرية مشوشة تحمل بصمات ما بعد الصدمة.
5. سلوكيات ما بعد الصدمة (Post-Trauma):
النص يصف بدقة سلوكيات تشير إلى صدمة عميقة:
الانسحاب الاجتماعي (العزلة في السرير والمستشفى)، فقدان الشهية، التشوش الزمني والمكاني، الكوابيس واستدعاء الذاكرة عبر الروائح والأصوات، رفض الواقع واستبداله بعوالم بديلة أكثر أمانًا.
تلك جميعها أعراض معروفة في أدبيات الصدمة النفسية، ويستخدمها الكاتب بوعي فني عالٍ، يترجمها بأسلوب شعري لا يفقد تماسّه مع الجذر النفسي الأصلي.
الخلاصة النفسية:
نحن أمام (بورتريه) نفسي لذات تتفكك أمام فقد بصري، لكنها تكتشف عبر هذا الفقد وسائل جديدة للرؤية: الكتابة، الحنين، الهذيان، الاستحضار الغنائي، والرموز الأنثوية.
إنها تجربة سردية تلتقط أدق الاهتزازات النفسية الممكنة، وتعيد تشكيلها في لغة موجية تتنقل بين الذات والعالم كما تتنقل الموجة بين المد والجزر.

خامسًا: المستوى التداولي العميق (الرموز، المقاصد، المرجعيات الثقافية والتواصلية)
النص الذي بين يدينا لا يُبنى على مرجعية واقعية فقط، بل يُراكم داخله طبقات متعددة من الخطابات: سياسية، ثقافية، صوفية، جمالية، صوتية، عاطفية، وإعلامية.
ولأن الذرائعية لا تدرس التداول على مستوى البنية اللغوية فحسب، بل على مستوى التأويل وفعل التواصل، فإن هذا النص يقدم نفسه بوصفه فعل تواصل داخلي ـ ذاتي، وخارجي ـ رمزي.
1. وظيفة التداول الرمزية:
يوظف النص الرموز بوصفها أدوات تواصل غير مباشر، تفتح المعنى على احتمالات واسعة. فلكل عنصر في النص حمولة دلالية تتجاوز وظيفته الواقعية:
الموجة: ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل كيان رمزي ينهض بدور المحرك الوجودي والأنثوي. ترمز إلى الزمن، الرغبة، الطهارة، العاطفة، الفقد، وفي آنٍ واحد، تُشبه الموت حين تكون غادرة.
في لحظة هي الحبيبة، وفي أخرى تصبح العدوة التي تغار، ثم العروس التي تبتلع البطل.
الرأس المثقوب: مجاز مركزي يرسم وظيفة الإدراك المنهار. هو الباب الذي يتسرب منه "خليط الرأس"، أي الذاكرة، الشعر، الصور، المخاوف. هو نافذة اللاوعي على العالم، وفي الآن نفسه، رمز للانكشاف الكامل.
الإذاعة / صوت هيام حموي: يُستخدم كجسر صوتي بين الماضي واللحظة الراهنة، أي بين الزمن المفقود والزمن الذي لا يُحتمل. وظيفة هذا العنصر مزدوجة: تواصل حسي حميمي، وتسجيل وجودي لنبرة الذات. الصوت يعوّض النظر، والإذاعة تعوّض المشهد.
عروس البحر / السجينة / شجرة السرو: تتشارك في رسم صورة الأنثى/الذات/الرغبة/الوطن. كلها وجوه لحضور يتكرر، ويتخفى، ويستعصي على التحقق. هذه الرموز تتداول الوظيفة نفسها: جذب البطل نحو أعماقه، نحو سره، نحو ضياعه أو خلاصه.
2. المرجعيات الثقافية:
النص يستدعي عددًا من الرموز والمراجع الثقافية بصيغة لا مباشرة، لكنها واضحة لقارئ متمرّس:
السندباد البحري: أيقونة السفر والاستكشاف والخيال الشرقي. استدعاؤه يُحيل إلى البعد الحكائي العربي، لكنه هنا يُستخدم بصفته مسافرًا داخليًا، ضائعًا لا يعود إلى البصرة، بل يذوب في موجة أنثوية تشبه القصة التي لا تنتهي
أغاني ملحم بركات / إذاعة مونت كارلو: هي رموز لذاكرة سمعية عربية، تُمثّل جيلًا كاملاً، وتمنح النص بعدًا تداوليًا يربط الحب، الحنين، الانتماء الصوتي بمشروع الذات الساردة.
"حبيتك وبحبك... تيبطل الغيم..." يتحول من غناء إلى سرد، من تعبير وجداني إلى لغة بناء للواقع المتخيل.
كامب شيزار / شارع بورسعيد / قهوة الصعايدة: أماكن واقعية، لكنها تتحول إلى دوال رمزية محمّلة بالحنين والفقد. إنها ليست فضاءات حدث بل مساحات لتثبيت الذاكرة، ورسم الخسارة الشخصية وسط فضاء اجتماعي وثقافي غائب.

3. الوظيفة التداولية العميقة:
الرسالة الضمنية: لا يمكن تلقي هذا النص بوصفه سردًا عابرًا، بل هو صيغة داخلية للنجاة: الصوت هنا هو الذاكرة، الموجة هي الحكي، والموت هو الصمت. هكذا تصبح القصة وسيلة لتحرير الراوي من قيود الواقع، من العمى، من الاستسلام.
المناداة / التناص / التواصل غير المباشر: يستند النص إلى البنية الشذرية التي تمكّن القارئ من الدخول في حوار مستتر مع شخصياته، ومع رموزه، ومع كاتبه. فهناك دائمًا صوت ينادي الآخر — هيام تنادي، السجينة تئن، العطار يتهكم، الموجة تشتكي — كلها أصوات تتشارك فعل التداول الحواري داخل النص.
القارئ المفترض: ليس قارئًا بسيطًا يبحث عن تسلية، بل قارئ تأويلي، مطالب بفك الشفرات، وتوصيل المعاني المتناثرة، ومواكبة التحول اللغوي والرمزي المتسارع، من أغنية إلى مشهد، ومن جملة إلى حلم.
الخلاصة التداولية:
إن «كنت أرى ولم أفقد صوتي» نص تداولي بامتياز، يقوم على فن إعادة توزيع المعنى عبر قنوات غير مباشرة: الصوت، الصورة الرمزية، الحنين، الغموض، والتشابك الثقافي. هو نص لا يُخبر بقدر ما يُشير، يلمّح، يتهامس مع قارئه. التداول هنا ليس في المعنى فقط، بل في وظيفة الحكي ذاته: أن يصبح صوتًا ينقذ من العمى، ونداءً يخرج من ثقوب الرأس نحو شجرة السرو البعيدة.

سادسًا: دراسة التجربة الإبداعية (الوعي الكتابي، التجريب، والتجاوز الفني)
يُعد النص نموذجًا للكتابة التي تتجاوز الأجناس الأدبية نحو بناء كيان فني قائم بذاته. حسين دعسة لا يكتب قصة فقط، بل يخط خريطة وعي مهزوز يطفو ويغرق في آن.
تُقدّم قصة "كنت أرى ولم أفقد صوتي" نموذجًا دالًّا على وعي إبداعي متقدم، لا ينشغل بتدوين الحكاية بقدر ما ينشغل بتفكيكها وخلخلتها من الداخل، ومن ثم إعادة بنائها بصيغ مغايرة تمامًا للأنماط السردية التقليدية. الكاتب حسين دعسة لا يكتب من موقع الراوي المحايد، بل من قلب التجربة النفسية واللغوية والوجودية، حيث يصبح النص ذاته مختبرًا للوعي، ومساحة للتجريب الحسي والفني على جسد اللغة.
1. التجريب في اللغة والبنية:
منذ السطور الأولى، يتخلى النص عن الإخبار المباشر، ويبدأ بتهشيم العلاقة بين السبب والنتيجة، بين الحدث والعبارة. اللغة هنا ليست وسيلة نقل، بل فضاء قائم بذاته، تتكثف فيه الصور والمجازات والانزياحات.
اللغة ككائن حي: تتنفس، ترشح، تنفث، تصرخ، تصمت، تتداعى، كما في:
"كنت أتابع ما يدلق رأسي من تلك الثقوب التي ترى وتتحدث وتنثر خليط الرأس، الخلطة السرية."
تفكيك الحبكة التقليدية: لا يوجد بداية أو وسط أو نهاية، بل تموّجات حسية ومجازية تتصاعد وتختلط، على غرار حركة الموجة التي اختارها النص كرمز مركزي: دخول متكرر وخروج دائري، دون تعيين خط سردي صريح.
2. الكتابة كعلاج رمزي واستبطان:
لا يمكن فصل هذا النص عن فكرة أن الكتابة هنا وظيفة نفسية ووجودية، هدفها ليس الحكي بل البقاء. يكتب البطل – والكاتب من خلفه – لأنه فقد البصر، ولأنه مهدد بفقد الصوت. وبالتالي، تتحول الكتابة إلى حاسة سادسة، بديلة عن العين، وإلى فعل استعادة للحضور الشخصي في عالم يتفتت بصمت.
إن كل جملة تُكتب وكأنها محاولة طارئة لإنقاذ الذات من المحو. الكتابة أشبه برسم الأصابع على زجاج يغمره الضباب، أو على سطح الموجة التي تمحو ما تُخطّه. وهذا الوعي بالتلاشي الدائم ينعكس في البنية المفتوحة للنص، وفي تكرار الرموز التي لا تستقر على دلالة واحدة.
3. تعدد مصادر الإلهام والتناص الوجداني:
في هذا النص، لا يعتمد الكاتب على مرجعية واحدة، بل يستدعي خليطًا من التجارب الثقافية والوجدانية:
الموروث الشعبي/الإذاعي: حضور صوت هيام حموي، وأغاني ملحم بركات، يتجاوز التوظيف النغمي، ليصبح صوتًا داخليًا يوقظ ذاكرة الراوي/الكاتب، ويخلق تناغمًا بين الحنين والحسرة.
الأساطير الشرقية: السندباد، عروس البحر، القصر السري، كلها رموز تُحيل إلى بنية سردية غائرة في المخيال العربي، يعيد الكاتب استخدامها ليبني بها أسطورته الشخصية.
الواقعي المهزوز: أماكن مثل كامب شيزار وشارع بورسعيد ليست مشاهد خلفية بل عناصر محمّلة بالرمز، تشير إلى ارتباط البطل بالمكان والناس والهامش، لكنها سرعان ما تتهاوى لصالح الحلم والهذيان.
4. تفكيك الهوية والكتابة من داخل التشظي:
لا يمنحنا الكاتب شخصية متماسكة، بل شخصية متمزقة، تتأرجح بين الهويات: مرة هو "مروان"، ومرة "الضرير"، ومرة "ابن الشيخ"، وأخرى "عروس البحر". وفي هذا التمزق، تظهر قدرة الكاتب على تحويل الضياع إلى طاقة إبداعية، يتكلم بها عن الإنسان بوصفه مشروعًا غير مكتمل، ومفتوحًا على احتمالات التشكّل والذوبان.
خلاصة التجربة الإبداعية:
حسين دعسة في هذا النص لا يكتب من أجل الحكي، بل من أجل النجاة. نصه ليس بناءً تقليديًا بل أثر شعوري. هو حالة إبداعية تنهل من الشعر والسرد والموسيقى والهلوسة والذاكرة، وتبني عالمًا مهتزًا يُشبه الوعي في لحظات السقوط أو العزلة أو الفقد.
في هذه التجربة، يتجلى الإبداع لا كجمال مكتمل، بل كجمال ناقص مشوّه، يكتسب قيمته من كونه صادقًا في اهتزازه، وحيًّا في تكسّره. هذا ما يجعل "كنت أرى ولم أفقد صوتي" لا تُقرأ، بل تُحسّ… وتُرتجف معها.

خاتمة:
إن نص "كنت أرى ولم أفقد صوتي" لا يُقرأ كقصة، بل يُعاش كحالة وجدانية سائلة، حيث تتداخل الأصوات والرموز في سردية تتحدى البنية الكلاسيكية للقص. لا يروي حسين دعسة حكاية بقدر ما ينقّب في أعماق الذات الإنسانية عندما تُفقد بوصلتها الحسية، فيتحول الفقد الجسدي (البصر) إلى ولادة بصرية جديدة، قوامها السمع والحدس والمجاز.
الذرائعية كمنهج قرائي أتاحت لنا أن نكتشف خيوط هذا النص المتشابكة دون فرض وصاية شكلية عليه؛ فتعمقنا في أبعاده النفسية، وأصغينا إلى الارتجاف الجمالي في لغته، وقرأنا الرموز بوصفها مفاتيح لهوية سردية تتناسل من التجريب والانكسار.
في هذا النص، لا شيء يُقال مباشرة، بل كل شيء يُلمَح إليه، يُتذوق، ويُعاش بين حواف الغياب. فالموجة، والسجينة، والسرير، والمذياع، والحصاة، جميعها شخوصٌ رمزية تستدعي تأويلًا وجوديًا وفنيًا يتجاوز ظاهر الحكاية.
هكذا، يصبح النص مرآة لانكسارات الداخل، ونداءً من الأعماق يعيد للكتابة دورها الأصيل: أن تكون وسيلة للنجاة، وعتبة للكشف، ومساحة للبوح حين يغيب الضوء… ويبقى الصوت.

#دعبيرخالديحيي الإسكندرية – مصر 28/ 5/ 2025

النص :
كنت أرى ولم أفقد صوتي!

القصر السرى احتوانى وأخذت كل الوقت فى البكاء
أتوقف كثيرًا عند صوت هيام حموى فى إذاعة مونت كارلو
.. ليست مجرد تذكارات..!
.. لم تكن مجرد حصاة محدبة، اهتزت اللحظة، غبت عن الوعى.
.. لم أتيقن من الذى يصرخ، يصمت؛ إلى أن يعاود الثرثرة والصراخ.
رأسى، إذا كان هو ما أعرف تفاصيله، انفجر، أتابع لملمة شظايا الرأس الذى سقط.
هناك، من يثرثر ثم يصرخ، ما زلت فى غيبوبتى، أرشح تعب السقوط.
قبل اعتراض الحصاة طريقى، أرجو أن أكون أنا من حاول سحق حصاة على رصيف الشاطئ، التقرير ذكر أن السبب سقوط تداعيات موجة غادرة من صوب البحر، ضربت الرصيف على حين غفلة.
أحمل صحيفة ورقية، ونوعية رخيصة من السجائر، زجاجة مياه معدنية، كل هذا كان فى يدى.
.. وكنت أحمل رأسى، ورأيت قبل السقوط، أن ثقوبًا سرية فتحت وانهارت الأشياء على الرصيف، الموجة صديقتى، حملت حصوات محدبة، ما إن نزلت من رأسى، حتى أهدرت توازنى، غاب الأفق ساعة مغيب شمس شاطئ كامب شيزار.
.. طرقات تفجر مخاوف الوعى، الطبيب يعلن عن أن ثقوب رأسى سليمة، وهى بحاجة إلى الابتعاد عن الثرثرة.
عن أى ثرثرة، قلت فى لحظة صحو، إنهم ينتظروننى، لكى نبدأ الرقص من جديد.
تحسست الشواهد من الموسيقى الفيروزية، مقاطع هزيلة غير متماسكة، وصخب عشاق الشاطئ، وكلام أخير عن السياسة التى أصابت صاحب ذى الرأس المثقوب، الذى غاب طويلًا بعد أن داس على عنق حصاة.
.. أدركت أن الطريق لم يكن لى!
هو طريق صديقتى الموجة، التى تتسلل من عمق البحر، تنسل مثل خيط حرير، تشاغب إلى جوار مصدات الموج الحجرية، تتوقف، لا تتجاوز عشب الحجارة النابت فى مواسم هجرة الطيور.
سألنى صديقى العجوز:
هل رأيت الحصاة؟
قلت إنى شممت رائحة الموجة، وانقلبت، تحسست الصمت وغبت عن الوعى، أكان ذلك من الحصاة التى حملتها الموجة؟
.. أحسست بالجو الكاتم، أين أنا؟ غبش أصاب مشاعرى، قبل أن اكتشف أن عيونى تعيش فى وهم الرؤية، كأنها نائمة بعد حرث فى مقلة العين التى تتنفس الحرير.
سيكون عليك أن تتعايش مع العمى، لا نعلم إلى متى؟
الإصابة نخرت أعصاب دقيقة فى الرأس، سنرى بعد أشهر كيف يجب أن يستقر الحال؟
الجيد، يقول الطبيب الحكيم:
إنك تجاوزت أى إصابات فى الحركة، لكنك لن ترى خلال الأيام وربما الأشهر المقبلة.
كأن الموجة صدمتنى من جديد، هبط قلبى، انفجرت ثقوب رأسى وتاهت سوائل وخيوط وأوراق وتلك الصور الملونة، العتيقة، ثقوب رأسى انفتحت، رموش عيونى ترمش بسرعة قطار الريف، أو مثل هذيان فانوس البحار يحمله، فجر يوم الصيد فى كانون النوة المهلكة.
.. أضربت عن تناول أى شىء، رفض الأطباء قرارى، قيدونى فى سجن السرير، وربطونى بالأجهزة وكنت أتابع ما يدلق رأسى من تلك الثقوب التى ترى وتتحدث وتنثر خليط الرأس، الخلطة السرية.
سمعت تأوهات، تمادت الأى، والآى، سخن رأسى وتوقف الهياج واعتصرت رأسى؛ لعلى أشم تلك التفاصيل و.. بقيت مقيدًا أسمع ما ينبض من الآهات، ورأيت أنى عدت فى حضنك، رضيع الملائكة... غيبتى ظل السروات، تعبت يمامات القمة، ناولتنى شريحة تحكى عن القمر المكتمل، كانت ليلة عاشق الحكاية التى أصابت رأسه قيود العصابة، اختفت برودة الربيع، رأيت أنى أتنفس قبلتك الأولى التى ذوبت ضفاف النيل.
.. فى أيام العمى، انشغلت بالسمع، تتحرك أذنى تجاه أى صوت، أسمع الإذاعات، أقلبها من إذاعة موسكو وصولًا إلى إذاعة لندن، أتوقف كثيرًا عند صوت هيام حموى فى إذاعة مونت كارلو.
ذات مرة تغزلت هيام بأغنية من أغانى ملحم بركات، وقالت:
لكل أحبتى اسمعوا هذا العاشق وهو يغنى:
.. «وضلى بقلبى، سره الجريح ونامى بقلبى.. تاتتعب الريح»
لم تكن الكلمات تفتح مفاصل قلبى الكسير، لكننى سمعت الصوت يتغير، يصدع:
.. «خبيتك بعيونى من درب النسيان من درب النسيان».
أحسست بك تصعدى معى درب شجرات السرو، مختفى بين أغصانها العاشق للشمس والريح.
تذكرت أن مذيعة مونت كارلو كانت تبكى وهى تردد مع ملحم بركات:
.. «حبيتك وبحبك، تيبطل الغيم، يشرد ورا الغيم، وتخلص الطرقات..».
طريق السروات وصل إلى اليمامات، سحرته بهديلها أسرارها الملونة، تسلقت الجنون الذى نبت بين طيات الروح.
.. «حبيتك وبحبك، تيبطل الموج، يركض ورا الموج، بشمس المسافات».
عاندتنى الموجة السرية التى تعودت أن تخرج من وسط البحر.
أجلسنى أخى بهدوء، أتتبع ما أسمع من هدير الموج.
غافلتنى طيور النورس وسرقت بقايا الخبز، خبز العصافير الصغيرة التى تترقب فتات الحكاية.
فى تلك الليلة، بكيت، قلت لى إن صوتك يغالب البرد، سرقة السرير، وأن السجن قيدك وحيدة، يغيب صوتك ويغيب نور عيونى فى المجهول.
رأيت فيما يرى الضائع بين الحلم.. وسجن السرير، أن المحقق سجل اسمى، قال لى:
أنت مروان، ابن المختار الشيخ صالح.
قلت: أنا الأعمى!
.. طوى أخى أوراق المحقق، سجل إصابتى نتيجة زحلقة وعبث على الرصيف.
.. وكنت تعودت أن أتحسس رأسى، انهمرت الثقوب تنفث ما خزنته الأيام، أفزعنى حلم تاه عن ثقوب رأسى، بقى يتدحرج فى تلافيف دماغى، يعاندنى، يذكرنى بأن هناك فى عش سجينة السرير، حكاية عن الصوت الذى تاه فى برد النوة.
.. تحسست رأسى، هرشت شعرى المشرد على وسادة السجين؛ ذلك ما كان ينقص سيناريو الحلم، هل يجب أن نصد شجرة السرو دائمًا، ونتوه فى خرائط اليمامات؟
واجهت المحقق وصرخت أمام السجينة:
أنا أرى، ولكنى سأفقد صوتى، فقد وعدت الموجة أن تقودنى إلى سراديب السندباد البحرى، مقابل أن أقدم لها صوتى، حزنت كثيرًا، إذ تذكرت أننى لن أثرثر عما أسمع من ملحم بركات أو أتحدث عن كيف كان بكاء هيام حموى.
.. فى مكانى على رصيف شاطئ كامب شيزار، أجلس أراقب تدافع الموج، تنال منى موجتى، تتوه الإشارات تندلق من ثقوب رأسى، تغتال الحروف، نتجمع، وهى تتجمل، تأخذنى إلى جزيرة بعيدة، أرتعش فقد رأيت الشمس تنتحر وراء الموج الغريب، سمائى تاهت وأنا أتشبت بذيل الموجة التى تتشكل بأثوابها الذهبية تخدعنى، إلى أن غاب بصرى بين عشب الأعماق، تناثرت الحروف، كتبتها الحروب، سقطت مالحة من ثقوب الرأس،.. ى ا. ل ل روع ه!
.. وصولى إلى بلاد السندباد البحرى، مناسبة صاخبة، كأنها لعبة كسر الأقفال، عروس البحر، المرأة التى تجند الموج لإغواء البشر من أمثالى، دخلت بوابات مشرعة فى متاهة البحر، تذكرت فندق أنداز اللندنى العريق، قالت الموجة، إن المرأة البحرية هى السبب فى استمرار إعادة قفل الأبواب، أحسست بأن القفل يسد ثقوب رأسى الغريق.
جمال قدرتنا على البقاء، مرايا تتمايل مع حركة الموج، سرت فى جسمى رعشة، تأملت الموجة العروس وهى تخفى صدرها الناهد بحزم من أعشاب البحر، يرانى جمهور الأعماق غريبًا، كنت أنظر وأتنفس وأتكلم ولم أفقد نظرى (..) الناس، يحسدوننى أنهم كانوا أكثر قربًا من العروس المرأة البحرية، وكانت تفتح لى أبواب القصر السرى الذى مات فيه السندباد البحرى، فى آخر رحلة بدأت من البصرة، وكشف تجار البر عما قد جمع من الحكايات والمجوهرات.
على حقيقتى الآن؛ ذلك ما حدث عندما لدغتنى الموجة وتدعثرت بالحصاة.
.. السر فى الأعماق البحرية، أن القصر السرى، احتوانى وأخذت كل الوقت فى البكاء، نمت على بقايا خرائط سيدة سجن السرير، كنت أسمع حشرجة صوتها وغريب تنهداتها، لكنها لم تكن تحلم مثلى، قالت لى:
أنا فوق شجرة السرو.
.. ليس سرًا أن تتمكن، من أى صعوبة تواجهك، ربط كرافتة، مشكلة، غباء منى، قال لى الكوى إن ربطة العنق يمكن أن تأخذ شكلها إلى الأبد، لم أر ذلك فى أحلامى، مشكلة جعلتنى أكره القاط والرباط.. تعودت أن أضحك على لهجة دارجة فى بغداد، قاط ورباط.
ثقوب رأسى جعلت الطبيب يؤخر خروجى من المستشفى، وضعونى فى غرفة وحيدًا، إلا من كاميرات وأجهزة موصولة بجسدى، قلت لأخى احتفظ بكل الحصى التى تتناثر على رصيف الشاطئ، ضحك، وقال:
حاضر.
تذكرتك، قولى حاضر.
وتأتى:
حاضر!
بعد أيام قرر بعض الأطباء، أن يتركونى بعيدًا عنهم، أشاروا:
اذهب نحو البحر، لعل النوارس تنقر رأسك أو تغرق وتمتلئ الثقوب بالمياه المالحة.

غرقت مع الموجة. تحولت إلى عروس البحر. أدخلتنى القصر السحرى السرى، شاهدنى السندباد.. لكنى فقدت قدرتى على إخراج سجينة السرير، الآى علقت فى ظلال الكهف السرى، بينما قالت لى الموجة:
أغار منها، أخاف من عودة صوتها، حينها أتلاشى وأتحول إلى زبد أبيض يختفى وراء الأمواج الحزينة.
.. بحرية مجنون؛ كنت أراك فى شارع بورسعيد، أتذكر تشابك أصابعنا وصوت البوح العنيد، يغتال الرصيف، ذات المكان الذى أراك فيه، أجعل الرصيف بينى وبينك، تلمع عيناك والتقط مبسم الأرجيلة وأسحب، يعج النفس وسموم التنباك الملوث بالعسل الأسود، قهوة الصعايدة، تجلس كل العائلة، عصابة تراقبنى، تتجسس على ما يخرج من ثقوب رأسى.
قال لى النادل:
تتطاير الصور والأوراق والحصى من رأسك، عم رضا يضحك ويبكى (..) أحرك رأسى تتناثر الأحلام القديمة، تصل حدود العمارة على الرصيف الثانى.
تابعت حلمى بك، كنت أعض أطراف أصابعك، تسحق روحى، أقرأ فى بعض المذكرات التى تتابع رذاذها المندفع من رأسى، تجذبها الموجة التى تشعر بالغيرة، تأكل أحلامى بهدوء قطة الشاطئ السعيدة.
أفتقد الموجة، كأنها اختارت البيات الشتوى، احترت عندما قال لى العطار الذى يبيع التعاريف والحجاب والأوراق، إن النذر الذى يحررنى، يحتاج إلى شيوخ ومسالك وحلل مرصعة وفحم من قرون ثيران رضيع الملائكة.
أصابنى الرجل العطار، فى رأسى..
كنت وسيدة الملائكة نعاتب وهج اللحظة وننشغل فى تفاصيل البحث عن موجة غابت فى يوم شتائى، لرجل عاشق لم يفقد صوته، ولم ينس شغف الآى.
.. كنت الماء؛ أصبحت الموجة
.. واختفى رأسى، تضاحكنا وفى يدك نتف من رسائل ذوبها سرير، يحتوى سجين وعاشق وعطار يلاحق الإنس والجان.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فلاح العاني: ذاكرة تاريخ على منصة معاصرة
- «أوديسيوس المشرقي» .. كتاب سردي جديد لبولص آدم
- -أكثر الرجال شرا على وجه الأرض-.. منتج سينمائي بريطاني يشن ه ...
- حسن الشافعي.. -الزامل اليمني- يدفع الموسيقي المصري للاعتذار ...
- رواد عالم الموضة في الشرق الأوسط يتوجهون إلى موسكو لحضور قمة ...
- سحر الطريق.. 4 أفلام عائلية تشجعك على المغامرة والاستكشاف
- -الكمبري-.. الآلة الرئيسية في موسيقى -كناوة-، كيف يتم تصنيعه ...
- شآبيب المعرفة الأزلية
- جرحٌ على جبين الرَّحالة ليوناردو.. رواية ألم الغربة والجرح ا ...
- المغرب.. معجبة تثير الجدل بتصرفها في حفل الفنان سعد لمجرد


المزيد.....

- الثريا في ليالينا نائمة / د. خالد زغريت
- حوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الأول / السيد حافظ
- يوميات رجل غير مهزوم. عما يشبه الشعر / السيد حافظ
- نقوش على الجدار الحزين / مأمون أحمد مصطفى زيدان
- مسرحة التراث في التجارب المسرحية العربية - قراءة في مسرح الس ... / ريمة بن عيسى
- يوميات رجل مهزوم - عما يشبه الشعر - رواية شعرية مكثفة - ج1-ط ... / السيد حافظ
- . السيد حافظيوميات رجل مهزوم عما يشبه الشعر رواية شعرية مك ... / السيد حافظ
- ملامح أدب الحداثة في ديوان - أكون لك سنونوة- / ريتا عودة
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع / رشيد عبد الرحمن النجاب
- الصمت كفضاء وجودي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والجمالية ... / عبير خالد يحيي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عببر خالد يحيي - الموجة التي أطفأت الضوء: دراسة ذرائعية في قصة (كنت أرى ولم أفقد صوتي) للكاتب والناقد الأردني حسين دعسة بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي