أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - بين الكبرياء والتحدي














المزيد.....

بين الكبرياء والتحدي


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8423 - 2025 / 8 / 3 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


في حي متواضع بأطراف مدينة عربية، وُلد "عماد" لعائلة فقيرة. كان أبوه نجارًا بسيطًا، وأمه تعمل خياطة لإعالة الأسرة. لم يكن لعماد فرصة لإكمال تعليمه، إذ اضطر إلى ترك المدرسة مبكرًا والعمل في ورش البناء لمساندة أسرته. ومع كل عام يمضي، كان حلمه في التعلم يبتعد أكثر فأكثر، ليترك بداخله فراغًا كبيرًا تحول تدريجيًا إلى شعور بالحرمان والحقد تجاه كل من استطاع تحقيق ما لم يستطع.

كان يرى الأكاديميين وكأنهم يعيشون في عالم آخر، بعيدين عن معاناة الكدح والتعب الذي عايشه. كلما مر بجانب جامعة أو استمع إلى حديث عن الإنجازات العلمية، ازداد احتقانه وشعوره بالعجز.

في بداية العشرينيات من عمره، قرر عماد أن يغير مصيره. جمع مدخراته وسافر إلى بلاد الغرب. كان يظن أن الحياة هناك ستكون بداية جديدة له، خالية من المقارنات والمرارات القديمة. تنقل بين مهن شاقة؛ عامل نظافة، موزع صحف، عامل في مواقع البناء، لكنه لم يشعر يومًا بالرضا. كان ينظر إلى من حوله، يشعر أنهم يمتلكون مفاتيح النجاح، بينما يبقى هو عالقًا في مكانه.

بعد سنوات من التنقل بين الوظائف، وجد عماد نفسه يعمل في مطعم صغير يقدم أطباقًا عربية. كانت المهنة مرهقة لكنها مستقرة نسبيًا، وأعطته فرصة لتكوين شبكة معارف بسيطة. في هذا المكان، بدأ عماد يدرك أن الحياة ليست فقط ما تخسره، بل ما تستطيع بناءه رغم الخسائر.

في المطعم، التقى بزبونة دائمة تدعى "ليلى". كانت ليلى امرأة قوية، تنتمي لعائلة مكافحة عانت كثيرًا منذ طفولتها. نشأت هي وأشقاؤها في بيئة فقيرة لكنهم لم يستسلموا للظروف. حصلت ليلى على شهادة في علم النفس، وأشقاؤها توزعوا بين الهندسة والطب والقانون. كانت الأسرة مثالًا للكفاح والعزة.

كانت ليلى شخصية استثنائية في نظر عماد. رغم تفوقها الأكاديمي، كانت متواضعة، ولم تُظهر أبدًا شعورًا بالاستعلاء. مع الوقت، تطورت العلاقة بينهما، وقرر عماد أن يطلب يدها. كان مترددًا، إذ كان يشعر أن الفجوة بين مستواهما التعليمي قد تشكل عائقًا، لكن ليلى رأت فيه صفات لا تُقاس بالشهادات.

"الشهادة ليست معيارًا للإنسانية أو النجاح في الحياة، عماد. المهم أن تكون صادقًا ومثابرًا."

بكلماتها تلك، أذابت جزءًا من حقده القديم، وفتحت له بابًا جديدًا للنظر إلى الحياة.

دخل عماد حياة عائلة ليلى، لكنه وجد نفسه وسط أفراد مليئين بالكبرياء والشموخ. كانوا ينظرون إليه باحترام ممزوج بالتساؤل: كيف لرجل لم يُتح له التعليم أن يقف بثقة إلى جانب ليلى؟ شعر عماد بأنه بحاجة لإثبات نفسه، ليس لهم فقط، بل لنفسه أيضًا. أراد أن يلوي عنق ذلك المثل الألماني القائل: "من لم يصبح شيئًا، يعمل في مطعم".

بدأ يقرأ، لأول مرة في حياته. كانت ليلى تساعده بصبر، تزوده بالكتب وتناقشه في الأفكار. تدريجيًا، بدأ عماد يكتشف متعة المعرفة، ووجد نفسه أكثر انفتاحًا على العالم. لم يعد حقده على الأكاديميين يسيطر عليه؛ بل أصبح يرى فيهم مصدر إلهام.

بعد سنوات، تمكن عماد من افتتاح مطعمه الخاص، الذي أصبح مشهورًا ليس فقط بجودة أطباقه، بل بجوّه العائلي الدافئ. كان زبائنه من مختلف الطبقات، بينهم أكاديميون وعمال، أطباء وطلاب. في كل مرة يرى شخصًا ناجحًا، كان يبتسم، يتذكر رحلته الشاقة، ويدرك أن النجاح ليس امتيازًا أكاديميًا فقط، بل هو قدرة على التكيف، التعلم، والإصرار.

مع ولادة طفلته الأولى، وقف عماد في زاوية الغرفة، ينظر إليها بحب. قال لليلى:
"سأمنحها ما لم أستطع الحصول عليه. لن يكون لديها أي حقد أو حرمان. ستكون قصتها مختلفة."

ابتسمت ليلى وهي تربت على كتفه:
"وأنت، يا عماد، أثبت أنك أكبر من كل الظروف."

كانت تلك لحظة إدراك عميق أن الإنسان لا يُقاس بشهاداته، بل بقلبه وعزيمته.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حنين الروح
- بين لغتين
- حين خانني الصمت
- شريط ذكريات مفقود
- الإبداع والكفاح
- التوازن
- الرجل الذي أخضع الكبرياء
- حديقة التفاهم
- الرواية الأولى
- الطفل الذي لم تحتضنه قريته
- دائرة الزمن
- الفنان والواقع
- خمارة على ضفاف الراين
- التأقلم المهني
- السورية الألمانية مادلين هاردت
- في غرفة الرنين
- المجداف
- جامع جامعة دمشق
- ورشة شعر أدونيسية
- رحلة مع بيغاسوس


المزيد.....




- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025
- بعد 9 قرون تحت مظلة الأزهر.. قانون جديد ينقل -الكتبخانة- لرئ ...
- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - بين الكبرياء والتحدي