أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - نبيّ الخمرة ونقّاد الوهم: تفكيك قصة (دمية راقصة) للكاتب عبد الكريم حمزة عباس














المزيد.....

نبيّ الخمرة ونقّاد الوهم: تفكيك قصة (دمية راقصة) للكاتب عبد الكريم حمزة عباس


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8444 - 2025 / 8 / 24 - 22:39
المحور: الادب والفن
    


قصة "دمية راقصة" للكاتب عبد الكريم حمزة عباس، التي نشرها على صفحته الشخصية في الفيس بوك، تُعد نصًا ساخرًا رمزيًا بامتياز، يفضح المنظومة الثقافية المعاصرة، ويعري العلاقة المتشابكة بين الأدب، النقاد، الإعلام، الجوائز، والسلطة الرمزية للكتابة. بأسلوب ساخر وموجع، يكشف الكاتب زيف المشهد الثقافي، اليوم، حين يُصنَع "الكاتب" لا لأنه يكتب، بل لأنه يلائم تصورات ثقافية استهلاكية، أو يحقق صدمة إعلامية آنية.
القصة تدور حول شخصية - زغير السكير- ، شخصية شعبية، هامشية، لا تملك من أدوات الكتابة شيئًا، لكنها تتحول إلى رمز أدبي بعد أن كتب سطرًا عفويًا مشوهًا تحت تأثير الخمر على كيس قنينة، قال فيه: "المدينة مثل نعش فارغ". هذه العبارة، رغم بساطتها، صارت مفتاحًا لتضخم زائف في المشهد الثقافي، إذ يُعيد النص إنتاج ميكانيزمات (آليات عمل) التلقي والتأويل المغشوشة، حين يتلقفها صحفي تعوّد على الصحف الرديئة، والمواقع الفيسبوكية المجهولة المصدر، فيحمّلها ما لا تحتمل من رمزية وتأويل، ويقدّمها إلى مؤسسة ثقافية بائسة تبحث عن أي مادة يمكن تسويقها.
التحول المفاجئ لزغير إلى "أيقونة أدبية"، لا ينبع من قيمة النص ذاته، بل من قدرة الآخرين على اختراع قيمة لا وجود لها أصلًا، مما يُبرز نقدًا لاذعًا لما يُعرف بنظريات "موت المؤلف" و"القراءة المفتوحة"، حين تستخدم كغطاء لتزييف الوعي الجمالي والمعرفي. فالنقاد، ومنظّرو ما بعد الحداثة، يسرعون إلى تبني النص والجملة، ويحولون زغير إلى نص متجوّل بحد ذاته، محمّل بالإسقاطات والرمزيات، بينما هو نفسه يصرّح بسخرية: "ما بعد الحداثة؟ أنا بالكاد أتذكر ما بعد آخر قنينة" – قوطية خمر رخيصة.
وهنا يكمن جوهر المفارقة: زغير لا يدّعي شيئًا، لكنه يُستخدم كأداة لإيهام الآخر بوجود شيء. الجمهور، الصحافة، النقاد، لجان الجوائز – جميعهم يشتركون في المسرحية، يصفقون لما لا يُفهم، ويفسّرون ما لم يُقصد، ويفسحون الطريق لمزيفين أو سذج، طالما يلبّون حاجة السوق الثقافي لصورة الصدمة. وما أكثرهم اليوم، للأسف الشديد، بسبب الفيسبوك وغيره، من المنصات.
زغير في النهاية لا يدّعي البطولة ولا يحتفل بالتحوّل، بل يفضح اللعبة كاملة بقوله: "إنهم بحاجة إلى دمية، وأنا أجيد الرقص على الحبال." ويضيف في قفلة مريرة: "كلنا مشتركون في اللعبة… بعضنا يبيع الأدب في لجان الجوائز، وبعضنا يشتريه بتصفيق".
رمزية القصة تظهر بوضوح من خلال زغير، الذي يجمع بين الهامشية والبراءة والعبث، ويتحول إلى مرآة للنظام الثقافي المأزوم. أما الجملة التي كتبها، فتمثل رمزًا للعبث المعرفي والانفصال بين القول الحقيقي والتأويل المتضخم. النقاد والصحافة والجوائز تمثل جميعها المؤسسات التي تسوّق الوهم وتعيد إنتاج القيمة زيفًا لا صدقًا. أما الزوجة، خالدية، فهي الضمير الواقعي، الوحيدة التي ما زالت ترى الحقيقة العارية وتطرح السؤال الإنساني العميق: "هل تكتب لأنك حزين؟".
القصة محكمة البناء، تعتمد على تصاعد درامي يبدأ من لحظة تافهة (كتابة جملة على كيس خمر) لينتهي بقفلة عميقة تسخر من الكل: الكاتب، المؤسسة، القارئ، المتلقي، والوسط الثقافي برمّته. وتتميز اللغة بالاقتصاد والحدة وتوظيف المفارقة والسخرية السوداء، مما يجعل النص ينتمي بجدارة إلى أدب ما بعد السخرية.
قصة "دمية راقصة" ليست مجرد حكاية طريفة عن شخص ساذج صار كاتبًا، بل هي اتهام كامل لمشهد ثقافي مزيّف، تحكمه المصالح، وتغذّيه الشعبوية، وتضخمه الأوهام. الكاتب عبد الكريم حمزة عباس يُعلن هنا – عبر شخصية زغير – موت القيمة الحقيقية للأدب، وصعود الأدب المُفبرك، لا بوصفه إبداعًا، بل دمية راقصة على حبال التصفيق.
القصة، حقيقة، فيها مغزى كبير، نقد لاذع، وفضح لكثير من الاسماء الفارغة، التي ملئت بضجيجها الآفاق. زغير موجود هنا بين صفوفنا، لن نستطيع الخلاص منه.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأثير التكنولوجيا على قولبة أفكار المثقف(32)
- المثقف والقيود الذاتية: هل المثقف يصنع قيوده؟(31)
- جسر على نهر الاسئلة: الشاعر طه الزرباطي
- المثقف المقولب في عصر العولمة: تحديات وآفاق(30)
- المثقف والحدود الفكرية: كيف تُرسم(29)
- القولبة الفكرية: خطر على الحوار الثقافي(28)
- المثقف كصانع قوالب أو كضحية لها؟(26)
- أوجاع غير قابلة للغفراف
- الضغوط المؤسسة على حرية المثقف(26)
- هل سيتعافى العراق بعدما حلّ به من دمار؟
- المثقف المقولب: نمطية الفكر أم تنوعه؟(25)
- تشكيل الأفكار: هل هو فعل واع أم ملقن؟(24)
- المثقف بين الانصياع والتمرد الفكري(23)
- تأثير البيئة على قولبة أفكار المثقف(22)
- المثقف والمسلّمات: حدود التفكير الحُر(21)
- المثقف المقولب: نهاية الابتكار أم بدايته؟(20)
- صناعة الاتجاهات: كيف توجه أفكار المثقفين(19)
- المثقف في مواجهة القالب الاجتماعي(18
- التفكير النمطي: خطر على أصالة المثقف(17)
- ذاكرة بلا قيود… مَن قتل الإيرانيين؟


المزيد.....




- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - نبيّ الخمرة ونقّاد الوهم: تفكيك قصة (دمية راقصة) للكاتب عبد الكريم حمزة عباس