أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دوّامةُ النهر الكبير (3)















المزيد.....

دوّامةُ النهر الكبير (3)


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 6398 - 2019 / 11 / 3 - 19:18
المحور: الادب والفن
    


ترى كم سيبلغ حجم كتاب الحب، وكم سيبلغ عدد ملازمه ومجلداته وأجزائه، لو جمع الحب في كتاب؟ وكم عاماً سيستغرق جمعه، لو قام باحث جلود منقطع إلى البحث فيه، ليتقصى بهمة صلبة صلابة الحديد المعالَج كلَّ ما قد قيل فيه على مرّ العصور، في كل ثقافات البشر؟
الحب؟
ما قد قيل في الحب غزير كثير! إنه أكثر وأغزر من كل ما قد قيل في شيء آخر أي شيء، أو ما قد قيل في موضوع آخر أي موضوع. وسيكون أيضاً - في تصوري وتقديري - أكثر من كل ما سيقال في الأشياء المادية وفي الموضوعات الممكنة مما يتصل بالوجود الإنساني هذه التي لم توجد بعد.
كلُّ الأشياء المجردة والجامدة، وقد قيل فيها ما قد قيل، وكل الأشياء والموضوعات الممكنة التي لم توجد بعد، والتي سيقال فيها وعنها ما سيقال، ليست بالمقارنة مع الحب أقلّ منه إحصاءً وحسب، بل هي بإزائه كالمعين ينضب ويجف إذا احتبس القطر. فأما الحب، ولو أمحل القطر، لا ينضب ولا يجف إلا بفناء البشر منبع الحب ذاته.
ما هو الحب ليكون هكذا كما هو كائن؟
قد أدري أنه شرط من شروط بقاء الإنسان على قيد الحياة إذ يمهد لغريزته الجنسية أن تحقق ذاتها في نصفه الآخر على أكمل وجه. وهو، وفق هذا الاعتبار، شرط (عام) يحفظ للإنسان، بما هو نوع من جنس الحيوان، وجودَه من الانقراض. وما كان شرطاً عاماً، إن تخيلناه نبعاً، فلن نستطيع أن نتخيله إلا وهو ينبع نبوعاً لا ينضب ولا يجف، ولو ألقى عليه المحل بكلكله؛ وذلك لأن ما كان من الأشياء أو المعاني شبيهاً بنبع لا ينضب ولا يجف، فهو سُنّة (قانون) من سنن الطبيعة. وسنن الطبيعة، كما هو معلوم، ثابتة راسخة موضوعية تقع خارج الذات البشرية، كما قد تكون ذاتية تقع في داخل الذات البشرية في صميم خلاياها (جيناتها). ومن المعلوم أيضاً أن سنن الطبيعة المزروعة في صميم خلايا الذات البشرية، يمكن للإرادة البشرية أن تشكمها فتخضعها لسلطانها في حالات استثنائية يتاح فيها للإرادة البشرية أن تشكمها وتخضعها لسلطانها.
ولكن الإرادة البشرية، وإن استطاعت أن تخضع سنة أو غريزة داخل الذات البشرية لسلطانها، فهي عاجزة عن استئصالها وإلغاء فاعليتها كل الإلغاء.
أبسط مثال على هذا، أكلُ اللحوم. فأكل اللحوم لدى البشر سنة (غريزة) دمغتها الطبيعة على شريطهم الوراثي، ولكن البشر إذا شاءوا أن يعزفوا أنفسَهم عن أكل اللحوم؛ تحقق لهم ما شاءوا.
بيد أنهم إن لم يجدوا طعاماً يعوضهم بأكل اللحوم، عادوا إلى أكل اللحوم من جديد وإلا فإنه الموت جوعاً يتربص بهم. وبعودتهم إليها يقوم البرهان على صحة أن البشر عاجزون عن استئصال غرائزهم أو سنن الطبيعة المغروزة في نسيج جيناتهم.
وكذا مثال حب الذكر للأنثى، أو الأنثى للذكر. فإن هذا الحب وإن عرض له ما يعرض له عادة من الآفات من ذبول وانحراف وميل عنه، يستحيل على هذه الآفات أن تستأصله برمّةٍ. إن الحرف المطبوع على الشريط الوراثي، وإن أمكن أن يخربشه البشر، فإن محوه ليس في إمكانهم، إنه مستحيل عليهم.
وقد أدري أيضاً أن الحب شعور فردي خاص، بعد إذ هو شعور عام يخص النوع كله.. قد أدري أن الحب ينبجس في قلب فرد واحد من أفراد النوع البشري، فيتلون بألوان شخصيته، ويتخضب بسماتها المتفردة الخاصة. ولكني لست أدري، إن تفجر الحب مرة في قلب محب منا، هل يبقى هذا الحب المتفجر في قلبه يجري على الدوام متدفقاً من غير أن ينضب أو يجف، كما الحب الغريزي في النوع الذي ثبت أنه لا ينضب ولا يجف إلا بانقراض النوع؟
لو كنت ممن يعبأ برأي أبي تمام: „ ... وما الحب إلا للحبيب الأول " لكنت حتّمت ديمومته. ولكني لا أعبأ برأي أبي تمام؛ لأنني حين تأملته بروية وهدوء، استكشفت أنه جعل لديمومة الحب شرطاً غير لازم لتحققه هو ترتيبُه: فإن كان الحب في رأيه (أولاً) دام الحب، وإن لم يكن أولاً اندثر.
وبالرغم من أن هذا الشرط يبدو في الوهلة الأولى مقبولاً مأنوساً، فإن المرء إن عاد إليه ثانية فتأمله بروية أيضاً، وجده يستدعي سؤالاً سرعان ما يطيح به بعيداً.. سؤالاً يمكن أن يصاغ في العبارة التالية بدقة لا يشوبها غمضٌ: "أفي تجارب البشر أن الحب الأول إنما يحظى بالديمومة؛ لأنه أول؟".
وإنه لسؤال لو طرح علي، لما أجبت عليه بنعم. فلو قد سئلت بعد ذلك عن السبب لماذا لا أجيب عنه بنعم، لقلت في تفسيره: لأنه لما كان المعوَّل على قبول شيء، أو رفضه هو التجربة، ولما كانت تجارب البشر لا ترجِّح قبول هذا الشرط، كان لا معدى لي عن رفضه.
رب امرئ يتوهم أن في تجارب البشر، ما يصدِّق بصحة هذا الشرط (شرط الأولية) ويروح يتغنى مع أبي تمام بديمومة الحب الأول دون تحفظ أو تدبر. ولكن، لو أنه تدبر الأمر بروية، كما تدبرته أنا، لكان استطاع برويته أن يقشع عنه غمامة الوهم، وأن يدرك بتلك الروية حقيقة الأمر؛ حقيقةَ أن الحب الأول ليس هو الذي يدوم، وإنما الذي يدوم في الواقع، هو صدى هذا الحب في ذاكرة المحب، ما بقيت ذاكرة المحب بمنأى عن الفقدان، وعن خرف الهرم.
هو الزمن يحوّل الحب الأول إلى ذكرى من ذكريات يفوح من خميلتها مشموم الجمال.. هو الزمن يحوله إلى ذكرى ترشح من أردانها عذوبة ماضٍ قد اقتلع الزمن أشواكه.
ولأنَّ الذكريات تُستعاد، فإن ذكرى الحب الأول، عندما تستعاد، يتوهَّم المحب المستعيد لها، أنها هي الحب الأول كما كان يدفق به فؤاده من قبل أن تحول بينه وبين حبه الأول حوائلُ الفرقة والشتات.
هذه هي الحقيقة! إنها الذكرى ذكرى الحب الأول، الحب الأول الذي يموت بما هو شعور حي، وتظلّ ذكراه تختفق بنشوة الحياة، وتبقى ذكراه تستظل برائحة الماضي ذي النكهة المتأرِّجة مدة بقاء صاحب الذكرى بقيد الحياة.
ولا أدلّ على ذلك من أن الذين كان لهم حبُّ أول، وظنوا أنه باق لا يموت، ما إن أتاح لهم الزمن أن يلتقوا بالحبيب الأول، حتى أدركوا أن حكاية الحب الأول الذي لا يموت لأنه أول، ليست تتعدى في كنهها حدود الوهم.
وأنا؟
فإن لم يكن حبّ لميا؛ لأنه كان أولاً، سبباً في ديمومته، فما الذي صبغ حبها في قلبي بصبغة ديمومة عنيدة، ما نجح مسحوق الأيام رغم جودته في إزالتها؟
أهو الاستثناء الفريد الأوحد الذي يشذّ حتى عن قاعدة الاستثناء؟
لست أدري!
ولكني أدري أنني إذ أنعت حبي (الأول) بالبقاء بالديمومة، على الرغم من أن تجارب الحب الأول لدى جميع الناس، ليس فيها برهان على ديمومته، فإنما أتّبع في نعته نبض قلبي.
وقلبي بحب لميا ظل دائم النبض. وقد نبض كما كان ينبض به يوم كنا معاً أقنومين متحدين في ذات واحدة.
اثنتا عشرة سنة شُقّت من رزنامة العمر، سقطت كالأوراق من شجرة العمر إلى هاوية العدم.. اثنتا عشرة سنة مرّت على يوم صدتني لميا عنها صادفةً بوجهها عني، مرت علي دون أن أبصر ولا مرة غصن لميا الأملود بعيني، إلا في خيالي المستيقظ، أو في أحلامي الهاجعة.
ثم التقينا في اللاذقية.
على شاطئ بحر اللاذقية في مبتدأ صيف السنة الثانية عشرة على فراقنا التقينا بلا اتفاق. كان لقاؤنا لقاء مصادفة من أعجب مصادفات الأيام.



#نعيم_إيليا (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دوَّامةُ النهر الكبير (2)
- دوّامةُ النهر الكبير
- الرسالات السماوية
- صيغة التنزيه، برهان الطعن في المنزَّه
- نحن لا نخلق المعنى
- في حقيقة أن الأشياء تتغير ولا تتغير
- محاورة النرجسي
- وقول النصارى إله يضام
- الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس
- مأزق العلمانية
- ما بين الدين والأفيون من ضروب التشابه
- حقيقة ما جرى في قرية الفردوس
- مشكلة المعرفة لدى ايدن حسين. (دحض المثالية)
- ياء ميم، ياء ميم الست مريم وصاحبها كريم
- خالق الموجودات
- مارس وفينوس
- حَدُّ المادة وأصلها
- صلوات حب على مدار العام 2
- صلوات على مدار العام 1
- في البدء كان الكلمة 2


المزيد.....




- فادي جودة شاعر فلسطيني أمريكي يفوز بجائزة جاكسون الشعرية لهذ ...
- انتهى قبل أن يبدأ.. كوينتن تارانتينو يتخلى عن فيلم -الناقد ا ...
- صورة فلسطينية تحتضن جثمان قريبتها في غزة تفوز بجائزة -مؤسسة ...
- الجزيرة للدراسات يخصص تقريره السنوي لرصد وتحليل تداعيات -طوف ...
- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- الأربعاء الأحمر -عودة الروح وبث الحياة
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دوّامةُ النهر الكبير (3)