أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دوَّامةُ النَّهرِ الكبير 9















المزيد.....



دوَّامةُ النَّهرِ الكبير 9


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 7469 - 2022 / 12 / 21 - 14:49
المحور: الادب والفن
    


أشدِّدُ التحديقَ إلى هدير الدوَّامة. حواسي تتبادل وظائفَها: سمعي بصري، بصري سمعي. وها بصري، وقد تغشَّاه الاعتكار، يذوبُ في الهدير المصطخبِ مع اقتراب طلوع الشمس، مثلما يذوب الحبر في ماءٍ فوَّار شديدِ التموّج والاضطراب قد حواه إناءٌ من زجاج. وها هو الذوب في ومضةٍ من ومضات ذهني الشرود الملتهب ينقلب أخيلةً، صوراً، وأفكاراً.
آرامُ في بطن الدوامة.
الدوامة حوت.
آرام في بطن حوت.
وفجأة ينعطف ذهني إلى حوت آخر، إلى حوت من عصر غابر سحيق كان التقم نبيَّاً صغيراً مرسلاً إلى أهل نينوى العظيمة بحركة كسلى متثائبة من فكه الواسع. يقارن ذهني بين الحوتين: بين حوت آرام، وحوت النبي يونان. فأطأطئ مذعناً راضخاً لذهني. أسكت، لا أسأل ذهني عما دعاه إلى أن يقارن بينهما.
ماذا يفيدني أن أسأل ذهني عما دعاه إلى أن يقارن بينهما؟
فليكن الداعي إلى المقارنة ما شاء أن يكون. ليكن لفظَ الحوت إذ ورد ذهني فذكَّره بحوت النبي الصغير، أو فليكن سبباً آخر خفيَّاً مجهولاً قصيّاً عن إدراكي، أو فليكن صومَ نينوى (الباعوثة) ثلاثةَ أيامٍ بلا طعام ولا شراب. وقد حاولتْهُ لميا مرةً وأعجزتها المحاولة. لميا رغبت في صيام نينوى تحدِّياً منها للجوع والعطش. وربما كانت رغبت فيه لتدلّلَ لنفسها ولنا على أنها صنوٌ لسوسن في احتمال عناء هذا الصيام وصَعَدِ عذابه. لكن لميا خسرت معركة التحدي! لم تكمل صيام الأيام الثلاثة. قبل أن يمضي يومان على بدء صيامها، أفطرت لميا.
لا شأن لي بالدواعي. ما حاجتي إلى البحث عن الدوافع أو الأسباب التي قد دعت ذهني إلى أن يقارن بين حوتين؟ حسبي هنا أن أعلم أنّ الحوتين - وقد استدعيا المقارنة - ليسا نظيرين سيين إلا في الجوهر.
حوتُ آرام مَريدٌ. ولم يكن كذلك حوت النبي الصغير. حوت آرام ليس كحوت النبي في أعراضه وصفاته وأحواله كلها. حوت النبي بالرغم من أنه مساوٍ لحوت آرامَ في الجنس، في الجوهر، ليس صورة مطابقة له. ما بين الحوتين من وحدةٍ في الجنس، في الجوهر، أضعفُ من أن يجعل الاثنين واحداً شأن البشر تماماً فإنهم واحدٌ في الجنس، بَدَدٌ، متفرقون أفراداً في الطبائع والسمات والخلائق والأوضاع. فلا ليلى هي نيللي، ولا نيللي هي ليلى، وكلتاهما بشر.
جائعٌ حوتُ آرام. ولم يكن جائعاً حوتُ النبي الصغير. جافاً غليظاً مقدَّداً بشمس عصره، بدخان حطب زمانه، كان لحم يونانَ النبي. ولأنه هكذا كان، فلا غرو في أن يقيئَه الحوتُ لُفاظةً حيّة على الشاطئ دارئاَ بالقيء عسرَ الهضم أو التسمُّم عن معدته الممتلئة الكظيظة .
فأما لحم آرام فطريء، سائغ، مريء. فأنّى لحوت جائع مريد أن يقيئه على السطح، على شاطئ النهر؟َ
هيهاتَ أن يقيء الطريءَ السائغَ المريء حوتٌ جائع مريد!
إني لأعي هذه الحقيقة، وإني لأحسُّ مرارتها تشوك وعيي وأجزاءَ كثيرة من جسدي المتهالك الرضيض. وكذلك أصحابي فإنهم يعونها كما أعيها، بلا ريب، ويحسون مرارتها كما أحسها. لكنَّ وعينا الملتهبَ المشدوخ بالحقيقة القاسية الموجعة يشقُّ عليه أن يصدّق بها.
قبل ساعات تُعدُّ كانت حياة آرام بازغةً كنجم ممثلٍ بارع الفن، يؤدّي دوره المنوط به بوعي مركَّز، باتقانٍ، بإحكامْ، بنشاطٍ معجِب على خشبة الوجود، فأين هي حياتُه الآن؟
في بطن دوامة فائرة الموج؟
في بطن حوتٍ مَريد؟
فاجعة!
ويعاودني التفكير في الحياة. أفكر في الحياة لا في نقيضها الموت. في الحياة أفكر. أفكر في حقيقتها الأولى، في أصلها. لا أفكر في خصائصها ومقوماتها ومعانيها. وأنا إذ أفكر في حقيقتها الأولى، لا أخرج عن الرأي القائل فيها إنها ليست شيئاً غير كميةٍ، أو مقدار من الزمان، يُقاس بمقياس البداية والنهاية، وبما بين البداية والنهاية من تكتكات أحداثٍ متعاقبة مضبوطة بدقة ساعة ذَريّة.
مذ كنت طالبَ علمٍ في الجامعة، وأنا أسبر بحبل التفكير غورَ هذه المشكلة العويصة، مشكلةِ الزمان. أعالج سرَّها العجيب الغريب بالتأمل لا بالتجريب مستعيناً بآراء الفلاسفة والعلماء من كل عصر، ومن كل مصر.
وما زلت، وقد طوّح بي الزمان بعيداً عن مقاعد الدرس وعن مسقط رأسي، وفياً لها بفكري. أعالج أمرها في البيت، في البيت غالباً. أعالجه على انفراد. ففي البيت ينفسح لي الجو، ويخلو مما يعوق ذهني عن الاتقاد. وعندما أفكر فيها، وأنا ماكثٌ في البيت، لا أحاول أن أجتذب اهتمام زوجتي بها بعدَ إذ تبين لي أن اهتمامها بها، يستحيل أن ينجذب إليها.
في وَهْم زوجتي أن قضية معقدةً شائكة غيرَ محسومة كمثل هذه القضية، لا تتموضعُ في مكان يرتفع فوق مستوى تفكيرها وحسبُ، بل إنها أيضاً من القضايا التي لا جدوى من التفكير فيها على الإطلاق.
يوم حاولتُ أن أجتذب اهتمامَها إليها، أفشلت محاولتي بنبر خشن:
- قضيةٌ مقطوعةُ النسب بدنيانا.
ثم لم تلبث أن تساءلت بعين ذاك النبر:
- لماذا ينبغي أن نرهق عقولنا بالتفكير في قضية لا تجلبُ لنا نفعاً؟
في يوم آخرَ - وكان يومَ عطلتي الأسبوعية، والشتاءُ خلف زجاج نافذة حجرة نومنا المطلَّة على حوش الدار المسوّرِ المحجوب عن أنظار المارة، ينثُّ نثيثاً خاملاً ناعساً يغري بلزوم البيت إغراء لا يقاوم - عاتبتني زوجتي على انهماكي في قراءة كتاب عنها مترجمٍ إلى العربية من اللغة الألمانية، قالت:
- تكثر من القراءة، تتعب نفسك، ولا تشفق على بصرك! ماذا تقرأ؟ أيفيدُك هذا الذي تقرأه في مجال تخصُّصك؟
ولم تكتفِ بالعتاب. فوجئتُ بها تندفع نحوي، فتنتزع الكتاب من يدي. انتزعت الكتاب خطفاً كما ينتزع قرد جائع موزة من يد امتدت إليه بها! على أن حركة انتزاعها الكتاب من يدي، لم تكن في مضمونها فظة مغيظة. لكنها مع ذلك أحدثت في نفسي شعوراً كدت معه أشرف على حافة الاستياء. وإذ لم يحتجب شعوري المشرف على حافة الاستياء عن حسِّها المبصر، تداركته على الفور، جعلت تروّقه بكلام لذيذ الطعم، حتى إذا آنست مني السكينةَ والرضى، طفقت تتلو عليَّ آية محفوظة في ذاكرتها من سفر الجامعة، ظنَّتْ أنها تنطبق على الحالة التي كان ذهني يتقلَّبُ في أغوارها البعيدة؛ حالةِ الاهتمام المفرط بقضية (مقطوعة النسب بدنيانا) على حد قولها. وهي في الحقيقة آية لا تنطبق على حالتي تلك إلا بالقسر والإرغام والتكلف الشديد:
„ باطل الأباطيل، قال الجامعة: باطل الأباطيل، الكلُّ باطل. ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ ".
فأما أصحابي، فإنَّ موقفهم الفكري بإزاء هذه القضية، لم يكد يختلف عن موقف زوجتي منها. في البدء تحقَّق لي أن أثير فضولهم، وأجتذب اهتمامهم بها. غير أن السأم منها سرعان ما زحف على أذهانهم فاستولى عليها. لم يعلن أحد منهم سأمَه في وجهي بلفظ مباشر عارٍ صريح. لكني ما كنت من بلادة الشعور والإحساس إلى حدّ أنْ لا ألحظَ السأم مكتوباً فوق جباههم بخطٍّ عريض.
في إحدى الليالي، في حلم أشبهَ الكابوسَ من أحلامي، رأيتُني هائماً على وجهي في شارع مقفر من مدينة مجهولة مستغرقة في صمت يماثل صمت الموت. وإذا بشخص في هيئة مصارع جلف غليظِ البنية مربدّ السحنة يخرج عليَّ بغتة من نهاية الشارع المقفر، ويأخذ يقترب مني. وما زال يقترب مني بخطوٍ أهوجَ كأنما من غضب محتدم حتى حاذى فمُه أذني. فلما حاذاها فجَّر في صوانها صرخة كصرخة الرعد في أوائل الربيع.. صرخةً شديدة مدوية كادت تمزق غشاء طبلتها: „ اصمت! بططتَ مِخاخَنا بقضيتك العجفاء. حتامَ...؟ أما كفاك أنك ما فتئتَ تنقرها على لحاء أدمغتنا بمِنسَر المعاودة والتكرار، حتى خلَّفت في أدمغتنا ندوبَ نفور عميقة منها؟“.
فإذا بقلبي ينصعق. وإذا كياني يرتجّ ارتجاجاً من هول ما أرى وأسمع. ولولا أن الشخص المخيف تمثَّل لي بعد لحظات خاطفة في صورة ميخائيل كفرزي، لانهارَ كياني برمَّته على الأرض وانتثر كما ينهار بناء متصدِّع آيلٌ للسقوط فجَّر المهندسون أساسه بالديناميت.
لم يكن حدثُ التحوّل هذا حدثاً عادياً طبيعياً، كان أعجوبة حقيقية أنقذتني من الانهيار. لقد، بفضل هذه الأعجوبة، استطعتُ أن أستعيد توازني على الفور، وقد أفرخ قلبي، وثابت نفسي، وأضاء ذهني ففهمتُ إذ أضاءَ معنى قوله الذي أطلقه صرخةً كصرخة الرعد في أذني. ورحت وقد فهمته أتضاحك متلاطفاً. رحت أفعل ذلك قبل أن أردَّ عليه بالمثل، بكلام قابلَ معنى كلامه، ولكنْ بلا صراخ ولا جلجة:
- ألست أنت أيضاً تنقر قضيتك بمنقارك ليلَ نهار فتمِلُّ ولا تمَلُّ؟
- قضيتي؟! ما قضيتي؟
سألني بدهشة عوض أن يردَّ على سؤالي بنفيٍ أو إيجاب. ولأن سؤاله لم يباغتني، أجبت بهدوء:
- حبُّ الوطن.
- كأنك تهذي. شتان ما بين القضيتين !
فتنبَّهتُ إلى هفوتي. تنبهت إلى أنني أجمع قضية بقضية أخرى لا تأتلف معها. تراجعت خطوة إلى الوراء ثم خطوة، بيد أني لم أتراجع عن قولي، لم أتراجع عما أردت أن أبلّغه إياه. ربما كان عقلي الباطن، عقلي الذي كان اختزن الكثير من الاحتقار والتقزُّز من نزعته الوطنية المسيَّسة المتطرفة، أبى عليّ إلا أن أهتبل الفرصة - وإن لم تكن مناسبة موائمة - لمقارعته في نزعته المكروهة. لم أحتج لأكثرَ من ثانية واحدة. في ثانية واحدة لا أكثر، وُفّقتُ إلى العثور على ما يسوّغ جمعي بين قضيتين إحداهما تختلف عن الأخرى اختلافاً ظاهراً:
- أنت تنقر قضيةً، وأنا أنقر قضية. فكلانا ينقر.
فقال وهو يحدَّجني بعين تجمّدت أهدابها:
- حب الوطن فضيلة، فهل من فضيلة في قضيتك؟
- لكل قضية...
قاطعني بإشارة من يده. أسرع فألقى بعدها سؤالاً عليَّ أحسسته صادراً عن مخبر متمرس مرتاب:
- أيغيظك أن أنقر فضيلة في قلوب تلاميذنا؟
لم أُجبْ سؤاله في الحال. أعملت ذهني هنيهة. رحت أتخيَّر كلماتي كي أواربَه بها، إذ خشيت أن يستبطن ما في دخيلتي من مقتٍ، من رفض لا لين فيه لرأيه المستمَدِّ من عقيدته الحزبية هذه التي لا تتورَّع عن تشويه الحقائق بقلب معانيها بوقاحة تجهل جهلاً تاماً معنى الحياء:
- الفضيلة لا تغيظ. لا... إنما أردت أن حبَّ الوطن غريزة.
هتف:
- حبُّ الوطن عقيدة.
قاومت رغبتي العنيفة في الهتاف بمثل قوة ما هتف به. ملكت أعصابي. بصوت خافَتُّه كي لا أثير انفعاله، نقضت رأيه:
- حب الوطن غريزة.
- كلا! حب الوطن عقيدة.
- إن كان عقيدة حقاً، فللحيوان إذاً عقيدة. هل للحيوان عقيدة؟
- منطقك غامض كالعادة. ما شأن الحيوان بالعقيدة؟
- أليس الحيوان أيضاً محباً لوطنه، لقطاع عيشه؟
- فليكن كما تشاء له أن يكون. ليكن محباً لقطاع عيشه. فماذا الذي يترتب على ذلك من نتيجة؟
- … أنَّ للحيوان عقيدة.
- حسن. حيوانك يحب قطاعَ عيشه. فهل يبطل حبُّه هذا فضيلةَ حبِّ الوطن؟
بحزم أجبت وقد أدركت ما في قوله من تغليط:
- لا يبطلها. لكنه يبطل أن يكون حبُّ الوطن عقيدة.
ابتسم بازدراء، ثم جعل يقلّد منطقي بلكنة وإيماءات هازئة:
- وهو إذ يبطل أن يكون ذلك كذلك، يثبت أن حب الوطن غريزة.
- هذا ما أردته بالضبط.
- وماذا تريد مما أردتَه بالضبط؟
- أريد أنَّ حب الوطن غريزة.
- فليكن غريزة.
- إذن فأنت تقرّ بأنه غريزة.
- فهبني أقرُّ بذلك.
- إن كنت تقرّ بذلك، فما الذي يدعوكم إلى نقر غريزة في القلوب وهي منقورة فيها أصلاً؟
- غايتنا أن نجعل فضيلة حب الوطن عقيدة.
- حب الوطن غريزة! فما غايتكم من صنع عقيدة من غريزة؟
تشبَّثتُ برأيي ، كررت عليه السؤال. فتفكَّر هنيهة ثم أخرج لي من حافظته عبارة من تلكم العبارات الكثيرة الغثة الرخيصة المعنى الواردة في أدبيات حزبه، فأطلقها في الفراغ الفاصل بيننا كما تُطلق الشعارات التي لها طنينٌ، من فوق منبر خطابة من شدق سياسي مخادع، على أسماع جمهور استبدت به حماسة الدهماء الرعاع:
- ليدينَ بها كلُّ مواطن فيشرُفَ بها، وليكون لوطننا منها عزٌّ وسؤدد.
هنا نفضت غبار الجبن عن قلبي، ورحت أسمعه بلسان فصيح ما قاله كاتب من ذوي الأقلام الحرة الشجاعة في ذم نزعته الوطنية المسيَّسة، وفي فضح مراميها المستترة الخبيثة:
- وطنيتكم أداة قمع، تستعملونها لتطمروا بها كلّ رأي يناوئ رأيكم في جحيم زنازينكم. ألستم تلصقون بكل من ينتقد فساد سلطتكم تهمة خيانة الوطن، والوطن لا يخونه أحد؟ فأيُّ فضيلة في وطنيتكم؟
فإذا هو ينتفخ مثل ضفدع عملاق، ويأخذ يتحوّل شيئاً فشيئاً من صورة ميخائيل كفرزي إلى صورة ذاك المصارع الجلف المخيف الذي خرج عليَّ من نهاية الشارع المقفر فجأة في تلك المدينة الصامتة صمت الموت. وإذا عيني تنفغر من الرعب. وما أحس إلا وزوجتي الراقدة إلى جانبي تهزُّني، وهي تسكب في أذني بصوت مرتعش ما يشبه الاستغاثة: „ اسم الصليب، اسم الصليب، ماذا ترى؟ أفق أفق.. " فأصحو وفي حلقي ظمأ إلى ماء نقيع.
إني مذ بتّ معتقداً أنَّ التفكير في مشكلة الزمن، سبيلٌ إلى نفع معرفي قد يعادل في قيمته قيمةَ ما يُنتفَع به من هذه الخيرات المادية التي تستهلكها أجسادنا التي سيمحقها الزمن يوماً ويمتصُّها حتى عظامها؛ وأيضاً مذ بتّ مطمئناً إلى أن التفكير بها سيزوّدني ولا بدّ بفهمِ جانبٍ أو جوانب من حقيقة حياتنا الخفية المشفَّرة؛ بتُّ وأنا لا أسأم من التفكير في مشكلة الزمان بنحو ما سئم منها أصحابي، وبِتُّ وأنا لا أرى التفكير فيها غثاءً لا جدوى منه كما تراه زوجتي.
أجل، إن التفكير في مشكلة الزمان، يلزمني بدفع ضريبة. يأخذ التفكير مني وقتاً وطاقة من غير أن يدرَّ عليَّ مقابل ذلك ربحاً مادياً معجَّلاً أو مؤجلاً. أنا لست عالماً يعمل في مركز من مراكز البحوث العلمية، ويسعى إلى الحصول على براءة اختراع. ولكن ذلك ليس مدعاة لأن أنصرف بذهني عن التفكير في المشكلة.
لن يثنيني عن التفكير، ولن يحبطني أنَّه لا يستولد اختراعاً، وأنه لا يأتيني منه ربح مادي. تفكيري يعوضُني من الربح المادي ربحاً معنوياً متعالياً عن الربح المادي. في كثير من الأحيان أحسُّه يدحرج عن صدري ضجر الحياة ورتابتها. ولعلي لا أجانف الحقيقة إن وصفته هنا فشبهته بالمَصْل الحيوي يضادُّ ما يجعل حياتي كريهة كئيبة سقيمة.
فإن كنت لا أرى التفكير في مشكلة الزمان عقيماً، ولا جالباً للسأم، فلماذا عليّ أن أكفّ عن التفكير فيها؟
ألستُ بفضل التفكير المتأني المتكرر العميق بمشكلة الزمان، تهيّأ لي أن أعيَ لماذا تؤثر فينا أحداث الماضي؟
أوَكان لي أن أعيَ السبب في تأثير أحداث الماضي فينا، لولا استحواذ مشكلة الزمان على تفكيري بمثل هذه اللجاجة والعناد؟
أوَكان لي أن أدرك حقيقة هذا الماضي الذي بالتفكير أدركت تأثيرَ أحداثه فينا، لولا تفكيري في حقيقته القصية النائية؟ كلا، ما كنت أدركت شيئاً من حقيقة هذا الماضي. كلا، ما كنت، لولاه، استطعت أن أفكَّ جوابَ السؤال الصعب العسير المضني " كيف يكون هذا المسمّى ماضياً، ماضياً زائلاً، وهو لا يكفّ عن التأثير فينا؟".
بلا ريب، لولا تفكيري، ما كنت استطعت أن أفك جوابه. لولاه لظلّ هذا السؤال باقياً على حاله منغرزاً في عقلي انغرازَ حسكةٍ في الحلق مدةَ وجودي على صعيد الدنيا.
فهل هو من الذكاء - وقد تحقق لي هذا النفع من التفكير فيها – أن أوافق زوجتي على زعمها أن التفكير فيها غثاءٌ لا جدوى منه؟ هل هو من الذكاء أيضاً أن أوافق أصحابي على أنه مجلبةٌ للسأم؟
كثيرون منا يحسبون الماضي زمناً متلاشياً منقضياً منتهياً قد غادرنا إلى غير رجعة. لكنّ هذا الذي يحسبه هؤلاء الكثيرون، ما هو في اعتقادي إلا رأياً مغبوناً بيّنَ الخطأ. فالماضي بما هو زمن لا يغادرنا. إنه (نحن) إنه ضميرُنا الدال على ذاتنا. وضميرنا الدال على ذاتنا - وإن يكن صوتاً من أصوات اللغة - هو عين ذاتنا. والذات لا تغادر الذات. فأما من اعتقد بخلاف ذلك، فقد اعتقد بجواز حصول المحال.
وما الذات سوى كتلة. لكنها زمان في جوهرها؛ أي في أصلها. إنها كتلة مجبولة من مادة الزمان هذه المادة التي هي كائنة موجودة رغم عجزناعن القبض عليها بحواسنا. ولأن الذات من مادة الزمان جبلت، فقد امتنع أن يغادرها الزمان إطلاقاً.
الزمان ممتزج بذواتنا امتزاج الماء بالكحول. فكيف يغادرها؟ الزمان مقيم فيها إقامة ثابتة دائمة. إنه مقيم فينا ما بقينا أحياء: يحركنا، يغيرنا، يرشدنا، يضللنا، يكافئنا، يسعدنا، يغنينا، يفقرنا، يمنح أشياءنا وأفكارنا قيمة، أو يحطّ بقيمتها ويزري بحالها، يمنحنا جمال الطفولة ورونق الصبا ونضارة الشباب، ثم يمتهن كرامتنا فيمرِّغها في حمأة العجز والهرم، يُنغِل الزمان أديمَ ضمائرنا، يعذبنا بأخطائنا الشنيعة، يعذبنا بفواحشنا ولا سيما تلك التي اقترفناها في ماضينا وقت أن كنا وللجهل والطيش والحماقة والغباء سلطة عاتية الجبروت على جوارحنا المتوثبة وعلى عقولنا الفِجَّة غير الناضجة، الزمان يشوي أكبادنا بتلك الفواحش والأخطاء المهولة الجسيمة شيّاً كلما تسلقنا درجاتِ العمر صُعُداً على جمرِ فحمٍ من حجر لا يكاد يهمد فيمسي رماداً.
محالٌ أن يغادرنا الزمان! فإنه لو كان يغادرنا حقاً، لما كنا استطعنا أن نتحسس تأثير شيء فينا قد غادرنا، ولم يعد مقيماً فينا.
والزمان ليس حركةَ الأشياء التي تضاهي حركةَ عقارب الساعة وحسبُ، بل إنه أصل كلِّ الأشياء. هو قبل المكان؛ بل هو الذي يبدع المكان، يكوّنه ويتَّحدُ به فور إبداعه اتحادَ اللفظ بالمعنى. فإنَّا لو كان في مقدورنا أن نفرِّغ الكونَ من المكان ففرغناه منه، فما الذي سيتبقَّى لنا من هذا الكون حينئذ؟
هل سيتبقَّى لنا منه حينئذ سوى الفراغ الذي هو الزمان وليس المكان، حسبما يخال الكثيرون توهماً؟
لمَّا شهرتُ هذه الفكرة أمام أصحابي لأول مرة – وقع هذا الحدث في مدينة القامشلي الصغيرة الهادئة المستكينة - اتَّضح تهكُّم خبيثٌ في عيني صديقي جوزيف كيفاركيس مدرس الرياضيات، لم يلبث أن تدفَّق من لسانه لفظاً دراكاً، وهو يتلفَّتُ إلى هذا وذاك ممن حضر من أصحابنا تلك الجلسةَ الساخنة، كالذي يترجَّى أن يستقطب تأييداً منهم يمنح قولَه السّدادَ:
- لو كان آينشتاين بيننا الآن، لأفاد من فكرتك العبقرية، فأجرى في ضوئها تعديلاتٍ جذريةً على نظرياته العلمية القاصرة !
إلا أني مضيت أذبُّ عن فكرتي بجدّية وحماسة، غير مكترث بتعريضه. وأسهبت في القول وكأني أقف أمام تلاميذي في الصف:
- آينشتاين أسطونٌ من أساطين عصرنا! هذا حق. لن يخطئ من يصفه بهذا الوصف المفخّم. فإن رأى آينشتاين أن الكون قد (ابتدأ) فعلينا أن نفكر في معنى الابتداء. ما الابتداء؟ أهو غير أن تقول فيه إنه اللحظة الأولى من لحظات الزمان التي ينبثق منها شيءٌ ما؟ ثم إننا إن كنا لا نجحد الحقيقة التي أثبتها آينشتاين؛ أعني حقيقة أن الزمان ملتحمٌ بالمكان مشتبك به، فدعنا على أنوار هذه الحقيقة، نفصل الزمانَ عن المكان، ثم دعنا نحذف المكان. ها نحن الآن قد حذفنا المكان. تخيّلِ الآن أننا قد حذفنا المكان، فما الذي حدث إذ حذفنا المكان؟ هل حدث أن زال الزمان بزوال المكان أم ظل باقياً؟ فإنْ حدث أن ظل الزمان باقياً، فما معنى بقائه؟ أليس معناه أنه هو الأصل الذي لا يَمَسُّه الزوال؟
ردَّ جوزيف والتهكم ما يزال مترقرقاً في مقلتيه:
- وما الذي سوف يحدث، لو أنك حذفت الزمان، وأبقيت المكان؟ ألن يكون المكان في هذه الحالة هو الأصل الذي لا يمسُّه عدم؟
بلا تردد، وبتلك الحماسة ذاتها، عاكست قوله:
- لا، لن يكون…! فالمكان لا يبقى إن محوتَ زمانه. لو أنك محوت في ذهنك ماضي مدينتك القامشلي وحاضرها ومستقبلها، فهل ستظل مدينتك قائمة في مكانها؟ كلا، مدينتك ستفقد وجودها حتماً. وكذلك البشر. انظرني، أنا بشر فإن فقدتُ ماضيَّ وحاضري ومستقبلي، أفلن أفقد وجودي بالضرورة؟ إنَّ وجود الأشياء – والوجود هنا تحدِّده أبعادُ الشيء الموجود من طول وعرض وارتفاع - مرهونٌ بالزمان. وحتى الجسيمات الأولية التي توجد بلا أبعاد، فإن وجودَها مرهون بالزمان. فإن لم يكن الأمر كذلك، فجِدْ لي شيئاً بهذه الأبعادِ في الكون ظاهرِه وباطنِه، وهو متجرّد عارٍ غيرُ ملتفٍّ بشَمْلة الزمان.
عاندني جوزيف وقد خمدت التماعة التهكم في مقلتيه، ونشطت حركات ذراعيه:
- وما أدراك أن الزمان لا يفقد وجوده مثلما يفقد المكان - في تصورك أنت - وجودَه؟ كيف تدري أن الزمان يبقى بزوال المكان، والزمان غير محسوس مثل المكان تماماً حين يخلو مما يحمله من أجسام؟ من منا رأى الزمان أو شمَّه أو تذوَّقه أو سمعه؟ أضف إلى هذا أنَّ المكان والزمان ملتحمٌ أحدُهما بالآخر التحامَ السَّدى بالُّلحمة في النسيج. إذاً، فإنّ وجودَ أحدهما لهو مرتبطٌُ بوجود الآخر. فكيف يدثر أحدُهما، ولا يدثر الآخرُ بدثوره؟
لم تفتر حماستي، بل زادت فزدتُ:
- إذا افترضتَ زوالَ الزمان بزوال المكان، انتهيتَ إلى عدم. ومن عدم لا يأتي شيء، هذه حقيقة لا شك فيها معروفة مشهورة منذ القدم. أثمة شيءٌ جاء من عدم؟ قل لي: أجاء الكون وما فيه من عدم؟ فأما حجَّتك أنَّ شيئين يكونان في حال الالتحام، فإذا زال أحدهما، فلا بدَّ أن يزول معه الآخرُ الملتحم به؛ فحجةٌ واهية. وإليك البرهانَ، خذ المربعَ، أو شيئاً له صورة المربع مثالاً شاهداً على ذلك. فإنّ للشيء المربع أضلاعاً مرئيةً مقيسة. وكلُّ ضلع منها ملتحم بالآخر التحاماً لا يكون المربع مربعاً إلا به. لكنَّ المربع إذا حذفنا ضلعاً من أضلاعه، فإنَّ شكله سيتغير لا محالة. إنه سوف يتحوَّل إلى شكلٍ هندسي آخر. بيد أنَّ الأضلاع التي كانت ملتحمة بالضلع المحذوف، ما برحت باقية، لم تزل بالرغم مما كان بينها وبين الضلع المحذوف الزائل من اتصال وارتباط والتحام. فعلى أيِّ شيء يدلُّك هذا، إنْ لم يدلَّك على أن المكان يقبل أن تتصوَّره غيرَ موجود، بخلاف الزمان الذي إنْ تصورتَه غير موجود، انتهيتَ إلى عدم.
ولم أدع له فرصة لمقاطعتي، واصلت كلامي:
- نعم، هو ذاك. لو كان الزمان نقيض المكان أو ضداً له، لصحَّ في هذه الحالة أن يزول بزوال نقيضه أو ضده. ولكن الزمان ليس نقيضاً أو ضداً مواجهاً للمكان.
جرع جوزيف ثمالة كأسه، وهمّ بالرد. آرام كان جالساً قبالتي، رأيته ينفث تأفّفَه خارج صدره مع سحابة من دخان سيجارته الذائبة، ثم سمعته يستبق إلى إنهاء الجدال الدائر بيننا فيقول وهو يضع رجلاً فوق رجل:
- فليمضِ المكان والزمان معاً إلى عدم معدوم، فلعلَّنا نمضي معهما إليه فننعمَ بسكينة أبدية! رياحُ السياسة الدولية تنذر بنشوب حرب طاحنة مدمّرة تحرق الأخضر واليابس، وأنتما في شُغُل عنها بالمكان والزمان. طوبى لكما، وتباً للمكان والزمان، تباً للكون.. للكونِ بأسره!
لكن جوزيف الذي لم يكن حتى ذلك الوقت سئم الحديث عن الزمان، تساءل بانزعاج تعقيباً على ما قاله آرام:
- ألِأنَّ الحربَ توشك أن تقع، علينا أن نكفَّ عن الكلام؟! فلنكف إذاً عن الطعام أيضاً، فلنكفَّ عن الشراب، عن الحب، عن سماع الألحان توقّعُها على الأوتار أناملُ اسفيندار. ما ذنبنا يا أخي؟ لماذا علينا أن نتكبَّد وزرَ ذنب لم نقترفه، فنكونَ كمن يعاقب نفسه على ذنب اقترفه رئيسُ بلديتنا؟
بشّ له اسفيندار بابتسامة عريضة، ثم مدَّ ذراعه اليمنى إلى عوده، فرفعه من مكانه، وثبَّته في حضنه، وقال:
- أما أنا فلا أحسب اللهو بالأفكار المجردة، وبالتصورات الذهنية الخيالية عن الكون والحياة والكائنات الفضائية مما يُطعم وينقع غُلَّةً، ولا مما يمكن أن يُبتاع به غرام واحدٌ من كُراع دجاجة. ولكني مع ذلك أجد فيه ما يسلّينا، وما ينسينا إلى حين قسوة التفكير فيما يعنّينا، كما أرى له فضلاً علينا. إنه يجنبنا لبعض الوقت خوضَ معارك النكد ضدَّ نسائنا.
ذات مرة، وأنا أفكر في الحياة... في الزمان، تبادر إلى خاطري بيتٌ من الشعر لأحمد شوقي الملقب بأمير الشعراء من قصيدة له في رثاء (وطنيّ) مصريّ كان يجاهد بكل طاقاته ومواهبه لطرد الانجليز من مصر. ولكن لا من أجل استقلال مصر، وإنما من أجل تمليك الأتراك عليها. أذكر أني قرأتُ يوماً على مسمع من عمي إدمون صفحة من التاريخ المعاصر وكان ورد فيها ذكرُ هذا الرجل الموصوف بالوطنية. فلما فرغت من القراءة، رفعتُ عيني عن الكتاب، فرأيته يهز رأسه في أسف أدنى إلى الغضب، ثم سمعته ينطق بعبارة لن أنساها: " أكثر تاريخنا حكايات ملفقة" وما لبث أن أتبعها بمثل معروف سخر به من سعي هذا الرجل: ( كمن يهرب من الدلف ويحتمي بالميزاب) .
ولقد كان مفروضاً علينا - نحن التلاميذ ذوي العقول الغريضة والنفوس البريئة - أن نعظّمه مثلما كان مفروضاً علينا أن نعظم قادة الثورات السورية الذين جاهدوا الانتداب الفرنسي بدوافع دينية لا بدوافع وطنية كما يدعي المؤرخون والأدباء زيفاً. والزيف هو الكذب، هو ألا ينقل المؤرخ الحوادث بأسبابها وأهدافها كما جرت في الواقع، وإنما كما يحب لها أن تجري. نقل لنا المؤرخون وأدباء سوريا الذين عاشوا حدث إلحاق لواء اسكندرون بتركيا أنّ فرنسا هي المسؤولة عن هذه (الجريمة). وأخفوا الحقيقة، لم يذكروا أن فرنسا منحت أبناء اللواء حقََّ التصويت على ضم اللواء إلى تركيا أو إلى سوريا، فصوَّت أكثر أبنائه وهم من المسلمين السنة لضم اللواء إلى تركيا.
كنت أجهل حقيقة الكثير من أحداث التاريخ المعاصر، حتى جمعني الزمان برفيق السلاح راسم أبو شقرا. لراسم فضل عليّ في فهم حقيقة بعض الأحداث التاريخية التي كنت أجهلها. وإني لأنوّه بفضله عليّ. فلولا راسم لبقيتُ أجهل حقيقة المجاهدين الثائرين في وجه الانتداب الفرنسي.
كان جدي شارك في حملة فرنسية لإخماد ثورة المجاهدين السنَّة من العرب والأكراد في شمال حلب (الأكراد وقتذاك لم يكن وعيهم القومي استيقظ من سبات الدين) لكني لم أسمع جدي ينفي عنهم وطنيتهم. وكذلك عمي إدمون، فإني لم أسمعه يوماً يجردهم من روحهم الوطنية، وهو الذي يبغض كلَّ من يبغض فرنسا ويعدُّه ناكراً لجميلها، وهو الذي قام مرة في وجه أبي حين تصدى له أبي قائلاً له بلهجة رادعة: إن احتلال شعب لشعب آخر، مهما تكن له من حسنات وأفضال جزيلة، شنيعٌ مذموم.
ولكني لا أملك رغم ثقتي براسم إلا أن أتساءل كلما تذكرته: من أين استقى راسم أبو شقرا معلوماته عن هؤلاء المجاهدين يا تُرى؟ ألعلَّه استقاها من أبناء منطقته التي أنجبت المجاهد سلطان باشا الأطرش؟
سلطان باشا الأطرش – بحسب معلومات راسم – كان يطمح إلى تكوين دولة درزية على غرار ما كان اليهود يطمحون إليه. وكذلك المجاهد صالح العلي، فإنه أيضاً كان يطمح إلى تكوين دولة علوية. فأما السنة من العرب والأكراد في شمال حلب وفي حماة تحت قيادة المجاهد ابراهيم هنانو فإن حنينهم إلى استعادة الخلافة التي أزالها كمال أتاتورك، لم يخبُ.
القصيدة مرّت بنا يوم كنا في المرحلة الإعدادية، حفظنا منها أبياتاً عشرةً اختارها لنا أستاذنا جميل عنتابي مدرس اللغة العربية:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
فأعجبُ لشاعر لم يكن يدرك أو يعتقد، كما أدرك أنا وأعتقد، أن الحياة في حقيقتها مقدارٌ من الزمان. لكنَّ يراعه يمجُّ عفوَ خاطره، دون قصد منه، عبارةً تصف الحياة بأنها مقدارٌ من الزمان! تصفها وصفاً كالذي يروق لي، وصفاً كالذي يرضي عقلي، وصفاً سليماً معافى - في تقديري - لا يناله عند التأمل عطبٌ ولا نكران.
شبَّه الشاعر دقات القلب تشبيهَ استعارةٍ بناصحٍ يعظ سامعَه قائلاً له: إن الحياة قصيرة فلا يجدر بك أن تبدّدَها سُدى. هذا كل ما أراده الشاعر من لفظه المستعار. لم يذهب الشاعر باستعارته إلى معنى أوسعَ من هذا المعنى ولا أبعد. لم يقصد من استعارته إلى أنَّ الحياة في حقيقتها مقدارٌ من الزمان، كما أقصد أنا. ومع ذلك فإنَّ قوله " إنَّ الحياة دقائق وثواني " يصلح لأن يكون - بغض النظر عما قصد وعما أراد - قالباً مطابقاً بلا زيادة ولا نقصان لمعنى الحياة مقداراً من الزمان، كميةً معجونة من دقيق الماضي والحاضر والآتي وفق التقسيم المعروف الشائع للزمان والذي أرفضه؛ لأني لا أراه دقيقاً صائباً. إن تقسيم الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل لا يعني إلا أن الزمان مكون من كميات منفصلة. وهو في الحقيقة ليس كذلك، بل هو كمية واحدة. فالماضي والحاضر والمستقبل لا ينفصل واحدُهما عن الآخر. الماضي حاضر وهو مقبل، والحاضر ماض وهو مقبل، والآتي المقبل حاضرٌ وهو ماض أيضاً.
وأنا لا أستدل هنا على وحدة الزمان فينا وخارجنا بما كتبه أحد علماء الفيزياء، وهو يشرح نظرية آينشتاين النسبية الخاصة والعامة في المجلة العلمية الفرنسية ( م. د ) التي كنت اقتنيت أعداداً منها يوم زرت مدينة بيروت في نهاية الحرب الأهلية كي أعاين وأصوّرَ ما حلَّ بها من دمار وخراب وحسب، وإنما أستدل على وحدة الزمان فضلاً عن ذلك باستكشاف علماء الأحياء أنَّ جيناتنا امتزجت بجينات سلفنا المنقرض النياندرتال بالتزاوج قبل آلاف السنين. إنَّ هذه الآلافَ من السنين، ما برحت متجسدةً في جيناتنا، مقيمةً فينا، ساكنة في خلايانا، تطبع صورتنا وتسيِّرنا بهدي منها في دروب عيشنا.
وكذلك المستحاثاتُ التي جفَّفتها الطبيعة وحفظتها لنا في متحفها، فإنها ليست في حقيقتها سوى كتلةٍ متحجرة من الأزمنة الثلاثة: الماضي، الحاضر، المستقبل.
أما خالي عازار - تغمَّد ثراه برَوْحِ السكينة - فكان يرى في حياة الإنسان شبهاً من الشمعة. وللشمعة فتيلةٌ تماثل عمر الإنسان (زمنَه) تشتعل النار فيها حتى تأتي على آخرها. وقد تنطفئ في بدء اشتعالها، أو بعد ذلك بقليل أو كثير. وتبقى الفتيلة من أولها إلى آخرها فتيلةً واحدة.
وقد أخبرني خلدون بصيغة التوكيد نقلاً عن والد دنيا الناشد أن إسعاف دنيا وقت الاعتداء الآثم عليها، تأخر عنها حتى نزف دمها. فكان تأخره عنها - والتأخر زمان – سبباً لوفاتها.
ومن منا ينكر الحقيقة، حقيقةَ أن الأوبئة التي كانت (فيما مضى) تفتك بأرواح الناس، باتت اليوم في (زماننا) عديمةَ القدرة على الفتك بها؟.
ومما يرتاد ذاكرتي من مطالع شوقي، مطلعُ قصيدته المشهورة التي قالها في دمشق:
قم ناجِ جلّق وانشد رسمَ من بانوا مشت على الرسم أحداثٌ وأزمان
وكان خالد صفيّة مفتوناً بهذا المطلع، يترنَّم به في كل مناسبة تدعو إليه. وربما ترنم به في مناسبات لا تدعو إليه كما يترنم المرء رغماً عنه، بلا وعي منه، بأغنية قد سيطرت على أوتار حنجرته.
فساءلته مرة، وكان فرغ من إنشاده على مسامعنا بصوته الفقير إلى الرخامة، ونحن جلوس إلى طاولتنا في كافتيريا كلية الآداب على عادتنا في الاستراحات، ومعنا الراحلة الفقيدة دنيا أحمد الناشد. ولا أعلم سبب قدومها إلى حلب من دمشق في ذلك الوقت الذي لم تكن فيه كليتُها، كليةُ الفنون الجميلة، في عطلة رسمية:
- ما الذي أوجب على الشاعر أن يجمع الأحداثَ إلى الأزمان بواو العطف وكأنّ لفظي الأحداث والأزمان على معنيين مختلفين، وما هما في الحقيقة إلا على معنى واحد قد تكثَّف فيه الزمان وتجسد؟
فأجاب خالد بلهجة مَنْ يقوّم اعوجاجاً:
- الشاعر إلهُ قصيدته يفعل بها ما يشاء. هو إلهٌ لا تقيده إلا ضرورةُ الوزن والقافية.
لم أقتنع بما قاله، استدركت عليه:
- فإن أفسدتِ الضرورةُ طعمَ المعنى، فكيف لطعم المعنى وقد فسد أن يسوغ في ذائقة السامع؟
وإذ ضايقه سؤالي، أجاب بحدة:
- أين الفساد في فصله بين الأحداث والأزمان؟ أليس يوجد في اللغة ما يميّز أحدَهما عن الآخر؟
- كلا، فإنهما مترادفان لا مَيْز بينهما إلا في اللفظ، في أحرف الهجاء. ألا ترى الحدثَ زمناً؟ ألا ترى الزمن حدثاً؟
- لا أرى شيئاً مما تراه.
- حسن! فإن جرّدت حدثاً ما من الزمان، فهل يبقى هذا الحدث؟ بالطبع لا… هذا الحدث لن يبقى، سيفقد وجودَه الفعلي ويتحول إلى مفهومٍ، إلى معنى مجرد يُدرك بالعقل لا بالحواس؟
- كيف لك؟ لم أفهم
- خذِ الفعلَ (عَلِمَ) وهو حدث، مثالاً على ذلك. فإنك إن جردت هذا الحدث من الزمان صار (العِلْمَ) أي صار مصدراً، صار مفهوماً، صار معنى، صار فكرة. والآن، هل لك أن تدعي بأن لهذا اللفظ لفظِ (العلم) بعد هذه الصيرورة الناجمة عن فقدانه الزمنَ، وجوداً في الواقع تستشعره الحواس؟
بأسلوب ناقدٍ تشبّع لسانُه بالأحكام النقدية الجارية المتداولة، وبالمصطلحات الفخمة الرصينة قديمها وحديثِها، ردَّ خالد عليَّ من غير أن يفوته إذ ردَّ أن يعبس عبوسه:
- هذا لا يذهب بروعة البيت. فإن قيمة الشعر في فصاحة لفظه، وحسن سبكه، وحلاوة جرسه، أما مرَّ بك قولُ الجاحظ؟ يقول الجاحظ…
قاطعته وأنا ألوي ملاغمي:
- دع ما للجاحظ للجاحظ. دع الجاحظ لعصره، وعد إلى الجوهر! قل لي لماذا أتبع الشاعرُ بواو العطف الأحداثَ بالأزمان، وهما لفظان على معنى واحد؟ أيُّ قيمة لهذا الذي أقدم عليه الشاعر؟ وأي فصاحة؟ وأي تبيان لحقيقة كامنة في الجمع بين لفظين مترادفين؟
قال خالد مستفسراً وقد ازداد لون عبوسه دكنة:
- ألا يجوز عطف كلمة على مرادفها لتقوية المعنى مثلاً أو للتكثير والمبالغة؟
قلت:
- هذا جائز في النحو، في الصرف أيضاً. ويكون حسناً إن جاء بتكرير اللفظ عينِه. لو كان المستفاد من العطف في بيت الشاعر، تقويةَ المعنى أو التكثيرَ، وليس المشاركةَ، فما منع الشاعرَ من أن يكرّر لفظ الأحداث فيقول: مشت على الرسم أحداثٌ وأحداثُ، أو مشت عليه أزمان وأزمان؟ ثم إن ما يجيزه النحو، لا يعفيه من أن نفكر فيه. إننا نفكر فيما يجيزه النحو، نتساءل، نقول للنحو: ماذا يفيدنا عطفُ كلمة على مرادفها؟
ما فائدة عطف الحيا على الغيث في قولك: يسقي (الغيثُ والحيا) ما زرع الفلاح؟
ما فائدته في قولك: يفترس (الليثُ وأبو فراس) الظباءَ بالأنياب والمخالب؟
ما فائدته في قولك: (أوجاع وآلامُ) المخاض والولادة، لا تقول للمرأة: لا تنجبي؟
ما الآلام؟ ما الأوجاع؟ أليست الآلام والأوجاع شيئاً واحداً؟ أليس اللفظان هنا على معنى واحد؟ فأيُّ فائدة للقارئ من إرغام الشاعر لفظين بمعنى واحد على أن يشتركا في معنى واحد؟
احمرَّ أنف خالد من الانفعال، ولم يكن ينفعل دائماً في مثل هذه المواقف:
- لا أراك إلا تحاول حرماني من الاستمتاع بفن الشاعر. الشعر يا أخي متعةٌ، الشعر خمرة، الشعر لحن وموسيقى، الشعر خطرةُ الوجدان وقد خلت من كل فلسفة تجهد العقل. إنك لتصدِّع رؤوسنا في كل مرة بسارتر ومارتر ومن تأشّبَ إليهما من خدم الرأسمالية المستغِلة المتوحشة. مَنْ سارتر هذا؟ من كامو؟ من فوكو؟ من روسو؟ من سيمون دي بوفوار؟ من هؤلاء بحقِّ فرنسا أمِّنا الرائم الحنون؟ وأين همُ جميعاً من روعة الشعر العربي ولذاته الشعورية؟!
ثم ضرب خالد الهواء بذراعه كما يفعل المتبرم الحنِقُ، ووثب قائماً على قدميه ليجلب له كوباً ثانياً من الشاي بعد أن صبّ انفعاله في كوبه الأول واحتساه.
علَّقت دنيا الناشد على ما قاله خالد وهي تَتبَعُه ببصرها.
- خالد لا يحب التعمُّقَ في البواطن. قد يكون ورث هذه الخلَّة عن أمه. أمُّ خالد من البادية. وأنماطُ عيش أهل البادية، وطرائق تفكيرهم أبسطُ، على ما تعلم، من أنماط عيشنا وطرائق تفكيرنا نحن أهالي حلب.
قلت وقد شمَمْتُ من قولها رائحةَ الاعتذار له:
- لكنه يجادل خصوم عقيدته الماركسية بمنطقٍ لا يظهر منه أنه لا يتعمّق بواطن الأشياء. وإنه ليستخدمه كذلك بتوريةٍ واستتار في بعض ما يكتبه في جريدة الجماهير.
ابتسمت دنيا ابتسامة العارف، قالت:
- لخالد من الفلسفة الماركسية كلمةٌ سحرية واحدة لا غير يدعوها الديالكتيك. الديالكتيك ولا شيء آخر سواه من الفلسفة، هو منطقه العميق، هو مفتاح كل حقيقة من حقائق الوجود لديه، هو مقياس كل شيء، حتى إنه إذا أراد أن يقيس المسافة بين إعزاز وعفرين، لجأ إلى الديالكتيك. وما الديالكتيك؟ اسأله عن الديالكتيك، ولن تجد لديه تعريفاً واضحاً له. هذا كل شيء. فأن يعلم خالدٌ أن الديالكتيك في خدمة العمال والفلاحين، أن يعلم أنه ينصر الفقراءَ على الأغنياء، هو جُلُّ ما يبتغيه.
وفجأة خفضت دنيا صوتها حتى كاد يبلغ درجة الهمس، وهي تواصل كلامها:
- لماذا ينتصر خالد للفقراء ويودُّ لو يحكموننا؟ هذا ما لا أفهمه أنا. ها هم العسكر أبناء الفلاحين الفقراء يحكموننا الآن، فماذا أفدنا من حكمهم لنا؟ أم أنَّ فقراءه مختلفون عن الفقراء من أبناء الفلاحين الذين يحكموننا الآن، وخيرٌ منهم؟
أعداني صوت دنيا الخفيض، جاريتها. خفضت صوتي وأنا أعقِّب على قولها متخذاً لهجة تحاكي لهجة المعارض الناقم:
- فقراؤنا لا يحركهم إلا الحقد الطبقي على الأغنياء. (الحقد الطبقي)... أسمعت؟ هكذا باصطلاح خالد وأدبيات حزبه. ليس البناءُ، ولا الازدهار، ولا العدالة الاجتماعية، غايتَهم. غايتُهم الانتقام الشَّرِهُ العربيد من الأغنياء والسلطة. غايتهم حيازةُ الثروة والممتلكات. ما لهم من حقدهم الطبقي المقدس إلا هذه الشناعات. ثم ماذا عن المجتمع الذي يدّعون بالباطل أنهم سيبذلون أرواحهم من أجل إعماره؟ كيف سيكون؟ ما الذي سيحل به حين تذكو فيه أحقادهم الهوجاء، وكراهيتهم القاتلة لمكوِّناته الأخرى؟ هل ستكون له أن تشرق في سمائه شمس الديمقراطية المنشودة أو ...
- جورج، هس !
أسكتتني دنيا. داست بمقدَّم حذائها على قدمي تحت الطاولة، وقد رافق لفظها وحركةَ قدمها رسمٌ انطبع على شفتيها ناطقاً بالتحذير من مغبَّة الجهر، مع أن صوتي كان خافتاً كصوتها لا يقدر أن يسمعه غريبٌ ليس من شلَّتنا إلا إذا كان جالساً إلى طاولتنا.
سكتُّ وقد ألاح في خيالي طيفُ لميا المسكونةِ بالخوف المزمن من كلِّ نقدٍ صريح أو مستترٍ مبطَّن يُسرِّحُ مشطُه مفرِقَ السلطة.
في تلك الجلسة ساورني الارتيابُ في علاقة دنيا بخالد. فكرت فيها كما لم أفكر فيها من قبل. حاولت أن أفهم سرَّ علاقة ابنةِ التاجر الثريّ أحمد الناشد بابنِ فلاَّحٍ من قرى إدلب يتضوَّر عُدْماً، ولكن من غير جدوى. لغزُ علاقة دنيا بخالد ظلَّ فهمُه عصيَّاً عليّ. وقد ظلَّ كذلك حتى كشفت لي دنيا عنه الغطاء الذي كان يستره عني. كشفته حالَ انهيار علاقتهما إثر تخرُّج خالد من الجامعة والتحاقه ببعثة دراسية إلى لينينغراد على نفقة حزبه السرّيِّ المحظور حزبِ الفقراء.
صارحتني دنيا يومذاك بأن علاقتهما لم تكن متكافئة.
دنيا كانت تحب خالداً حباً صادقاً. كانت تحبه في كل آن تكون فيه معه، أو تكون فيه بعيدة عنه. وكانت دنيا تأمل أملاً نقياً نقاءَ قلب طفلة في أن يقترن بها خالد. أما خالد فكان يحبها حين يختلي بها. فكرة الزواج منها، مذ بدأت علاقته بها، كان استبعدها عن خاطره. وهي مع علمها بذلك، لم تستطع أن تتحرَّر من جبروت حبه المستعبِد المذلّ إلا بعد أن غاب عنها، وعلق قلبُها بحبائل عشقٍ جديد مأساويّ محرَّم، نصبها لها زمانُها الأرعن.
في وسعي أن أفهم لماذا تتزوج امرأةٌ رجلاً من غير أن ترتعش وريقات قلبها الخضراء الرقيقة من نسائم حبه، وليس في وسعي أن أفهم لماذا تحب امرأة رجلاً بعينه دون سواه من الرجال.
دنيا الناشد أحبّت خالداً، ولم يكن خالد أليقَ الشبان بها. أحبته، وهي تعلم أنه لن يتزوجها. وهي تعلم أن حبه لها أضعفُ من حبها له، وأن حبه لضعفه ينبئ بنهاية لن تتكلَّل بالسعادة المرجوَّةِ من قبلها.
لماذا ربطت دنيا قلبها عن حبِّ خلدون فنصة؟ لماذا أشاحت بقلبها عنه، وكان خلدون اعتلق بها، أحبها إلى حدِّ الشغف، وكاشفها بحبه، وأبدى لها عن استعداده للزواج منها في الحال قبل تخرجهما من الجامعة، وقبل أن يُستدعى لخدمة العلم؟ وخلدون إذا ما قورن بخالد تفوَّق – في نظري ونظر الكثيرين من أصدقائنا ومعارفنا - على خالد في كل صفة من صفاتهما، وفي كل خصلة من خصالهما.
هل يدري أحد لماذا أسبغت دنيا واسعَ حبها على خالد، وقتّرت حتى برُمقةٍ منه على خلدون فنصة؟
لا أحد يدري! دنيا هي أيضاً لم تكن تدري.
وليست دنيا هي التي قصّت عليَّ حكايةَ شغفِ خلدون بها. دنيا كانت رغم ضعفها العاطفيّ المخجل، كانت رغم هذه المفارقة اللامعقولة في تكوينها النفسي، ذاتَ شخصية قويةٍ... ممتلئةً ثقةً بالذات إلى حدّ الغرور، حدِّ الازدهاء. لم تكن توجل من أن تبوح بأسرارها وأسرار مَن يودعها أسرارَه من المقربين إليها. ولقد كنت مخطئاً حين ظننت أنها كانت خافت، إنْ هي حكَت لي أو لغيري عن حبه العاثر لها، أن تخدش اعتداد خلدون بكرامته أمام أصحابه. إذ إنَّ شخصاً له مثل ما لخلدون من معمارٍ نفسانيّ، لا بد أن يشعر بكرامته تنخدش إذا ما افتضح حبُّه لفتاة ترفض حبَّه. وليس خلدون في هذا متفرداً، فأكثرنا تنخدش كرامته في هذا الموضع. ولكنها لا تنخدش إذا كان العكس؛ أي أن تحبه فتاة لا يحبها. بل إن ذلك يكون مدعاة عنده للزهو والافتخار.
خالد أيضاً لم يكن هو الذي قصَّها علي. من قصها علي هو خلدون فنصة. خلدون بلسانه روى لي حكاية شغفه بدنيا. رواها لي بحرقةِ المجروح بمديةِ حبٍّ من طرفٍ واحد. حدثني، والألمُ يرشح من مسامات جبهته الواسعة، كيف لاعَه حبُّها، ثم كيف نثر على قدميها جواهر قلبه النفيسةَ، ولم تنحنِ دنيا لالتقاطها.
خلدون كان أفرغ زجاجتين من بيرة الشرق يوم حدثني، لأول مرَّة وآخر مرة، عن معاناته المرهِقة في عشق دنيا، ونحن نتناول شواءً ذاتَ غداء في مطعم آكوب في حارة (بستان كل آب) إن لم تخني الذاكرة. وما إخال أنه كان، رغم ثقته المفرطة بي، سيُسِرُّ إلي بقصة حبه، لولا أنه كان أفرغ زجاجتين تسَعُ كلُّ واحدة منهما ليتراً شراباً أصفر.
كلما مرت في خاطري ذكرى دنيا أحمد الناشد، ساقتني الذكرى إلى التفكير بالبداية، ببدايةِ حياتها. حياةُ دنيا بدأت في لحظة من الزمان، كبدء اشتعال النار في فتيل شمعة خالي المرحوم عازار، ثم انطفأت في لحظة أخرى بنفخةٍ من عوادي الزمان.
بالزمان كان بدء حياتها، وبالزمان كانت نهايتها. فهل من شك في حقيقة أنَّ حياة دنيا كانت زماناً في زمان؟ قطُّ ما كان لدنيا الناشد أن تكون دنيا التي عرفناها، لولا الزمان.
الزمان حرفٌ، حروف. ولا أدري أين ورد هذا التعريف للزمان؟ في أي كتاب؟ نسيت، لست أذكر حتى اسم صاحبه. هو ألفٌ إلى الياء... أبجديةٌ تكتب روايةَ حياتنا مثلما تكتب أحرفُ الجينات هيئتَنا، صورتنا الخارجية، وطباعَنا. إنه الأبجدية التي تكتب تقلباتنا، تموجاتِ سيرورتنا، انعطافاتِنا الحادّةَ والمنفرجة، ونحن نعبر مسالك الحياة ما ضاق منها، وما اتسع.
وإنَّما بأحرف هذه الأبجديَّةِ السحرية اللامرئية، انكتبت أيضاً أوّلُ انعطافةٍ حادّة دامعة أليمة في حياتي.
……..



#نعيم_إيليا (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البعد الفلسفي لفرضية الانفجار الأعظم
- محاورة ملحد الكريتي
- ثالوث الديالكتيك الماركسي
- الطعن على رأي الأستاذ منير كريم في الديالكتيك والمادية
- دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 8
- الزمان بعداً رابعاً
- سُلَّم الوجود
- مشكلة النسبية
- ميزتا التعليق والتصويت في صحيفة الحوار المتمدن
- دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 7
- الإلحاد والتطرف
- إفسادُ منطق الإمكان
- دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 6
- أخطأ الرئيسُ ماكرون
- دوَّامةُ النَّهرِ الكبير 5
- دوّامة النهر الكبير 4
- الواجب الوجود بغيره
- فذلكة فلسفية لأطروحة ماركس الحادية عشرة
- دوّامةُ النهر الكبير (3)
- دوَّامةُ النهر الكبير (2)


المزيد.....




- فادي جودة شاعر فلسطيني أمريكي يفوز بجائزة جاكسون الشعرية لهذ ...
- انتهى قبل أن يبدأ.. كوينتن تارانتينو يتخلى عن فيلم -الناقد ا ...
- صورة فلسطينية تحتضن جثمان قريبتها في غزة تفوز بجائزة -مؤسسة ...
- الجزيرة للدراسات يخصص تقريره السنوي لرصد وتحليل تداعيات -طوف ...
- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- الأربعاء الأحمر -عودة الروح وبث الحياة
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دوَّامةُ النَّهرِ الكبير 9