حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8397 - 2025 / 7 / 8 - 17:52
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة، هَلْ تَتَحَوَّل الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة فِي الْبَحْثِ وَالتَّطْبِيق الْعِلْمِيِّ إلَى مُجَرَّدِ قُيُود
وَاحِدَةٌ مِنْ أَخْطَرِ التَّحَدِّيَات الَّتِي تُوَاجِهُ الْعِلْم وَالْأَخْلَاق فِي عَالَمِ تُهَيْمِن عَلَيْه الرَّأْسِمَالِيَّة، خَاصَّةً فِي شَكْلِهَا الْمُتَوَحِّش. نَعَمْ، لِلْأَسَف، فِي ظِلِّ الْهَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة، هُنَاكَ مَيْلٌ قَوِيّ لِتَحْوِيل الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة فِي الْبَحْثِ وَالتَّطْبِيق الْعِلْمِيِّ إلَى مُجَرَّدِ قُيُود تُعِيق تَحْقِيقِ أَقْصَى رِبْح وَكَفَاءَة. عِنْدَمَا تُصْبِح الرِّبْحِيَّة هِي الدَّافِع الْأَكْبَر، تُصْبِح الْأَخْلَاق أَحْيَانًا عَائِقًا أمَام الِابْتِكَار السَّرِيع وَتَحْقِيق الْعَوَائِد الْمَالِيَّة الضَّخْمَة. يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ هَذَا الْمَنْطِقَ إلَى تَبْرِير مُمَارَسَات تُثِيرُ قَلِقًا أَخْلَاقِيًّا عَمِيقًا.
بِالنِّسْبَةِ لِلتَّجَارِب السَّرِيرِية فِي الدُّوَلِ الْفَقِيرَة. تُعَدُّ هَذِهِ الْمُمَارَسَة مِثَالًا صَارِخًا. فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، تُجْرَّى التَّجَارِب السَّرِيرِية لِلْأَدْوِيَة الْجَدِيدَةِ فِي الدُّوَلِ النَّامِيَة حَيْثُ قَدْ تَكُونُ اللَّوَائح التَّنْظِيمِيَّة أَضْعَفُ، وَحَيْثُ يَكُونُ السُّكَّان أَكْثَر عُرْضَّة لِلْمَخَاطِر بِسَبَبِ ضُعْفِ نِظَام الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ أَوْ قِلَّةِ الْوَعْي بِالْحُقُوق. هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ إسْتِغْلَال لِلْفِئَّاتَ الضَّعِيفَةِ لِتَسَريع عَمَلِيَّةُ تَطْوِير الدَّوَاء وَتَقْلِيل التَّكَلُّفِة، بِهَدَفِ تَحْقِيق الْأَرْبَاحَ فِي الْأَسْوَاقِ الْغُنْيَة.
تَطْوِيرِ تِقْنِيَاتٍ تَضُرّ بِالْخُصُوصِيَّة: شَرِكَات التِّكْنُولُوجْيَا الْكُبْرَى، مَدْفُوعَة بِالرَّغْبَةِ فِي جَمْعِ الْمَزِيدَ مِنْ الْبَيَانَاتِ لِتَحْقِيق أرْبَاح أَعْلَى مِنْ الْإِعْلَانَات الْمُوَجَّهَة أَوْ تَحْلِيلٍ السُّلُوك، تُطَوِّرُ تِقْنِيَات تُمَكِّنَ مِنْ الْمُرَاقَبَةِ الشَّامِلَة أَوْ تُضْعِفُ حِمَايَة الْخُصُوصِيَّة. يُبَرِّر هَذَا غَالِبًا بـِالتَّقَدُّم التِّكْنُولُوجْيّ أَوْ تَحْسِينِ تَجْرِبَة المُسْتَخْدِم، لَكِنَّه يُثِير أَسْئِلَة أَخْلَاقِيَّة خَطِيرَة حَوْل حُقُوقَ الْأَفْرَادِ وَ كَرَامَتِهِمْ.
. هَلْ مِنْ الْأَخْلَاقِيّ تَسْرِيع تَطْوِير دَوَاءً عَلَى حِسَابِ السَّلَامَة؟
تَسْرِيع وَتِيرَة تَطْوِير دَوَاء جَدِيد يَدْر مِلْيَارَات الدُّولَارَات حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ يَعْنِي التَّنَازُلِ عَنْ بَعْضِ إجْرَاءَات السَّلَامَةِ أَوْ إخْفَاءُ مَعْلُومَات عَنْ أثَارِهِ الْجَانِبِيَّة الْمُحْتَمَلَة، هِيَ بِمَثَابَةِ فِعْلٍ لَا أَخْلَاقِيّ لَا يَنْبَغِي أَبَدًا حَتَّى التَّفْكِيرِ فِي الْقِيَامِ بِه.
لِمَاذَا هُوَ غَيْرُ أَخْلَاقِيّ؟
1. الْمِسَاس بِسَلَامَة وَحَيَاة الْبَشَر: الْهَدَف الأَسَاسِيّ لِأَيّ دَوَاء هُوَ الشِّفَاءُ وَتَحْسِين الْحَيَاة. التَّنَازُلِ عَنْ إجْرَاءَات السَّلَامَة يُعَرِضُ حَيَاة وَصِحَّة الْمَرْضَى لِلْخَطَر الْمُبَاشِر، وَهَذَا يَتَنَاقَضُ جِذْرِيًّا مَعَ الْمَبْدَأ الْأَخْلَاقِيّ الأَسَاسِيّ عَدَم الْإِضْرَار (Primum non nocere).
2. خِيَانَة الثِّقَة: تُبْنَى الْعَلَاقَةِ بَيْنَ صِنَاعَة الْأَدْوِيَة وَالْمَرْضَى عَلَى الثِّقَةِ. إخْفَاء مَعْلُومَات عَنْ الْأثَارِ الْجَانِبِيَّةِ الْمُحْتَمَلَة يُعَدُّ خِيَانَةً لِهَذِه الثِّقَة، وَيَحْرُم الْمَرْضَى مِنْ حَقِّهِمْ فِي الْحُصُولِ عَلَى مَعْلُومَاتِ كَامِلَة وَمُسْتَنِيرة لِإتِّخَاذِ قَرَارَات بِشَأْنِ صِحَّتِهِمْ.
3. الْمَسْؤُولِيَّة الِإجْتِمَاعِيَّة: الشَّرِكَات الَّتِي تُطَوِّرُ الْأَدْوِيَة لَدَيْهَا مَسْؤُولِيَّة أَخْلَاقِيَّة تُجَاه الْمُجْتَمَع أَوْسَعُ مِنْ مُجَرَّدِ تَحْقِيق الرِّبْحِ. هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ تَتَضَمَّن ضَمَان سَلَامَة مُنْتَجَاتِهَا، الشَّفَّافِيَّة، وَالْمُسَاهَمَةِ فِي الصِّحَّةِ الْعَامَّة.
4. تَأْثِير الدُّومِيِّنُو: إذَا تَمَّ التَّسَاهُلَ مَعَ هَذِهِ الْمُمَارَسَات، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُشِجع شَرِكَاتٌ أُخْرَى عَلَى إتِّبَاعِ نَفْس النَّهْج، مِمَّا يُقَوِّضُ مَعَايِير السَّلَامَةِ فِي الصِّنَاعَةِ بِأَكْمَلِهَا وَيُعَرِض صِحَّة الْمَلَايِين لِلْخَطَر.
الرَّأْسِمَالِيَّة، فِي جَوْهَرِهَا، لَيْسَتْ شَرًّا بِحَدِّ ذَاتِهَا، وَقَدْ تُحَفِزُ الِإبْتِكَار. وَلَكِنْ عِنْدَمَا تُصْبِح الرِّبْحِيَّة هِيَ الْقِيمَةُ الْعُلْيَا الْوَحِيدَة، فَإِنَّهَا تُشْكِل ضَغْطَا هَائِلًا عَلَى الْعِلْمِ لِيَتَنَازِل عَنْ مَبَادِئِهِ الْأَخْلَاقِيَّة الْأَسَاسِيَّة. إنْ حِمَايَة الْأَخْلَاقِ فِي الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ تَتَطَلَّب آلِيَات رِقَّابِيَّة قَوِيَّةً، تَشْرِيعَات صَارِمَةً، وَ مُجْتَمَعًا مَدَنِيًّا يَقِظًا، بِالْإِضَافَةِ إلَى إلْتِزَامِ أَخْلَاقِيّ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْفُسِهِمْ، لِضَمَانٍ أنْ يَكُونَ التَّقَدُّمُ الْعِلْمِيِّ فِي خِدْمَةِ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاء، وَلَيْس فَقَطْ خِدْمَة الْأَرْبَاح.
_ تَحْدِي تَحْدِيد الصَّالِح الْعَامِّ فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة
السُّؤَالُ عَنْ مَنْ يُحَدِّد الصَّالِح الْعَامِّ فِي الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة يُلَامِس قَلْب إحْدَى أَبْرَز الْإِشْكَالِيَّات الْأَخْلَاقِيَّة الْمُعَاصِرَةُ. فِي النَّمُوذَجِ النَّيوليبْرَالِيّ، حَيْثُ تُقَلِّصُ الدَّوْلَة دَوْرُهَا وَتَزْدَاد سَيْطَرَة الْقِطَاعِ الْخَاصِّ عَلَى تَمْوِيل الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ، يُصْبِح تَحْدِيد الصَّالِح الْعَامّ مُعَقَّدًا وَمُعَرَّضًا لِلتَّشْوِيه. إنْ مَصَالِح الشَّرِكَات الْخَاصَّةَ هِيَ مِنْ تُحَدِّد غَالِبًا أَجْنَدة الْعِلْمُ، بَدَلًا مِنْ الإِحْتِيَاجَات الْمُجْتَمَعِيَّة الْأَوْسَع أَوْ الْقِيِّمُ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الشَّامِلَة.
1. الرِّبْحُ هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسِيُّ: عِنْدَمَا يُصْبِح الْقِطَاعِ الْخَاصِّ هُوَ الْمُمَوَّل الرَّئِيسِيّ، فَإِنَّ الدَّافِعَ الْأَكْبَر لِلْبَحْث وَالتَّطْوِير هُوَ تَحْقِيقُ الْأَرْبَاح. هَذَا لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَمْرًا سَيِّئًا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، لَكِنَّهُ يُصْبِح مُشْكِلَة عِنْدَمَا تُقَدَّم الْأَرْبَاح عَلَى الإِحْتِيَاجَات الْإِنْسَانِيَّةِ أَوِ البِيئِيَّة الْأَكْثَرَ إِلْحَاحًا. الشَّرِكَات تَسْتَثمر فِي الْأَبْحَاثِ الَّتِي تَمَكُّنِهَا مِنْ تَطْوِيرٍ مُنْتَجَات أَوْ خدْمَاتٍ قَابِلَة لِلتَّسْوِيق عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ، أَوْ الَّتِي تَخْفِض تَكَالِيف الْإِنْتَاج، أَوْ تَعَزُّزٍ مَيَّزَتْهَا التَّنَافُسِيَّة.
2. إهْمَالُ الْمُشْكِلَات غَيْر الْمُرْبِحَة: الْعَدِيدِ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الْعَالَمِيَّة الْكُبْرَى، مِثْلَ أمْرَاضِ الْفَقْر، الْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة الْمَنْسِيَّةِ، الَّتِي تَفُتْك بِالْمَلَايِين فِي الدُّوَلِ النَّامِيَةِ، لَا تُقَدَّمُ حَافِزا رِبْحٌيا مُبَاشِرًا لِلشَّرِكَات الدَّوَائِيَّة الْكُبْرَى. سَوْقِ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ صَغِير، وَالْقُوَّة الشِّرَائِيَّة لِلْمُتَضَرِّرين مُنْخَفِضَة، مِمَّا يَجْعَلُ الِإسْتِثْمَار فِي أَبْحَاثِهَا أَقَلّ جَاذِبِيَّة مِنْ مَنْظُورٍ رَأْسِمَالِي بَحْت. فِي الْمُقَابِلِ، نَجِد إسْتِثْمَارَات ضَخْمَة فِي أَبْحَاثِ أَدْوِيَة السِّمْنَة أَوْ التَّجْمِيل فِي الدُّوَلِ الْغُنْيَة، لِأَنَّ هُنَاكَ سُوقًا كَبِيرًا وَ أفْرَادًا مُسْتَعِدِّينَ لِدَفْعِ مَبَالِغ طَائِلَة مُقَابِلَ هَذِهِ الْمُنْتَجَات. هَذَا يُظْهِرُ بِوُضُوحٍ كَيْفَ أَنَّ الصَّالِحَ الْعَامّ يُعَاد تَعْرِيفِه لِيُصْبِح مَا يُلَبِّي إحْتِيَاجَات وَقُوَّة شِرَائِيَّة الْأَقْوِيَاءِ إقْتِصَادِيًّا.
3. التَّغَيُّرُ الْمُنَاخِيّ كـَسُوق خَضْرَاء: حَتَّى التَّحَدِّيَات البِيئِيَّة الْكُبْرَى مِثْل التَّغَيُّرِ الْمُنَاخِيِّ قَدْ لَا تُحْظَى بِالْبَحْث الْكَافِي إلَّا إذَا تَحَوَّلَتْ إلَى سُوقِ خَضْرَاء مُرْبِحَة. بِمَعْنَى أَنَّ الْأَبْحَاث وَ الِإبْتِكَارُات الَّتِي تُنْتَجُ حُلُولًا بِيئِيَّة تُصْبِح مُرَكَزَّة عَلَى مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَتَحْقِيق رِبْح مِنْهُ مِثْلَ تِقْنِيَات إحْتِجَاز الْكَرْبُون بَاهِظَة الثَّمَنِ، وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ عَلَى الْحُلُولِ الشَّامِلَة الَّتِي قَدْ تَتَطَلَّب تَغْيِيرَات هَيْكَلِيَّة إقْتِصَادِيَّة أَوْ تَقْلِيلًا لِلِإسْتِهْلَاك.
4. تهْمَيش الْأَبْحَاث الِإجْتِمَاعِيَّة وَالْأَخْلَاقِيَّة: أَبْحَاث الْمُسَاوَاة وَالْعَدَالَة الِإجْتِمَاعِيَّةِ، أَوِ تِلْكَ الَّتِي تُرَكِّزُ عَلَى تَعْزِيز الرَّوَابِط الْمُجْتَمَعِيَّة وَجَوْدَّة الْحَيَاةِ غَيْرُ الْمَادِّيَّةَ، لَا تُدِرُّ أَرْبَاحًا مُبَاشَرَة. لِذَا، يُصْبِح تَمْوِيلِهِا مَحْدُودًا جِدًّا فِي ظِلِّ الْهَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة، وَ تُعْطَى الْأَوْلَوِيَّة لِأبْحاث تُمَكِّنُ مِنْ زِيَادَةِ الْإِنْتَاجِيَّة أَوْ الِإسْتِهْلَاك.
. لِمَاذَا لَا يُخَصَّصُ الْقَدْر نَفْسِهِ مِنْ الْمَوَارِد؟ السَّبَب بِبَسَاطَة هُو غِيَاب الْحَافِز الِإقْتِصَادِيّ وَ الرِّبْحُي. فِي النِّظَامِ الرَّأْسِمَالِيِّ، تَوَجَّه الْمَوَارِد بِمَا فِيهَا مَوَارِد الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ إلَى حَيْثُ يُتَوَقَّعُ أَنْ تُولَدَ أَكْبَر عَائِد مَالِي. الْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة الْمَنْسِيَّةِ لَا تَتَنَاسَبُ مَعَ هَذَا الْمَنْطِقَ الرِّبْحِيّ، بَيْنَمَا سُوق أَدْوِيَة السِّمْنَة وَالتَّجْمِيل يُقَدَّم فُرَصًا إسْتِثْمَارية هَائِلَة.
نَعَمْ، فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الرَّأْسِمَالِيَّة، تُصْبِح أَجْنَدة الْعِلْمُ مُحَدَّدَة بِشَكْلٍ كَبِيرٍ بـِمَصَالِح الشَّرِكَات وَالدَّافِع الرِّبْحِيّ، بَدَلًا مِنْ الإِحْتِيَاجَات الْمُجْتَمَعِيَّة الْأَوْسَع وَالْقَيِّم الْأَخْلَاقِيَّة الشَّامِلَة. هَذَا يُؤَدِّي إلَى إهْمَالِ مُمَّنْهَجٍ لِلْمُشْكِلَات الَّتِي لَا تُقَدَّمُ حَافِزا رِبْحٌيا مُبَاشِرًا، وَيَعْكِس خَلَلًا عَمِيقًا فِي تَحْدِيدِ الصَّالِح الْعَامِّ حَيْثُ تُصْبِحُ الثَّرْوَة وَالْقُوَّة الشِّرَائِيَّة هِيَ الْمِعْيَارُ الأَسَاسِيّ لِتَوْجِيه التَّقَدُّم الْعِلْمِيّ.
_ هَلْ تُصْبِح أَجْنَدة الْعِلْمُ مُحَدَّدَة بِمَصَالِح الشَّرِكَاتِ بَدَلًا مِنْ الإِحْتِيَاجَات الْمُجْتَمَعِيَّة الْأَوْسَع أَوْ الْقَيِّمُ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الشَّامِلَة؟
يُعْتَبَرُ تَمْوِيل الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ مِنْ قِبَلِ الْقِطَاعِ الْخَاصِّ وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمُ هِيَ فِي صَمِيمِ النَّقَّاشُات الْمُعَاصَرَةُ حَوْل دُور الْعِلْمِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَدُور النَّيوليبْرَالِيَّة فِي تَشْكِيلِ هَذَا الدَّوْر.
1. تَحْدِيد أَجِنْدَة الْعِلْمُ بِمَصَالِح الشَّرِكَات: "الْبَحْث الْمُوَجِّه بِالرِّبْح". عِنْدَمَا يَكُونُ التَّمْوِيل الرَّئِيسِيّ لِلْبَحْث الْعِلْمِيّ يَأْتِي مِنْ الْقِطَّاعِ الْخَاصّ، يُصْبِح الْهَدَف الأَسَاسِيّ هُوَ تَحْقِيقُ الرِّبْحِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ الشَّرِكَاتِ سَتُّمَوِلُ الْأَبْحَاثِ الَّتِي تَعِدُّ بِعَوَائِد مَالِيَّة سَرِيعَةً أَوْ كَبِيرَةً، أَوْ الَّتِي تُدَعِّمُ مُنْتَجَاتِهَا الْحَالِيَّة وَالْمُسْتَقْبَلِيَّة. يَشْمَلُ هَذَا الْأَمْرِ إهْمَال الْمَجَالَات غَيْر الْمُرْبِحَة، هَذَا الْمَنْطِقَ يُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى إهْمَال مَجَالَات بَحْثِيَّة حَيَّوِيَّة لَا تَوَفُّرَ حَافِزا رِبْحٌيا مُبَاشِرًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ ذَاتَ أَهَمِّيَّةً قُصْوى لِلْمُجْتَمَع كَكُلّ. وَهَذَا مَا أَشَرْت إلَيْهِ بِوُضُوح فِي مِثَالٌ أَمْرَاض الْفَقْرِ أَوْ الْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة الْمَنْسِيَّةِ.
2. الْفَشَلُ فِي تَلْبِيَةِ الإِحْتِيَاجَات الْمُجْتَمَعِيَّة الْأَوْسَع وَالْقَيِّم الْأَخْلَاقِيَّة: تَعَدّ أَمْرَاض الْفَقْر وَالتَّغَيُّر الْمُنَاخِيّ بِمَثَابَة مُشْكِلَات عَالَمِيَّة كُبْرَى، وَاَلَّتِي تَتَطَلَّب حُلُولًا جَمَاعِيَّة وَمُسْتَدَامَة، قَدْ لَا تَحْظَى بِالِإهْتِمَام الْكَافِي مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْقِطَاعِ الْخَاصِّ مِنْ تَسْوِيق حُلُولِهَا مِثْلِ سُوقِ الطَّاقَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ الَّذِي بَدَأَ يَجْذِب الِإسْتِثْمَار. لَكِنْ حَتَّى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، قَدْ تَكُونُ الْأَوْلَوِيات مُحَدَّدَة بِالرِّبْح وَلَيْس بِالْعَدَالَة البِيئِيَّة أَوْ الِإجْتِمَاعِيَّة. فِي نَفْسِ الْوَقْتِ نَرَى أَنْ أَبْحَاث الْمُسَاوَاة وَالْعَدَالَة الِإجْتِمَاعِيَّة، هذِهِ الْمَجَالاَتِ، بِطَبِيعَتِهَا، لَا تُقَدَّمُ حَافِزا رِبْحٌيا مُبَاشِرًا لِلشَّرِكَات، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ تَمْوِيلِهِا يَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ عَلَى الْقِطَّاعِ الْعَامِ أَوْ الْمُنَظَّمَات غَيْرِ الرِّبْحِيَّةِ. فِي ظِلِّ سَيْطَرَة التَّمْوِيل الْخَاصِّ، قَدْ تُهَمَش هَذِهِ الْأَبْحَاثِ بِشَكْل كَبِير.
"السِّمْنَة وَالتَّجْمِيل" مُقَابِل "الْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة: هَذَا التَّسَاؤُل يُضْرَبُ عَلَى وِتْرٍ حَسَّاس فِي الْأَخْلَاقَيَّات الْعِلْمِيَّةِ. الْفَرْقُ الْهَائِلُ فِي التَّمْوِيل بَيْن أَبْحَاث تُعَالِج مَشَاكِل صِحِّيَّة تُؤَثِّرُ عَلَى الْأَثَرَيْاء مِثْلُ أَدْوِيَة السِّمْنَة وَالتَّجْمِيل وَتِلْكَ الَّتِي تَفُتْك بِالْمَلَايِين مِنْ الْفُقَرَاءِ كَالْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة الْمَنْسِيَّةِ يُعَدّ مِثَالًا صَارِخًا عَلَى كَيْفِيَّةِ تَشْكِيل مَنْطِق السُّوق لِأَجِنْدَة الْبَحْثُ الْعِلْمِيّ. الشَّرِكَات تَرَى عَائِدًا أَكْبَرُ فِي تَطْوِيرِ أَدْوِيَة لِأَسْوَاق ذَاتُ قُوَّةٍ شِرَائِيَّة عَالِيَة.
دُورٌ النَّيوليبْرَالِيَّة فِي هَذَا السِّيَاق: تُسَاهِم النَّيوليبْرَالِيَّة، بِفُلَسَفَتَهَا الَّتِي تَقَلَّص دُور الدَّوْلَة وَتُعْلِي مِنْ شَأْنِ السُّوقِ، فِي تَفَاقُم هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ. تُشَجِّع النَّيوليبْرَالِيَّة عَلَى خَصْخَصَة الْمُؤَسَّسَات الْبَحْثَيْة وَتَقْلِيلُ التَّمْوِيل الْحُكُومِيّ لِلْجَامِعِات وَ الْمَرَاكِز الْبَحْثَيْة، مِمَّا يَدْفَعُهَا لِلِإعْتِمَاد بِشَكْلٍ أكْبَرَ عَلَى تَمْوِيل الشَّرِكَات. إلَى جَانِبِ تَغْيِير أَوْلَوِيَّات الدَّوْلَةِ فِي ظِلِّ الْفِكْر النَّيوليبْرَالِيّ، قَدْ تُصْبِحُ أَوْلَوِيَّات الدَّوْلَةِ مُوَجَّهَةً نَحْوَ تَسْهِيل عَمَلُ السَّوْقِ وَتَحْقِيق النُّمُوِّ الِإقْتِصَادِيِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ الدَّوْر الِإجْتِمَاعِيّ لِلدَّوْلَة فِي مَجَالَاتِ مِثْل الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الْمُوَجِّه لِلْمَصْلَحَة الْعَامَّةِ. بِالْإِضَافَةِ إلَى تَحْوِيلِ الْمَعْرِفَةِ إلَى سِلْعَةٍ. يُنْظَرُ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالِإكْتِشَافَات الْعِلْمِيَّة كَـسِلْعَةٌ يُمْكِنُ تَسْوِيقِهِا وَبَيْعُهَا، بَدَلًا مِنْ كَوْنِهَا صَالِحًا عَامًّا يَجِبُ أَنْ تَخْدُمَ الْإِنْسَانِيَّة جَمْعَاء.
لِمَاذَا لَا يُخَصَّصُ الْقَدْر نَفْسِهِ مِنْ الْمَوَارِد؟ السَّبَب الْجَوْهَرِيُّ هُوَ مَنْطِق السُّوقِ وَالرِّبْحُ. الشَّرِكَات تَسْتَثمر حَيْثُ تُتَوَقَّع أَعْلَى عَائِدٌ عَلَى الِإسْتِثْمَار. سُكَّان الدُّوَل الْغَنِيَّة لَدَيْهِمْ قُوَّة شِرَائِيَّة أَعْلَى، وَبِالتَّالِي يُمْكِنُهُمْ تَحَمُّل تَكَالِيف الْأَدْوِيَة و العِلَاجَات الْبَاهِظَّة لِأَمْرَاضِ مِثْل السِّمْنَة وَالتَّجْمِيل، مِمَّا يَجْعَلُهَا سُوقًا مُرْبِحَة لِلشَّرِكَات الصَّيْدَلاَنِيَّة وَمُسْتحضرات التَّجْمِيل. أَمَّا الْأَمْرَاض الْمَدَارِيَّة الْمَنْسِيَّةِ غَالِبًا مَا تُصِيبُ الْمُجْتَمَعَات الْفَقِيرَةُ الَّتِي تَفْتَقِرُ إلَى الْقُوَّةِ الشِّرَائِيَّة لِدَفْع تَكَالِيف الْأَدْوِيَة وَ اللَّقَاحَات الْجَدِيدَةُ. وَبِالتَّالِي، لَا تَرَى شَرِكَات الْأَدْوِيَة حَافِزا إقْتِصَادِيًّا كَبِيرًا لِلِإسْتِثْمَار بِكَثَافَة فِي الْبَحْثِ وَالتَّطْوِير لِهَذِه الْأَمْرَاضِ. فِي غِيَابِ تَمْوِيل حُكُومِيّ قَوِيّ وَ مُسْتَدَام لِهَذِه الْمَجَالَات غَيْر الْمُرْبِحَة، يُصْبِح الْفَجْوَة فِي الْبَحْثِ هَائِلَة.
الْحُلُولُ الْمُقْتَرَحَةُ لِمُوَاجَهَة هَذِه الْإِشْكَالِيَّة؟ تَعْزِيز دُور التَّمْوِيل الْعَامِّ: يَجِبُ أَنْ تَضْطَلِع الْحُكُومَات وَالمُؤَسَّسَات الْعَامَّة بِدُور أَكْبَرُ فِي تَمْوِيلِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الْمُوَجِّه لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَ خَاصَّةً فِي الْمَجَالَاتِ الَّتِي لَا تُقَدَّمُ حَافِزا رِبْحٌيا لِلْقُطَّاع الْخَاصّ.
الشِّرَاكِات بَيْنَ الْقِطَّاعَيْن الْعَامِّ وَالْخَاصِّ: يُمْكِن تَشْجِيع نَمَاذِج شَرَاكَة تُحَدِّد فِيهَا الْأَوْلَوِيات بِنَاءً عَلَى الإِحْتِيَاجَات الْمُجْتَمَعِيَّة، مَعَ تَوْفِيرِ حَوَافِز لِلْقِطَّاعِ الْخَاصّ لِلْمُشَارَكَة.
الِإسْتِثْمَار فِي الْبَحْثِ الأَسَاسِيّ: الْبَحْث الأَسَاسِيّ، الَّذِي قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ تَطْبِيقَات فَوْرِيَّةً أَوْ مُرْبِحَة، هُوَ أَسَاسُ الِإبْتِكَار الْمُسْتَقْبِلِي، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُمَوَّلًا بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ مِنْ الْقِطَّاعِ الْعَامّ.
التَّمْوِيل مِنَ الْمُنَظَّمَاتِ الْخَيْرِيَّة وَالمُؤَسَّسَات الدَّوْلِيَّة: تَلْعَب الْمُنَظَّمَات غَيْرِ الرِّبْحِيَّةِ وَ المُؤَسَّسَات الدَّوْلِيَّة دُورًا حَيَوِيًّا فِي سَدِّ الْفَجْوَة التَّمْوِيلِيَّة لِلْأَبْحَاث الْمُتَعَلِّقَة بِأَمْرَاض الْفَقْر وَ الْمُشْكَلَات الْعَالَمِيَّة.
وَضَعَ سِيَاسَات تَحْفَيزِيَّة: يُمْكِنُ لِلْحُكُومَات تَقْدِيمُ إعْفَاءَات ضَرِيبِيَّة أَوْ مِنَحَ لِلشَّرِكَات الَّتِي تَسْتَثمر فِي أَبْحَاثِ تَخْدُم الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَلَا تَدْرِ رِبْحًا كَبِيرًا.
إنَّهَا مُعْضِلَة حَقِيقِيَّة تَتَطَلَّب إعَادَة التَّفْكِيرِ فِي أَوْلَوِيًّاتنا كَبَشَرٍ وَكَيْف نَضْمَن أَنْ يَخْدُمَ الْعِلْم الْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ، وَلَيْس فَقَطْ مَصَالِح فِئَةٍ مُعَيَّنَةً.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟