أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 6















المزيد.....



دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 6


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 6866 - 2021 / 4 / 11 - 15:31
المحور: الادب والفن
    


يتعذَّر عليَّ إلى اليوم.. إلى هذه اللحظة التي تتنفَّسني وأتنفسها، أن أعرف على وجه الدقة، على وجه اليقين السببَ الحقيقيّ في خروجي من الشقة إلى الشارع هكذا خروجَ المتسلِّل الهارب المستخفي.
كيف طاوعني قلبي أن أغادرها، ولميا لم تزل في الحمام تتدوَّشُ، وفي ظنِّها أنني أنتظرها لنغادرها معاً؟!
قد يكون في وسع طبيب مجرِّب من أطباء النفس، نِطّيسٍ كسيجموند فرويد، حكيمٍ بعيد النظر، قعير الرأي في أحوال النفس وتقلُّباتها مثل ابن سينا، أن يتعرَّف على السبب الحقيقي في خروجي من الشقة بتلك الحال الممضّة، وبذلك التساؤل المعذّب الُمكلِّ. قد أرجح - لو أني أعرض عليه حالتي - أن يفسّر السبب على أنه كان رغبة مني خفيَّة مطويةً في لاشعوري، في عقلي الباطن... رغبةً استهدفت الانتقام لكرامتي الجريحة حال أن عرضت لها الفرصةُ الملائمة للانتقام.
بيد أني – وإن كان تفسير حكيم النفس احتمل الصواب، وإن كان تفسيرُه بدا لكل مَن طرق التفسيرُ سمعَه، مقنعاً معقولاً بلا تثريب – ما كنت أستطيع، ولن أستطيع ما دمت أحيا، أن آخذ به؛ لأني لو كنت أخذت به، أو لو أني آخذ به، لكان تحتَّم عليَّ أن أرتاب في صدق عاطفتي تُجاه لميا؛ إذ كيف يكون حبي لها صادقاً في وقتٍ يخطر لي فيه بوعيٍ أو لا وعي، خاطرُ الانتقام منها؟
كيف ذلك حتى لو كنت تلقَّيتُ منها طعنةً فوق طعنة؟
ولأنّ الأفكارَ والخواطر والأمثال والتساؤلاتِ، كثيراً ما يستدعي بعضها بعضاً، كما هو معلوم، إذا بمَثَلِ أيُّوبَ الملقَّبِ عندنا بالبارّ يحضرني على غير توقع مني أوِ انتظار؛ فأروح أتساءل في الوقت، كما أتساءل الآن بعد مرور كل هذه الأيام والأعوام، لا تساؤل الحائر المتوجّع المضطرب، بل تساؤل الراغب في تحقيق وتوثيق فكرة جليلة بمثال أيوب الذي هو في ظنّ هذا المتسائل الراغب كالبيّنة التي لا يمسُّها ريبٌ: ترى أكان لأيوب أن يكون بارَّاً، صادق الحبّ، مجدول الإيمان، لو كان خطر له أن يجدّف على ربّه سراً أو علانية، إذ هو يتجرع عذابات تجربته المروعة التي ما تجرع مثل عذاباتها بشرٌ من قبله، والتي قد لا يتجرع مثل عذاباتها بشر من بعده؟
وما كان تساؤلي عابراً. فإنه ما إن خطر في ذهني لحظةَ أن وضعت قدمي المثقلة بالغمّ على رصيف الشارع حتى بَرَك حيث خطر. وبأسرع من الخطفة استحال إلى باعث، وانضمَّ إلى جملة البواعث الأخرى التي كانت تتناهشني ليمعن معها في مَضّي وتعذيبي. ما كان أشدّه عليّ، وهو يقرعني تقريعاً يعلقم الدم في الأوردة، ويسوطني سوطاً بمضفور الندم، وأنا سائر على وجهي بعصبية محمومةٍ، بانفعالٍ راجف مختلج في شوارع المدينة، مدينة حلب، في أزقَّتها الضيقة القديمة المرصوفة بالحجر النافر، متنقلاً من حيّ إلى حي، من سوق إلى سوق، من ميدان إلى ميدان، بلا وازع، بلا توجيه، بلا مراقبة رشيدة من عقلي. فلكأنَّ عقلي كان فارقني!
كنت أسير على وجهي، على وجهي كنت أسير... ما ونيت عن السير وأنا على تلك الحال، حتى تنبَّهتُ فرأيتُني على مدخل سوق المدينة القديم من جهة القلعة، وقد تشنَّجت عضلات ساقيَّ، ودمّلَتْ قدماي، وأوشكتا أن تدميا.
أذكر أني إذ تنبهت في تلك اللحظة، كبحت قدميَّ عن المسير، ثم أطرقت برأسي هنيهة هامساً في ذهني المبلبل بهمسة المتخيِّر أمراً من أمرين: أأنكص عن المسير عائداً بسيارة أجرة إلى البيت بيتِنا في حيّ السريان الذي أمسى الآن بعيداً عن هذا المكان، أو أواصل السير على وجهي؟
وإذ كرهتُ إلا أن أسير على وجهي بلا هدف، بلا تخطيط، بلا تفكيرٍ عدا التفكير بمحنتي، تابعت سيري فخضت في السوق المسقوف المزدحم الطويل المضمَّخ برائحة التوابل، وبنكهة التاريخ متحاملاً على مجاديفي المنهكة المكدودة، حتى إذا قطعته وبلغت الجامع الكبير في حيّ الجَلُّوم، انحدرت منه مدفوعاً بلا قصد مني ولا إرادة إلى باب الفرج قلب المدينة.
أمام صالة الكندي لعرض الأفلام السينمائية، رأيت جماعة تجمهرت في انتظار أن يُؤذن لها بالدخول لمشاهدة الفيلم المعروض. اتجهت نحو كوة الحجز من غير أن أستطلع شيئاً من أمر ذلك الفيلم المعروض للمشاهدة.
مشاهدةُ الفيلم، لم تكن هدفي من الدخول إلى السينما.
وأنا متجهٌ نحو الكوة، تميَّزتْ لي بين جماعة المنتظرين، قامةُ خالد صفيّة الإدلبي. عيني لا تخطئ خالداً رغم كل شيء، لا تخطئه رغم غفلتي عما حولي، رغم انشغالي ببليَّتي. لشخصية خالد الخارجية علاماتٌ فارقة مميزة تفضحها أينما حلّت: شعره أسود كثيف منتفش كأهل الفن، نحيل يميل إلى الطول، يرتدي بدلة ليست تبدو على مقاسه تماماً، بنية اللون حائلته، ما رأيته يوماً ارتدى بدلة في غير لونها.
هو طالب في كلية الآداب مثلنا ولكنْ في قسم اللغة الانجليزية. إلا أن كونه طالباً في هذا القسم، ما منعه أن يكون واحداً من شلّتنا المعروفة هذه التي كان أفرادها دأبوا على أن يلتفّوا حول طاولة كأنما كتبت على اسمهم في منتصف كافيتريا الكلية. من حسن حظي أنه لم يرني! كان خالد صفية منشغلاً بحديث مع شاب غريب عني لا أعرفه. خالد من هواة السينما المتطرفين، صاحبُ عضوية فاعلة في منتدى سينما الكندي. له محاولات في نقد الأفلام كان ينشرها في جريدة الجماهير كل يوم جمعة، ويتقاضى عليها مبالغ زهيدة ما كانت تفي باحتياجاته. وأنى لها أن تفي باحتياجاته، وهو ابن فلاح معسر يقيم في (بنّش) من محافظة إدلب المجاورة، ليس يملك من أسباب العيش في قريته سوى شجرتي زيتون، وشجرتي فستق حلبي، ودجاجتين، وحمار أجرب، وفقاً لقوله هو في وصف حالته المعيشية؟ ولهذا فإن خالداً كان يضطر في كثير من الأحيان إلى الاستدانة مني، وممن كان على شيء من اليسار من أفراد شلتنا.
لو أن خالداً رآني، لتمسَّك بي تمسُّكَه بفكرة تجديه وتنفعه - كنت واثقاً إلى حد بعيد من أنَّ الحرف (لو) كان سيسفر عن النتيجة التي تفاديتها قبل حصولها، لو أن شرط لو، وهو الرؤية، كان تحقق. أقول هذا مع أنني أدرك أنه لا ينبغي للمرء أن يثق من أمرٍ كهذا الأمر ثقة بعيدة المدى إلى هذا الحد - ولكان خالد، وقد تمسك بي، ألقى في أذني عن الفيلم بحديث محبَّرٍ كان سيطول كالمألوف إلى حدّ الإملال.. لكان حكى لي عن صناعته، عن إخراجه، عن ممثليه، عن موضوعه، عن فكرته، عن قيمته الفنية. ولكان حديثه – وهنا الطامة - أخرجني من دائرتي المنغلقة على نفسي، نفسي التي كانت تلوك بصمت كآبتها المعتلة المرة المريضة. وأنا ما كنت أحبُّ ساعتها أن أخرج من حدود تلك الدائرة على مرارتها، شأنَ الرومانسيين ذوي الحس المرهف، والمشاعر المتوقدة أولاء الذين تحدّثنا آثارُهم الأدبية، كما تحدثنا أقلامُ دارسي آثارهم الأدبية من أشعار وروايات وفنون أخرى – وكنت في بدء مراهقتي مفتوناً بها أيّما افتتان - أنهم كانوا يستعذبون هذه الحالة وقد غشيتهم؛ لأنها كانت في حسبانهم مصدراً من مصادر وحيهم وإلهامهم... وأنهم كانوا يرون إليها كما يرون إلى شعلة النار تصهر المعادنَ الثمينة فتنقّيها مما علق بها من شوائب وأخلاط.
بنشاطٍ تنغَّش في قدميَّ من المصادفة غير المستحبَّة، ارتددتُ عن الكوّة قبل أن أصل إليها فيراني خالد. وبذاك النشاط عينِه، تابعت سيري بخطوات واسعة وباستقامة المتعجرف غير ملتفت يمنة ولا يسرة حتى بلغت صالة سينما الزهراء، فدخلتُها.
ولأن سيرة خالد تحتل حيّزاً في ذاكرتي المغرمة بتسجيل مصائر البشر ممن جمعتني بهم الحياة على مائدتها المكتظَّة بالأحداث والصور والأفكار والمواقف والعبر؛ فليس يهون على ذاكرتي أن تغادر سيرته من دون أن تستطرد قليلاً في الحديث عن جوانب منها ما زالت ظلالها تتراقص على جدرانها:
بعد تخرجنا من الجامعة، تفرق أفراد شلتنا في دروب الحياة المتشعبة تفرقاً سيحول دون أن ألتقي بهم لا في حلب ولا في أي مكان آخر من سوريا باستثناء خلدون فَنْصَة، والرسامة دنيا أحمد الناشد.
خلدون بصدور قرار تعيينه مدرساً للغة الفرنسية في ثانوية المأمون بحي الجميلية، استقر به المقام بين أهله في حلب المدينة. كانت هذه أمنيته وتحققت. وما حققها له حظُّه كما ادعى. وإنما الفضل في تحقيقها يرجع لشخصية مرموقة من عائلته كانت تقلدت منصباً رفيعاً في جهاز خطير من أجهزة الدولة الحساسة. هذه الحقيقة سترها عني خلدون، لكن دنيا ستكشفها لي، عن غير قصد، حين أنعي لها حظي العاثر وقد طوَّح بي إلى مكان قصيّ ناءٍ مدرساً للغة الفرنسية، وقبل ذلك حين طوح بي مجنداً في خدمة العلم إلى الخطوط الأمامية في أبعد نقطة من الصنمين في محافظة درعا، وحين أغبط خلدوناً على حظه الباسم الميمون إذ أقرَّه في حلب بين أهله، وأغبطه إذ أجلسه ملازماً مجنداً على كرسي متحرك في غرفة مكيفة في إدارة التوجيه المعنوي بدمشق.
في أوقات متقطعة من عطلاتنا المدرسية وخصوصاً عطلة الصيف الطويلة التي أقضي معظم أيامها في حلب بين أهلي وأصحابي القدماء، ألتقي بخلدون فنصة في مقهى البرازيل بشارع بارون، أو في مقهى القصر في المنشيّة بموعد مضروب أو بالمصادفة.
في لقاء من من لقاءاتنا، نقل إليَّ خلدون نبأَ حصول خالد على منحة دراسية على نفقة الحزب الشيوعي السوري إلى لينينغراد بعد تخرجه من الجامعة للتخصص في مجال من مجالات الفن السينمائي؛ لعله الإخراج حلمه الأكبر. وخلدون هو الذي سيخبرني أيضاً في لقاء آخر - نقلاً عن دنيا أحمد الناشد - أن خالداً تزوج امرأة روسية، ذهبية الشعر، لكنه لم ينجب منها، فطلقها ولمَّا يمضِ على عودته من لينينغراد سوى أشهر لم يتجاوز عددها عددَ أصابع اليد الواحدة.
دنيا، كانت صديقة خالد يوم كان خالد طالباً في كلية الآداب. ودنيا هي ابنة التاجر المعروف أحمد الناشد. والدها أحمد الناشد - على ما حدثتنا دنيا - نشأ في (حارم) عاش فيها حتى توفي والده جَدُّها. فلما توفي، صمم والدها على الهجرة من حارم إلى حلب. وإذ إنه كان ورث عن جدها بستان مشمش وأملاكاً غير البستان، فإنه باع أملاكه لأخوته أعمامها. ثم بما تحصَّل له من المال من بيع أملاكه لهم، اشترى لأسرته المكونة من ابنين وأربع بنات صغراهن دنيا، شقةً كبيرة في حي سيف الدولة في عمارة حديثة مجاورة للعمارة التي يقيم فيها خلدون، وأنشأ بذاك المال متجراً لبيع صابون الغار بالجملة والمفرق في السُّوَيقة سرعان ما راجت تجارته رواجاً محسوداً.
دنيا كانت مدلَّلة من أبويها، حسبما روت لنا، وما أكثر ما كانت تروي لنا دنيا فصولاً ومقطعات من حياتها وحياة أسرتها! عاشت، وهي الرسَّامة البارعة المتألقة، حياة الفنانين الطليقة المتدفقة بأحلام شعرية مبتورة الجذور بواقعها. كان لدنيا طبع كطبع (لميا) يستحثه أبداً نزوعٌ لا يقاوم إلى رفض ما قد درج الناس عليه من طرائق التفكير الغثة، ومن السلوك الرثَّ - في نظرها – إلى حدِّ أن دفعها ذلك إلى التمرد الجريء على كل ما قد كان تركّز في بيئتها من تقاليد وأصول مرعية مما لا تراه هي حقيقاً بالاتباع. لكن نزعة الرفض والتمرد فيها، والتي ستكون سبباً في نكبتها، لم تبرد في صدرها جمرةَ الأمل بالزواج من خالد مدة دوام علاقتها به. دنيا هي التي اعترفت لنا بذلك. وأنا من جانبي أعترف بأني عجزت، وما زلت عاجزاً، عن فهم هذه المفارقة في نفس دنيا الموّارة بالتمرد !
لم أفهم لماذا لهثت رغبةُ دنيا وراء الزواج بخالد؟
لم أفهم كيف أمَّلتِ الزواجَ به وقد صارحها مذ بدأت علاقتهما أنه لا يرجو من علاقته بها أن تنتهي إلى الزواج؟
لم أفهم ما الذي يدفع بامرأة مثل دنيا تستخف بمؤسسة الزواج إلى أن تلهث وراء الزواج؟!
ولقد حرَّك تطليق خالد لزوجته الروسية، غريزة حبِّ الاطلاع فينا. أحببنا أن نعرف الدافع الحقيقي إلى تطليقها. تساءلنا خلدون وأنا: أيكون الطلاق، نتج حقاً عن السبب الذي ألمح به خالد لدنيا الناشد؟
فأما دنيا، وهي أعرف به منا جميعاً، فلم ترجّح أن يكون عقم زوجته الروسية – إن كانت حقاً هي العقيم – سببَ تطليقه لها، بل نفت ذلك نفياً قاطعاً أكثر من مرة في لقاءاتنا. إلا أن أشدّ ما أثار اهتمامنا وحرك فضولنا، هو ما أسرّته دنيا إلينا عن زوجته الروسية بعد تطليقها.
أخبرتنا دنيا في إحدى جلساتنا أن مطلقته احترفت الرقص في النوادي الليلية في الشام العاصمة وفي بيروت وعمان، وأخبرتنا أيضاً أنها اشتغلت، إلى جانب الرقص، في التجسس لصالح قوى خفية متصارعة داخل سوريا.
الغريب في الأمر، أننا لم نطلب من دنيا أن تذكر لنا أيّ قوى هي هذه التي تتصارع في سوريا في الخفاء، ولم نطلب منها أن تذكر لنا لصالح أي جهة من الجهات المتصارعة في الخفاء، تتجسس مطلقة خالد الروسية، ولا طلبنا منها أن تذكر لنا المصدر الذي كانت تستقي منه معلوماتها عن مطلقته. لم يخطر لنا قط في بال، على تشددنا في طلب الأدلة والشواهد والبينات ممن ينقل إلينا شيئاً من الأنباء والإشاعات، أن نطلب من دنيا أن تضع بين أيدينا مصدراً موثوقاً به يؤكد صدق الأخبار والمعلومات المستمدة منه. كنا نصدق دنيا، نصدقها بلا تردد. ما حدث قط أن جال في أنفسنا تكذيبُ ما تشيعه من أخبار مطلَّقةِ خالد، ومن أخبار خالد أيضاً. ثقتنا العارمة بدنيا، كانت طردت من أعبابنا فئرانَ الريبة والشك.
حاول خالد محاولات مرهقة - وربما مذلة أيضاً - أن يجد موطئ قدم له في عالم الفن والتمثيل في العامين اللذين أنفقهما في الشام متسكعاً دون عمل عالةً على صهره زوج أخته (راوية) كبرى شقيقاته. لكنه لم يوفق فيما بذله هناك من محاولات مضنية.
خالد وحيد أمّه على رأس خمس شقيقات؛ ولأنه وحيد أمه أعفي من أداء الخدمة الإلزامية. وبإعفائه منها، سيغنم خالد – بخلافنا نحن - ثلاثَ سنوات وأكثر من سنوات عمره الفتيّ مجاناً بلا مقابل. ومع ذلك فإن خالداً، كما أكدت لنا دنيا، لم يفد شيئاً مما غنمه.
على أن خالداً إن تكن ظروف عيشه في سوريا ضنَّت عليه بالكثير من الخيرات المستحَقَّة، فإنها لم تضنَّ عليه بتأشيرة خروج من سوريا إلى أمِريكا، أمريكا الدولة (الامبريالية) التي كان يبغضها أشد البغض، ويعاديها أقذع المعاداة.
كيف تمكن خالد من الحصول على تأشيرة هجرة إلى أمريكا الدولة الامبريالية في وقت كان حصول السوريين عليها يبدو لنا مستحيلاً؟
لا أحد يدري على وجه الثبوت، حتى دنيا الناشد ما درت كيف تحقق له ذلك. وإنما خمّنا تخميناً أن تكون مطلقته وراء حصوله عليها.
لكنَّ سؤال الحصول على التأشيرة، لم يشغلنا قدر ما شغلنا السؤالُ: كيف استطاع خالد أن يوفق بين كرهه لبلدٍ عدوّ، وبين هجرته إليه طوعاً واختياراً؟! فإن اختيار بلد للهجرة وطلب الانتماء إليه، اعترافٌ من المهاجر - أدرك المهاجر ذلك أم لم يدركه – بأن هذا البلد المكروه منه، محبوبٌ منه أيضاً لكثرة ما فيه من خيرات – والخيرات محبوبة أينما كانت – ولكثرة ما فيه من فرص طيبة لعيش كريم رغيد، لو كان لها وجود في بلده، أو في البلدان التي تربطه بها روابط الايديولوجيا السياسية، ما سعى إلى الهجرة إليه.
"تناقض معيب!“
أطلق خلدون حكمه على موقف خالد، ثم عجل فاستدرك : "لكن خالداً لن يثقل عليه أن يبرر هذا التناقض، أن يخدع ذاته عنه، قبل أن يخدع سامعه كعادته بألفاظ منمَّقة مطليَّة بزخارف خاوية من الفوائد".
أما دنيا فتساءلت عقب ذلك، وشعورٌ كشعور المستسلم أمام حقيقة لا مردَّ لوقوعها، يتمثَّل في عينيها المكحَّلتين تكحيلاً مبتكراً حلواً جريئاً: "أي معنى للتناقض بالإضافة إلى رجل مثل خالد لا يعدم تبريراً لتناقضه؟“.
في يوم صيفي آخر تذاكرنا، دنيا وخلدون وأنا، مسألة التناقض (المعيب) في شخصية خالد صاحبِنا في مقهى القصر، وكنا التقينا فيه بدعوة من خلدون وجهها إلينا بالهاتف. خلدون ينحدر من أسرة شركسية مسلمة سنية محافظة، إلا أنَّ انحداره من هذه الأسرة، ما حمله يوماً على أن يخفي إعجابه بالثقافة الغربية، ولا حمله على أن يخفي تعلقه بها، وإيثاره لها حتى على ثقافته الأصلية. قد لا أجانب الصواب في تقديري إن أنا قدَّرت أنه لولا عيشه المنعَّم الخالي من المنغصات، ولولا برّه بوالديه، ولولا وجود قوة في السلطة تحمي ظهره، إذن لفكر بالهجرة إلى الغرب، وخطط لها، ونفذها كما يفكر أكثر أبناء جيلنا بها ويخطط لها ويجدُّ خفية في تنفيذها.
باتت الهجرة في أيامنا المقلقة قضية مشحونة بفكرة الخلاص. أجل، وإنه لمن الطبيعي أن تكون الهجرة مشحونة بفكرة الخلاص لدى أبناء بلد ينطبق عليه ما قد جاء في (باب الملك والطير قُبَّرة) من كليلة ودمنة: " شرُّ البلاد بلادٌ ليس فيها أمْنٌ وخصب، وشرُّ الملوك الذي يخافُه البريءُ".
مذ عرفت خلدوناً، عرفته ينزع في التفكير، وتحليل القضايا الاجتماعية الشائكة المعقدة، وكذلك الأحداث السياسية الجارية من حولنا، منزعَ الليبراليين ممن نالت عقولهم حظوظاً طيبة وفيرة من حرية فسيحة ممتدة لا تكبلها قيود. لذلك لم يثر دهشتي أن أسمعه يعلق يوماً على الصورة التي رسمتها دنيا الناشد لزوجة خالد الأمريكية الجديدة بغلظة ما عهدتها فيه: "لا أكاد أصدق.. كيف ذلك؟! امرأة أمريكية تتخلى عن حقوقها المكتسبة بالنضال والتضحية لتهبط إلى مستوى امرأة مستعبدة من عالمنا الثالث لا تفهم سوى لغة الوطء؟! وعلى يد أي رجل من الرجال؟ على يد مهاجر، تاجرِ كلامٍ، كحيانَ هاربٍ من عالمه المتخلف القبيح، ولاجئ إلى عالمها الحر الجميل! صدق والله من قال إن المرأة أُخِذَت من ضلع الرجل ".
كما لم يثر دهشتي أنّ دنيا لم تغضب عقب أن سمعته يصادق على الرأي القائل إن المرأة خلقت من ضلع الرجل. كانت دنيا على علم مسبق بأفكار خلدون. ولولا ذلك، لولا أنها أدركت في تلك اللحظة كما أدركت أنا، أن خلدوناً ينفّس بهذا القول الجارح في المرأة عن كربه.. عما أجَّ في صدره من سخط ناتج عن خيبة أمله، وهو يرى كيف تهدر حقوق المرأة وكرامتها بيد المرأة ذاتها؛ لقامت له فأرغمته بالحجة على التراجع عن رأيه.
لكن دنيا إذا كانت لم تغضب، فإنها لم يفتها أن تغتنم المناسبة لتوقظ انتباهنا – ولم يكن انتباهنا غافياً - إلى أن المرأة إن أحبت رجلاً حباً صادقاً حاراً مخلصاً، وهبته أنفسَ ما في حوزتها من مقتنيات مادية ومعنوية بسماحة وطيبة خاطر. قالت لنا بلهجة صبغتها بتوكيد لا يقبل المراجعة والتعليق: "إنه الحب… فالكرامة في معجم المرأة المُحِبّة العاشقة، لفظ حوشيٌّ مهمل نادر الاستعمال. المرأة إن عشقت، ربما داست على كرامتها في علاقتها بمن تعشق، كما تدوس الأم على كرامتها في علاقتها مع أبنائها الذين تحبهم حباً أقوى من حبها لنفسها. هل ستسألانني الآن لماذا تدوس المرأة على كرامتها؟ كلا، لا تسألاني، سأترك لكما الجواب عن السؤال، فأنتما أدرى مني به“.
لكنّ دنيا لم تترك لنا أن نجيب عن السؤال، سبقتنا إلى الجواب عن سؤالها، قالت: „ إنه الإيثار، إنها التضحية. فما الحيلة والإيثار طبع من طبائع المرأة المستقرة في حمضها النووي؟...“.
فعقبت على جوابها بقولي:
- ليس كل ما هو مطبوع في الحمض النووي، يعجز الإنسان عن تجاوز طاعته، لكأنك تلتمسين العذر لضعف المرأة المكتَسَب من ظروف عيشها.
- معاذ الله!
سألتها:
- أليس الرجل أيضاً إن أحب حباً صادقاً، آثر التي يحبها على نفسه؟
- بلى
- إذن فالحمض النووي، لا يصلح أن يكون دليلاً على خضوع المرأة للرجل، ما دام يشمل الجنسين.
- سليم رأيكَ. وإنما أردت أن أبين سبب خضوع المرأة للرجل، فأخطأت في التبيين.
ردت دنيا، ثم نهضت عن كرسيها لتسوّي تنورتها.
أذكر أنّ خلدوناً احتدّ في نهاية تلك الجلسة، كما أذكر أنه توجه إلي فطلب مني تفسيراً لتناقض خالد – بالطبع فإن خلدوناً ما طلب مني تفسيراً لتناقضه؛ لأنه كان يجهل تفسير تناقضه، وإنما طلبه لأنه كان راغباً في أن أساند رأيه – قال لي: " بالله عليك، إلا فسرتَ لي سلوك امرئ يهاجر إلى بلد يراه عدواً له بنظمه وثقافته، ولكنه مع كل هذا العداء له لا ينزّه كرامته عن طلب اكتساب جنسية عدوه ! "
فجعلتُ أبسط أمامه توضيحاً - وكنت اطلعت عليه مؤخراً في كتاب لعالم فرنسي بارز من علماء النفس المعاصرين - لمفهوم التبرير بما هو وسيلة يلجأ المبرِّر إلى الاستعانة بها لكي يميط التهمةَ عن ذاته، عن (أناه) بما تنطوي عليه أناه من أثرة. وأذكر أني توسعت في الشرح حتى قلت: إنَّ (أنا) كلٍّ منا، تهفو لامتلاك خيراتٍ تصون بها وجودَها من السقوط في مزالق الضيق والعوز، أو تصونه من الخراب والهلاك. فإذا كانت وسيلة الأنا في امتلاك الخيرات غير سويّة، نهدت الأنا إلى أن تظهرها سويّة بكل ما قد احتازته هذه الأنا من أفانين الكذب والخداع. إن منفعة الأنا لفوق كل اعتبار، ودين، ورأي خاص، وايديولوجيا سياسية، بل إن البشر لا يلْتَكِدون ويلزمون أديانَهم وإيديولوجياتِهم إلا لأنهم يعتقدون أنها المنهاجُ إلى خيرهم وسعادتهم.
غير أن خلدوناً لم يبدُ لي مقتنعاً بصحة ما بسطت أمامه من الرأي في هذا الشأن. تجلى لي ذلك في ابتسامته المبتسرة المتقلصة، ونظرته الهاربة، وطريقة نفثه لدخان غليونه في فضاء المقهى. وقد أظن أنه عَدّ ما كنت عرضت أمامه من رأي عالم النفس تسويغاً مني للتناقض القبيح في شخصية خالد الفكرية.
ودنيا الناشد هي التي أخبرتنا أنها اجتمعت بخالد بعد غيبة طويلة، دامت ما لا يقل عن سبع سنوات اجتماعاً مفاجئاً في صالة المركز الثقافي في إدلب. وكان المركز الثقافي أقام فيها مهرجاناً للفنون والآداب احتفالاً بعيد الجلاء في تلك السنة. شاركت دنيا في هذا المهرجان مع فنانين من زملائها الرسامين من حلب وإدلب. كان خالد في هذا الوقت، جاء من مغتربه لزيارة أهله في (بنّش) تصحبه زوجة أمريكية جديدة محجَّبة، ترطن بالعربية، بيضاء اللون، ذات عينين خضراوين، وثوب مبالغ في حشمته سميك فضفاض طويل حالك السواد، حتى ليخال من يراها بثوبها أنه يرى – بلغة دنيا الناشد - امرأة من حارة منغلقة على تقاليدها الموروثة من قرون وقرون كالكَلاَّسة وباب النيرب من حارات حلب الشعبية.
ولأنها (دنيا !) الرسامة الشبيهة بالنسر في حدة الإبصار، لن يفلت من قبضة إبصارها - إن صح التعبير - حتى أتفه ما طرأ من مستجدات على شخصية خالد الخارجية والداخلية. سترسم لنا دنيا بما اتصفت به أيضاً من طلاقة اللسان، وخفة الظل، والميل إلى الدعابة، صورته الجديدةَ داخل إطار من الجد والسخرية:
„ امتلأ خدُّه، تورَّد لونه، صفا إذ جرى فيه نسغُ النعمة. صار زيُّه على طرز يجاري أذواقَ شبان العصر ببساطته ولكن بجودته، وفحش ثمنه، وتناغم ألوانه، بعكس زي زوجته. بنطاله بنطال راعي بقر، جينز أمريكي أصلي، وقميصه (تي شيرت) أصفر اللون، مطبوع على صدره رسم صارخ الأناقة، وكتابة مزركشة بحروف لاتينية. حذاؤه خُفّ رياضي من أشهر الماركات العالمية ناطق بالنظافة والمتانة وجالب للراحة. من كتفه تتدلى حقيبة صغيرة أنيقة تخفي أشياءه الخاصة، وتصون أوراقه وجواز سفره، وآلةَ تصويره. شعره قد سبِط على تسريحة من أحدث تسريحات شبان اليوم. أسنانه في بياض الكِلْس. ذقنه حليقة بعناية لم تعهدها فيه، ينتشر العطر منه كلما تحرك فيه عضو. لسانه لانَ، وكثر في عربيته اللفظ الأجنبي. به، بلسانه اللين حدّث حديثَه عن آلة التصوير التي كانت بحوزته. كان الفخر، وهو يحدّث عنها، يومض بريقه في أحداقه، وكأنه هو صاحب هذا الاختراع. وأنا لا أدري! ما معنى أن يفتخر شخص مثله ذو ايدلولوجيا منحازة بشيء يملكه ولكنه ليس من اختراعه، ولا من اختراع قومه؟" .
فلما سألها خلدون:
- ألم…؟"
لم تمهله دنيا أن يتم كلامه، أدركت بفراستها طلبَه من الكلمة الأولى:
- بلى ، بالتأكيد يا عزيزي، وإلا فماذا تظن؟ نعم، قد سألني (ألم تتزوجي بعد؟) بل جاء سؤاله هذا في رأس قائمة ما طرحه عليّ من أسئلة كثيرة. ولا إخاله إلا انبسط من جوابي: (وأيُّ الرجال عساه أن يتزوج بامرأة حرة؟) لأنه ربما تلمَّس في جوابي هذا عذراً يبرر عزوفه عن الزواج بي.
وبعدُ، أتراكما تجهلان أنه صار يقرض الشعر؟ إن كنتما حقاً تجهلان أنه صار يقرض الشعر، فاعلما الآن أنه صار يقرض الشعر. ولم لا؟ ما الذي يعوق امرءاً ذا موهبة ربانية كخالد عن قرض الشعر؟ أليس خالد مغترباً تقرض المعاناة وجدانه وكيانه؟ أليس مغترباً تؤرق الغربة مخدّته المندَّاة بالشوق والحنين؟ وما الغربة يا عزيزيَّ؟ ما الغربة إن لم تشحذ عواطفَه بمِسنِّها، وتنطقه شعراً ما أنطقته الحمدانيَّ في غربته المأسورة لدى الروم؟ …
قاطعها خلدون متفهكاً:
- وكيف رأيتِه يقرض الشعر؟
- كما يقرض فأرٌ سقط المتاع.
أجبتُ عن سؤاله بدلاً منها، فإذا وجه دنيا يزداد إشراقاً، فدلّني إشراقها على أنها وافقت على قولي، لكن جوابها الذي سيتلو جوابي مباشرة، جاء في صيغة من اللفظ وكأنها تبطن معنى يخالف قولي:
- لا بل يقرضه كما يقرضه شعراء ما بعد الحداثة.
مما أغراني بمعارضتها:
- ما بعد الحداثة!؟
- أجل، ما بعد الحداثة. ما لك؟ لكأنك تستهجن مصطلح ما بعد الحداثة، ما الغريب فيه لتستهجنه؟
- الغريب أني لم أفهم دلالة المصطلح. ماذا يعني لكِ مصطلح ما بعد الحداثة هذا؟
- الحداثة نقيض القدامة.
- أعلم أن الحداثة نقيض القدامة، ولكني أجهل دلالة مصطلح ما بعد الحداثة؟ أيّ معنى لما بعد الحداثة؟
- ما بعد الحداثة، حداثة بعد حداثة.
- فهما إذاً حداثتان. فأيٌّ منهما السابق وأي منهما اللاحق؟
- عن أي لاحق تتحدث وسابق بحق جِنّ عبقر وإله العصافير؟ أأنا أحدثك عن أبي ريشة أم عن شاعر مفلق من شعراء هذا الزمان!
- أعني: إن كانت حداثة تعقب حداثةً، فلابد حينئذ من أن تصير الحداثة الأولى ماضياً، وتصيرَ الثانيةُ حاضراً باعتبار الزمان، أليس الأمر كذلك؟
- بلا شك.
- فأين موقع وترتيب (ما بعد الحداثة) هنا باعتبار الزمان؟ أين موقعه من الماضي والحاضر والمستقبل؟
- أتأخذ الأمر مأخذ الجد؟ حسنٌ، فإن لم يكن موقع (ما بعد الحداثة) في الحاضر، فلا بد أن يكون موقع ما بعد الحداثة في المستقبل.
- إن صحّ قولكِ هذا – وقد صحّ - فهل لشاعر، ولو كان هذا الشاعر شاعرَنا المفلق خالداً، أن يدعي أنه نظم شعره في المستقبل؟ كيف ذلك؟ أينظم شاعر شعره في المستقبل ويذيعه على الناس في المستقبل؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يقرأ شعراً مكتوباً في المستقبل، بمقتضى ما يفيده هذا المصطلح؟ لكي يستطيع قارئ أن يقرأ شعراً سينظم في المستقبل، لا بد له من أن يمتلك قوة خارقة تبصر ما سيقال في المستقبل بلفظه ومعناه قبل أن يُقال.
تدخَّل خلدون وهو يرسم الجد على سحنته المنفرجة انفراجاً عريضاً:
- الفئران التي تقرض الأسمال، إحساسُها بالزمان معدوم. فلا غرو في أن يتساوى لديها الماضي والحاضر والمستقبل.
فلما سألتها بعد قليل: " أما أنشدك شيئاً من شعره (المابعدحداثي)؟"
اصطبغ وجهها بدهشة مصطنعة:
- شيئاً من شعره؟! بل قل ديواناً من دواوينه.
- متى كان ذلك؟ أكان في أول لقائه بك بالمركز الثقافي؟
- لا، كان ذلك ونحن في ضيافته. عفواً! نسيت أن أخبركما أنه كان دعانا لزيارته في بنّش وألحَّ علينا في دعوته وما زال يلحُّ حتى قبلناها.
- وكيف رأيتِ شعره؟
- كأحسن ما يكون الشعر! هل لشعر ينساب من قريحة ثرَّةٍ نقيَّة كقريحة خالد أن يكون غير ذلك؟ أم أنتما في ريبة من نبوغه وصدق شاعريته؟ إن كنتما في ريبة من نبوغه حقاً، فاسمعا مني مطلع قصيدته با….
قاطعها خلدون ثانية بلهجته العابثة:
- لا إخال عرشَ إلهة الشعر إلا اهتزَّ لمطلعه طرباً.
- هو ذاك، وإنّ فيه إعجازاً، فانتبه يا خلدون، انتبه! إنك حين ستقرأ مطلعه أو تسمعه، سيكون لك أن تقرأه أفقياً، وسيكون لك أن تقرأه عمودياً. قراءة عمودية، قراءة أفقية، فهل ثمة ما هو أروع من هذا الإعجاز؟ آسفة لأني لست أحفظ من قصيدته إلا مطلعها! ولكنْ لا بأس، هاكما مطلعها. وإني لعلى يقين من أنكما ستجدانه مطلعاً خليقاً لا بالإنشاد وحسب، بل خليقاً أيضاً بالتعليق على نُصُب في ميدان باب الفرج، أو بالتعليق على أستار المهج المولعة بما هو منقطع القرين من الشعر. لو سمعتما إنشاده، لاعتراكما من سماعه خدرٌ ألذ من خدر الصهباء. لله ما كان أمتع إنشاده وأحلاه! إنشادٌ بترخيم، وتشنيج، وإرخاء، وتشديد، ومدٍّ، وتسكين، تصاحبه حركات سحرية من يديه وقسمات وجهه كأنها حركات قائد جوقة موسيقية غارق إلى أخمصيه في اللحن، فترتسم أمام أبصارنا من حركاته السحرية وفي مخيلتنا معان أبعد بكثير من معانيه القريبة، اسمعا:
في بابلْ، تبلْبَلتِ الأَلْسِنَةُ
تبلْبَلَتِ الأَلْسِنَةُ، في بَابِلْ
الألسنةُ، في باااابلَ تَبلْبَلتْ.
………………
همم، أسمعتما؟ فما رأيكما الآن؟ فأمَّا أنا فإني لا أرى في المقطع إلا منعطفاً جديداً من منعطفات الإبداع الذي لا نظير له في تحليقه.
برصانة ماكرة عبر خلدون عن رأيه :
- إبداع متفجر! سيفجر، لا محالة، ثورة على مرحلة ما بعد الحداثة، ويؤسس قاعدة لمرحلة جديدة هي مرحلة (ما بعد ما بعد الحداثة).
فحاكت دنيا رصانته وهي تداعب بأناملها خصلةً تهدلت على جبينها، قائلة:
- ولا أستبعد أن ترغم قصيدته شعراءَ المستقبل، شعراء (ما بعد الحداثة) على أن يتواروا من ساحة الشعر خفراً وصغاراً، كما يتوارى القمر إذا طلعت عليه شمسُ النابغة الذبياني.
وما أنهت دنيا تعقيبها حتى رأتنا وقد سقطنا في لجة من الصخب، فإذا بها تصرخ فينا:
- هيييي، أرجوكما! أما اتفقنا على ألا ( تجهشا) في الضحك؟
لكن خلدون الذي كان (أجهش) مثلي في الضحك، استطاع أن يسيطر على انفعاله، ومضى فكسا وجهه بسحنة شاعر، وشمّر، ثم أنشأ يرتجل محاكياً بسليقته ما كانت دنيا نشرته على أسماعنا من (شعر) خالد:
"في بابل
يختلط الحابل بالنابل
في بابل
تصدح العنادل، وتشدو البلابل
بااابل
وينهمر غيظُ عشتارَ من غيمةِ صيفٍ
كما ينهمر الوابلْ
في بااابل
إن ظمئنا شربنا الخمرَ
وإن جعنا
أكلنا الفلافلَ معجونةً بالتوابلْ
في بابل
إن مشينا فأجهدنا المشيُ، جلسنا
كي نستريح
ولكنْ على كومةٍ نشأت عن المزابلْ
باااااابل …. “
وأغربنا في الضحك ثانية، وما زلنا نضحك حتى استنفد الضحك كلَّ طاقتنا، وبتنا لا نقوى بعد عليه. كان رواد المقهى خلال الوقت يرشقوننا رشقاً بنظرات استنكار متسائل مستهجن، غير أننا لم نكن نملك المقدرة على أن نأبه بنظراتهم المستهجنة.
في النهاية لم يغب عن دنيا الناشد أن تستنبط من كل هذا الذي رأته طرأ على ردائه وهيئته ولسانه وتعابير لغة جسده من تبدلات هيّنة وأخرى جسيمة، معاني نفسيةً ليست مما يزهو بها أحد، وليست مما يجدر بي أن أبوح بها لسامع، وإن لم تستأمنّي دنيا على كتمانها.
فيما مضى من حياتي عرفت شخصيات كثيرة، لكنَّ صورَها لم تثبت في ذاكرتي، امَّحت أو كادت تنمحي. وعلة ذلك معروفة. فإن صور الشخصيات التي لا يكون لها تأثير على مسيرة حياتنا، والتي لا تترك آثاراً عميقة فيها، لا تثبت في الذاكرة طويلاً.. تهملها الذاكرة كي لا يكون منها عبء عليها بلا طائل. أما دنيا، فلا تقدر ذاكرتي أن تهمل صورتها، ولو شاءت أن تهملها، لعظم ما تركته في نفسي من انطباعات ومؤثرات.. ستمكث صورة دنيا حيّة في ذاكرتي بكل ثقلها الفني، بكل معالم شخصيتها المتفردة ذات التراكيب المتقنة، والبيان البديع. وسأستعيد كلما استيقظت ذكراها في خاطري، ما كان يدور في اجتماعاتنا من أحاديث لنا في الفنون والآداب، وأحاديث لنا في الحياة العامة، وأخرى في حياتنا الخاصة.
أحاديثنا كانت مكتنزة بموضوعات وموادّ متنوعة: كان منها الجديُّ، وكان منها الساخر المتهكم الفارغ من المحتوى، كان منها الشجي، وكان منها الطليُّ. لن أنسى – على الأخص - اجتماعي الأخير بها في مقهى القصر، وما دار فيه بيننا من حديث مع أنه الاجتماع الذي سينتابني منه شجوٌ كالغصّة، كلما عنَّ في خاطري.
كان ذلك في بداية عطلة صيف قبل ثلاثة أعوام.
حدث اللقاء في مكتبة انطوان تلّليسة بالعبَّارة. كنت جئت إلى المكتبة لأنقّب كعادتي بين الكتب عن جديد أفيد منه، وكانت هي جاءت لتشتري رواية مترجمة إلى العربية لسيمون دو بوفوار، ما كانت وجدتها في جميع المكتبات التي زارتها، فقصدت هذه المكتبة بتوجيه من خلدون، عسى أن تجد ضالتها فيها. ولأن دنيا لم تعثر على ضالتها التي كانت تبحث عنها في مكتبة انطوان تلليسة أيضاً، وهي المكتبة التي نادراً ما تعرض للبيع كتباً مترجمة إلى العربية، وعدتها أن أشتري لها الرواية من مكتبة اللواء في القامشلي. كنت رأيت نسخاً كثيرة من رواية سيمون دي بفوار معروضة فيها للبيع، ووعدت بإرسالها إليها بالبريد هدية مني لها فور عودتي إلى القامشلي في الخريف مع بداية العام الدراسي الجديد – وقد وفيت لها بوعدي فتلقيت منها سطوراً مكتوبة بخط يدها على صورة فوتوغرافية لإحدى لوحاتها الفنية. الصورة محفوظة لدي في أرشيفي الخاص وستظل محفوظة فيه - ثم خرجنا معاً من المكتبة إلى مقهى القصر المطل بواجهته الزجاجية على ساحة المنشيّة بدعوة مني، فانتحينا فيه ركناً خلف طاولة منعزلة. ثم أخذنا في أحاديث شتى تناولت قضايا متفرقة استمرت مدة تجازوت الساعتين. أذكر منها حديثها المشوّق عن نوادر أستاذها الفنان التشكيلي المشهور (فاتح المدرس) كما أذكر حديثنا عن نتائج الحرب الأهلية اللبنانية، وأثرها في الفنون والآداب اللبنانية والفلسطينية والسورية بعد مرور خمسة أعوام على اليوم الذي وضعت فيه تلك الحرب اللعينة أوزارها. ولا أنسى أبداً أنني إنما في تلك الجلسة أخبرتها بعزمي الأكيد على الزواج. ولا أنسى أيضاً أنها حين سمعت مني نبأ عزمي على الزواج، هددتني بعبارتها التي سترن في أذني رنيناً حلواً كلما استعدتها: " سأنتظر دعوتك. إن لم ترسل إلي تدعوني، فاحسبْ أن الله لم يخلقك.. سأغتالك لا محالة في شهر العسل، تذكر هذا جيداً...". وأضحكني تهديدها، وطاب لي أنا أمازحها فيه، فقلت لها:
- أخطأتِ، فمن ينوِ أن يغتال شخصاً وينجُ بنفسه من السجن، وربما من الإعدام، فإنه لاينبغي له أن يصرّح باغتياله على رؤوس الأشهاد. ألا تذكرين تهديد التوأمين فيكاريو في قصة جابرييل غارسيّا ماركيز (موت معلن) وذلك قبل أن يقدما على قتل سانتياجو نصار؟
فيما بعد سيجتاحني أسى عميق؛ لأن وعدها لي بأن تشهد حفلة عرسي، لم يتحقق.
قبل أسبوع واحد من موعد زفافي - وكنت أرسلت لها بطاقة الدعوة بالبريد - رحلت دنيا عن عالمنا. ولقد حاولت أن أخفف أساي على رحيلها المفجع بتأجيل موعد الزفاف ثلاثة أشهر، ولكن عبثاً حاولت فلقد مرت الشهور الثلاثة، وأنا بعد لم أشفَ تماماً من أساي.
مما سيثير انتباهي عقب تلك الجلسة أن دنيا لم تنبس فيها بشيء ألبتة عن خالد صاحبها القديم، ولا أنا نبست عنه بشيء على غير المألوف. بيد أن سكوتها عن ذكره في جلستنا تلك، لم يجعلني أتيقن كل اليقين من أنها كانت خلعت رداء حبه عن قلبها. كنت حتى ذلك الوقت أحسب أنها ما انفكت تحبه. ولعلي لهذا السبب كنت، بعكس خلدون، أحاذر أن أثلب خالداً في حضورها، أو أتنقّصه في شيء من أمره، حتى لو سمعتها وهي تتنقَّصُه أمامنا.. حتى لو كنت سمعتها وهي تعدد مثالبه، وتسخر به وبمواقفه. كان هذا بلا شك خطأ مني في التقدير. وما أكثر أخطائي في تقدير الأمور لدى الآخرين وتفسيرها! وما أمرَّ لومي لنفسي وأعنفَه عندما أستكشف أنني أخطأت في تقدير أو تأويل أو تفسير أو فهم مواقف وتصرفات ونيات ودوافع الآخرين!
مرح كثير كان يتساقط يومها من شفتي دنيا الحمراوين الرقيقتين، وإحساس مفعم بحلاوة الدنيا كنت أراه يشعُّ في عينيها المظللتين. دنيا كانت في لقائي الأخير بها بتسريحتها الجديدة الغريبة وشعرها المصبوغ بالصفرة، ودبوسها الذهبي المغروز تحت شفتها السفلى، وبأقراطها الذهبية الأربعة المتدلية من أذنيها، وأظافرها الطويلة المطلية بلونين، وبفوح عطرها المنعش، وبفستانها المزهَّر القصير المحفور بلا أكمام، أكثر بكثير من أنثى اسمها دنيا.
كنت في حلب مكلَّفاً بمهمة تصحيح أوراق امتحان طلاب شهادة البكالوريا- وكان مضى على لقائي الأخير بها في مقهى القصر حول كامل – عندما طرق سمعي أن يد الغدر امتدت إليها، فقصفت غصنها الريان!
وبعد يومين من سماعي النبأ، سألتقي بخلدون في مقهى البرازيل في يوم الجمعة، عطلة الأسبوع. في ذلك اللقاء سيروي لي خلدون تفاصيل نكبتها كما تلقَّفها من جيرانه المقربين من أسرة أحمد الناشد. روى لي عنها أنها أحبت رساماً مسيحياً ينتمي إلى دائرة أصدقائها الفنانين، ولم تستتر.
كان أعمامها الذين في حارم، لما علموا قصة حبها، توعدوها بالقتل إنْ لم … خيَّروها فإما أن تقطع صلتها به، وإما أن تقنع الشاب على أن يهجر دينه، ويدخل في الإسلام ويتزوجها. لكن الشاب الذي نجا بأعجوبة، لم يهجر دينه، ولم يدخل في الإسلام، ولم يتزوجها. ودنيا التي كانت جرأتها بلغت قمة التهور، لم يردعها وعيدُ أعمامها عن أن تظل حبالها موصولة به في العلن.
بموت دنيا، انطفأت فكرة جميلة أنيقة بهيجة بهجةَ شمعة عيد ميلاد سعيد. بموتها مات أملٌ غض واعد بلا بدل ولا تعويض! فأما خلدون فقد رأى في موتها - وكان حزنه عليها مثل حزني هادئاً صامتاً ولكن عميقاً - نصراً لجلافة الريف على قيم المدينة الناعمة المهذبة، كما رآه نذير شؤم أسود يوشك أن يحدق بالمدينة...
حين انتهى العرض في صالة الزهراء، كانت الساعة قاربت التاسعة مساء، إن لم تخنّي ذاكرتي. في التاسعة تعرض صالات السينما آخرَ عروضها من الأفلام العربية والأجنبية. فأما فكرة أن أؤوب إلى البيت، فبالقطع ما كان لها محلٌّ في نفسي! كما لم يكن في نفسي أيضاً محلٌّ لشهوةٍ إلى طعام أو شراب، ولا محل لرغبة في زيارة صديق من الأصدقاء، أو قريب من الأقرباء. وإذ لم يبقَ من خيار أمامي إلا السينما مرة ثانية، اخترت بذهني المشتَّت المعذب الذهابَ لا بتاكسي، بل على قدميّ الملتهبتين المتورمتين المتوجعتين إلى صالة سينما أراكس.
أن أذهب إلى سينما أراكس، كان نتيجة حتمية! فإلى أين أذهب إن لم أذهب إليها؟ أين أجد لي مقعداً أوطأ من مقاعدها لراحة نعليَ المتهرِّئ؟ أين أجد لي مرفأً أوسع، مرفأ أرحم صدراً منها ألجأ إليه من نفسي الموزَّعة، ومن هذا الموج المعتلج الضجوج في يافوخي؟
ولكم رجوت وأنا أغوص في مقعدي أمام الشاشة الكبيرة، ألا ينتهي العرض. تمنيت أن يدوم، أن يدوم، أن يدوم! لكن العرض لم يدم، انتهى الفيلم مع الأسف معرضاً بلا اكتراث عن رجائي المضطرم. فلم أجد عند ذاك بُدَّاً، وقد شارف الليل على الانتصاف، من أن أوقف سيارةَ أجرة فأركبها عائداً إلى بيتنا في حي السريان.
سَمَرُ ابنة خالتي فيوليت من (زيدل) الضاحية التي على مرمى حجر من حمص المدينة، أبوها طانيوس مخّول مدير مدرسة البلدة الابتدائية، متفوقة في دراستها، طموح، تقيم معنا في بيتنا الواسع الكبير. مدينة حمص، بل كلُّ المدن السورية آنذاك، باستثناء مدينتَي دمشق وحلب، لم تكن أُنشئت فيها جامعات بعد؛ فكان أمراً مفروغاً منه أن تنتسب سمر إلى جامعة حلب لا إلى جامعة دمشق لدراسة الهندسة المدنية فرعِها المختار، وأمراً مفروغاً منه أن تسكن حيث تسكن خالتُها، وأمراً مفروغاً منه أيضاً أن تغدو عضواً من أعضاء أسرتنا. ولا أقول أختاً لنا خشيةَ – وأقولها على سبيل الدعابة - أن يسمعني أخي الأصغر ريمون؛ فيعتكر مزاجه.
ريمون كان في صغره مشاغباً من الطبقة الأولى، شغوفاً بالعراك مع الصغار أترابه من أبناء حينا. وغالباً ما كان العراك الهائش بينه وبينهم يختلط بشتائم مقذعة تمسّ فروج الأخوات، فيحمد الله على أن لا أخت له. كان ريمون يحسب أن شتائمه تصيبهم في أخواتهم حقاً، أما شتائم خصومه فتطيش في الهواء خائبة، فيخيل إليه من ذلك أنه انتصر عليهم، فإذا بقلبه الصغير يمتلئ من هذا النصر المتخيَّل بالغبطة. وإذ كنت أزجره عن الشتيمة المقذعة، وأكرر على مسامعه أن أولاد المحامين، لا يجدر بهم أن يشتموا، فإني ما كنت أحب أن أفسد عليه شعوره الساذج بالغبطة وذلك بأن أنبّهه إلى أمر كان غفل عنه هو أنَّ من لا أخت له فله أمٌّ؛ وأن خصومه يشتمونه بأمه أيضاً كما يشتمونه بأخته.
فتحتُ الباب بهدوء، بحذرٍ شديد فتحته. الصمت يعمّ جوَّ البيت. الجميع نيام. ليس في البيت مستيقظ إلا سمر. ولا عجب في أن أجد سمر مستيقظة! منذ بداية الأسبوع، وهي ما فتئت تجتهد بدأب لا يكلّ في إنجاز مشروعها الهندسيّ.
أردت أن أتسلَّل إلى حيث أنام في الغرفة التي يشاركني النوم فيها شقيقاي جان وريمون من غير أن أتيح لها أن تراني، لكنَّ باب غرفتها المضاءة، كان مفتوحاً فرأتني.
بإيماءة من رأسها دعتني سمر إليها لا بإشارة من يدها ولا بهتاف، فلبَّيتُ دعوتها طائعاً راضخاً، رغم أني قد ساءني كثيراً أن أدخل عليها فأريها نفسي، وهي في تلك الحال من الزراية، والتبعثر، وقبح المظهر. ولكن هيهات التملص من دعوة سمر من بعد أن رأتني!
مسحت سمر قامتي من رأسي إلى قدمي بنظرة ثاقبة من خلف نظارتها اللامعة الذكية، قبل أن تلمح إلى ساعة معصمها مستفهمة:
- تأخرتَ؟ أليس لديك محاضرات غداً ؟
- بلى
- فما أخرك؟
- ألا يحق لي مرة أن أتأخر؟ وماذا لو تأخرت؟ هل سينقض تأخُّري نواميسَ الطبيعة؟
هكذا بنبر خشن أشبَهَ نبرَ مراهق مذنب يلتمس بشيء من الحموّ عذراً لذنبه، ولو من الهواء، أجبت عن سؤالها. لكنّ سمر لم تكترث بلهجتي الحمقاء، ولا اكترثت بعذري البائخ. مضت تحقق معي بلغةِ من له سلطان عليّ:
- أإلى هذا الوقت؟ أخبرني أين كنت ولا تقلب عينَك هكذا كالغاضب دون سبب!
- في السينما.
- آخرُ حفلة تبدأ في التاسعة، فأين كنت قبل التاسعة؟
- كنتُ في السينما.
- تهزل؟
- أبداً.
ولكي أتلافى مآلَ تحقيقها في قضية تأخري، عبرت لها عن رغبتي في النوم، وهممت أن أستدير على عقبي، لكنها لم تدع لي أن أنفّذ رغبتي.. بادرتني سمر بما سدّ علي منافذ الهروب من وجهها قبل اكتمال تحقيقها معي، وظهور النتيجة لها.. بادرتني بنطقٍ لم يَحِدْ إلا يسيراً عن معنى الرجاء:
- اجلس قليلاً !
غير أني لم أستجب لطلبها. اعتذرتُ عن الجلوس بحجةٍ ظننتُها كافية غير واهية:
- لأضيعَ وقتك؟ لا لا، الأفضل لي ولك أن أذهب إلى النوم حالاً.
- لن تضيع وقتي، اجلس! آن لي أن آخذ استراحة قصيرة.
فلم أرَ أمامي إذ ذاك مفراً من أن أذعن لطلبها، جلست وأنا أغالب إعيائي وأسألها:
- هل هاتفني أحد في فترة غيابي؟
- أجل
فسألت بلهفة عجزت عن إخفائها عنها مستفهماً:
- مَن؟
فوضعت سمر مسطرتها التي كانت قابضة عليها بيمناها جانباً، وردت على سؤالي بسؤال:
- من تتوقع أن يكون؟
- لميا؟
هتفت، فرأيتها تبتسم في خبث ثم تجيب:
- مَنْ إن لم تكن لميا؟
- أأنتِ التي كلَّمتِها؟
- نعم
- ماذا كان بودِّها أن تقول؟
- سألت عنك
- أهذا كل شيء؟
- لا، طلبت أن تتلفن لها حال رجوعك… ولكن ما خطبك؟ كأن بعضك يخاصم بعضك.
وعادت سمر تقلّب فيَّ النظر بحدة هذه المرة وإمعان، فغمغمتُ:
- تعب ويزول.
- تعب؟! لاااا، أنت تُضِبُّ أمامي على ما في نفسك، تخفي عني سرَّك، ما الذي أتعبك؟
- لا شيء، وعكة. وعكة بسيطة.
- أحقاً؟
نطقتها بارتياب، ثم راحت تتشمَّم الهواء كقطة قبل أن تضيف بصوتها الخفيض الرتيب، وبلهجتها الحمصية المطعَّمة بالحلبية:
- خالتي غيّرت جميع الملاحف اليوم. ستغسل قدميك قبل أن تندسَّ في الفراش، أليس كذلك؟
- سأغسلهما.
سمر أمينة أسراري كما أنا بالمقابل أمينُ أسرارها. لا يسوءني أبداً أن تدسّ أنفها في كل شأن من شؤوني الخاصة كبيراً كان هذا الشأن أو صغيراً. أذكر أنني رأيت في اللحظة التي وافقتُ فيها دون معاندة على طلبها أن أغسل قدميّ، شعوراً بالارتياح يتجسم بوضوح في تقاطيع وجهها. إلا أنَّ شعورها بالارتياح من موافقتي لم يطل. ما أسرع أن تبدد الارتياح من وجه سمر! فإذا هي تقترح بطريقتها:
- الأحسن لك أن تستحم. ليتك دخلت الحمام الآن.. ما يزال الماء فيه ساخناً!
- لا بد من ذلك.
أكَّدتُ على حسن اقتراحها، وقد خيل إليَّ لوهلة أنها أمي تخاطبني. على أني حاولت التهرب من تنفيذ اقتراحها ( الآن ) على الفور. كان سيكدرني أبلغ التكدير أن أزيل بالاستحمام عن جسدي أثراً مادياً تخلَّف عن التحامه بجسد لميا بسرعة ما كنت بعد وطَّنت عليها نفسي. فلما حاولتُ أن أتخلّص من مأزقي باقتراح فكرة تأجيل الاستحمام إلى يوم غد قائلاً بصيغة الوعد:
- سأستحم غداً حال استيقاظي من النوم.
ردت كالمتعجبة من أمر كأنه لم يكن متوقعاً لديها:
- غداً؟!
- إي، ولمَ لا؟
ثم أضفتُ:
- لا مهرب لي من الاستحمام. أعدك أنني سأستحم، ولكن ليس الآن. غداً في الصباح قبل خروجي من البيت إلى الكلية سأستحم. أما الآن فلا، ألا ترين التعب هدَّ حيلي؟
سمعتها ترد:
- سيزول عنك التعب، وستهنأ بنومك أكثر، لو استحممت الآن.
لكن ردَّها، وإن كان وشى بعدم اقتناعها باقتراحي الواعد، جاء موقّعاً بكياسةٍ نبيلة سرعان ما اخترقت شعوري، ومضت تجوس فيه بلذة، كما تجوس في الدماغ فكرة حالمة ممتعة. ألا ما ألذَّ الكياسة! ولا سيما حين تكون شبيهة بكياسة لميا.. بكياسة لميا إذ هي تعترض على فعل ما من أفعالي أو قول مني لم يَرُقْ لها.
بين سمر ولميا ما بين الأرض والقمر من بعد المسافة. بينهما افتراق جذري في كل الخطوط المعنوية التي تحدد ملامح شخصية كل منهما. إنهما لتختلفان في كل شيء: في طريقة التفكير، في طريقة التعبير، في التذوق، في كيفية التصرف، في ردود الأفعال إلى حدٍ يجعل أيَّ تشابه بينهما أقرب إلى المحال منه إلى الإمكان. ومع ذلك فهَأنذا أراهما هنا في هذا الموضع وقد جمع بينهما وجهٌ واحد من وجوه التشابه والاشتراك!
على أن كياسة سمر ما استطاعت - في مقايستي - أن تمحو معنى الإصرار المحتجب في طيات كلامها بما يتسم به معنى الإصرار عادة من صلابة تنقض معاني الليونة والكَيْس. ولا أظن إلا أنه كان السبب الذي حال دون أن أطرد من ساحة شعوري - وأنا أصغي إليها بقليل من الانتباه بسبب الوهن الذي كان اعترى حواسي - شعوراً بالتوجّس انسرب إلى جحر مظلم داخل نفسي من إصرارها هذا على أن أستحمَّ الآن، على الفور!
بالطبع، لو لم أكن أعلم بالحقيقة الشائعة المعروفة التي بات لا يجهلها إلا أبعدُ الناس عن الثقافة والعلم، أنّ للأنثى، كلِّ أنثى، حاسةَ شمّ قوية اكتسبتها عبر مراحل تطورها الطبيعي التي تلت مرحلة الانقسام الجنسي، وهي المرحلة التي حدث فيها انفصال الذكر عن الأنثى، أو الأنثى عن الذكر، والتي ما زال العلماء يجهلون إلى اليوم متى كانت، كما يجهلون كيف تحقق الانقسام الجنسي فيها – شدَّ ما أتوق إلى أن أعلم متى كانت، وكيف تحقق فيها الانقسامُ، قبل أن أغادر الدنيا وأستحيل تراباً! مع إدراكي أن علمي بها لن يجلب لي أيَّ منفعة مادية - ولو أنني لم أكن كذلك أدري أن علماء الأحياء إذا كانوا يجهلون متى وكيف من أمر هذه المرحلة التطورية، فإنهم لا يجهلون لماذا تحققت أي لا يجهلون الغاية من تحققها. إن الانقسام إلى ذكر وأنثى عندهم إنما تحقق ليكون بينهما تكاثرٌ بممارسة الجنس؛ ففي مقياس الطبيعة أن التكاثر الجنسي أصلح من التكاثر اللاجنسي، وأجدى لبقاء البشر ولبقاء كل حيوان يتكاثر مثل البشر بالممارسة الجنسية. ثم إني لو لم أكن أعلم فضلاً عن ذلك أن الغاية من قوة حاسة الشمّ لدى الأنثى، هي تمكين الأنثى من انتقاء الذكر المؤهَّل جسدياً ونفسياً لأن تنجب منه ذُرّيَّة تتدرَّع بأحسن الصفات المقاومة لتحديات الطبيعة، ولا سيما الأمراض والأوبئة هذه التي تهدد بتعطيل، أو بتدمير مبدأ الطبيعة التطوري في حفظ النوع وسلامته، ولو لم أكن أعلم أيضاً أن الغاية من قوة الشم لدى الأنثى هي تمكينها من تمييز ما خَنِز أو فسد من أطعمة إذا تناولها صغارُها مرضوا أو هلكوا، لكنت فضلاً عن توجسي من اقتراح سمر، تعجَّبتُ من قدرتها على أنها استطاعت، من خلال تشمّمها لرائحتي، أن تستكشف حالة الضعف الأقرب إلى المرض التي كنت عليها.
ولكن، أليس غريباً أن نعلم الغاية من وجود شيء كعلمنا مثلاً بالغاية من الانقسام الجنسي، ثم لا نعلم بعد ذلك العلم، متى وكيف حصل وجودُ هذا الشيء؟!
بلى، إن ذلك لغريب. لكنه ليس غريباً إلا بالنسبة إليَّ أنا. إذ ثمة آخرون لا يرونه كذلك كما أراه أنا. إن هؤلاء الآخرين لا يرون ذلك غريباً؛ لأنهم لا يعتقدون ألبتة بفكرة أن وجود الأشياء في عالمنا، إنما يكون لغاية. إن هذه (النسبية) في رأيي هي التي ستجعل سؤال الغاية موضوعاً شائكاً عسيراً. فهو موضوع يتنازعه خصمان في الرأي لا يتفقان… خصمان لا ينزل من يرى منهما أنْ لا غاية من كل ما هو موجود، عند رأي من يرى بخلافه أن لكل موجود غايةً من وجوده، فكيف لا يكون موضوعاً شائكاً عسيراً؟
حاولتُ - ولسوف أحاول – أن أثبت لصديقي جوزيف أوديشو بمنطق قويم صلب ليس يسهل اختراقه، أن لكل موجود غايةً من وجوده؛ لأن ما لا غاية له من الأشياء لا يوجد – في يقيني - بل إنه إن وجد يوماً فانتفت الغاية من وجوده، مضى إلى الزوال وانعدم.
جوزيف كيفاركيس أوديشو الآشوري مدرس الرياضيات في مدرستنا ذو الوجه المتجهم الكئيب والحركات المتثاقلة البطيئة والصوت الخفيض؛ عصبيُّ المزاج، يُستفَزُّ في الجدال بسهولة ويسر، ولكن من غير أن يفقد اتزانه فيأتي بتصرفات ذميمة خرقاء.
في بدء تعارفنا توهمت فيه شيئاً من العدوانية، من الفظاظة والجفاء، ولكني لم ألبث أن تبيّنت خطأي.. لم ألبث أن تبينت أن مَرآته لا تخبر عن مجهوله، كما يقال. تبينت أنَّ فيه خُلقاً بعيداً كل البعد عن العدوانية والفظاظة والجفاء فصادقته. وأضحت صداقتنا في وقت قصير متينة العُرى كصداقتي لميخا واسفيندار وآرام، حتى إنه لشدة ثقته بي، سيبوح لي بسرّ خطير من أسراره المدفونة تحت حجاب قلبه لم يبح به - على حد علمي - لشخص آخر سواي من أصحابي.
كان جوزيف في بدء حياته المهنية، عُيِّن مدرساً للرياضيات في ثانوية الفارعة بنت طريف التغلبية في بلدة (تل تمر) وأكثر أهل البلدة من الآشوريين. أقام جوزيف في تل تمر عامين دراسيين توّج نهاية الثاني منهما بزواجه من شابة آشورية غاية في الأدب والدماثة ورهافة الذوق، من أسرة تميزت بتمسكها بلغتها وبتقاليدها القومية الأصيلة. الأخ الأكبر لزوجته (أورميا) كان موظفاً في دائرة البريد... ميسورَ الحال يأتيه، علاوة على راتبه الشهري الثابت من وظيفته، دخلٌ من قطعة أرض له تقدر مساحتها بستة دونمات في قرية (ولطو) تسقى من ماء الخابور، يزرعها مرتين في السنة قمحاً مرة، وقطناً مرة. وصفه لي جوزيف بذلاقة اللسان، وبالألمعية، وبالنشاط الذي لا يفتر في كل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية. قال عنه إنه كان ذا موهبة فذة في اللغات. يجيد ثلاث لغات حيّة: الانكليزية، والفرنسية، والعربية. كما كان يجيد قراءة السومرية - الأكادية، والأوغاريتية.
سمانو - وهو اسم ابن حميه - تمكّن من أن يستميل جوزيف إلى آرائه السياسية، ثم نجح بعد أن استماله في إقناعه بالانضمام إلى منظمة (الحركة الديمقراطية الآشورية) وهي منظمة سرية محظورة، فانضم إليها. كان انضمام جوزيف إلى الحركة، سبق اعتقال سمانو شقيق زوجته الذي سيتوفى في المعتقل في منتصف العام الأول من اعتقاله، والذي ستغتصب منه ملكيةُ قطعة الأرض ظلماً قبيل اعتقاله، سيغتصبها منه واحد من أراذل المتواطئين مع رجال الأمن.
لا يشك جوزيف إطلاقاً في أن شقيق زوجته توفي تحت التعذيب. إذ إن آثار التعذيب كانت بادية على وجهه، رآها مع مَن رآها ساعة صلّى عليه الكاهن في كنيسة البلدة، وهو مستلق بجسده الهامد داخل تابوته، وطرف الكفن الأبيض منحسر عن وجهه.
أما ما جاء في التقرير الطبي الذي أبرزه عناصر المخابرات السياسية لأسرته من أنه توفي بسكتة قلبية مفاجئة، فهو بلا ريب تقرير كاذب ملفق شأن كل التقارير الطبية التي تبرزها أجهزة المخابرات لذوي المعتقلين الذين يقضون تحت آلات تعذيبهم الجهنمية.
ولكن من يجرؤ أن يهمس إنه مات تحت التعذيب؟ بل ماذا يجدي أن يقال إنه مات تحت التعذيب في بلد ملكه عضوض، كذا بلغة القدماء؟
لم ييأس جوزيف أن أنضم إلى منظمته السرية مع أني أكدت له أكثر من مرة استحالة انضمامي إليها، لا لأنني لا أؤيد مطالبها وأهدافها وبرامجها، بل لأني قطعت وعداً لأمي وأبي ومن قبلهما لجدي ألا أمارس أيّ لون من ألوان النشاط السياسي. كان جدي كلما حضر حديث الأحزاب، حذرنا من الانتساب إليها. ففي رأي جدي أن سوريا للجميع، لكل من يعيش فوق أرضها: هي للعرب، وللأكراد، وللأرمن، وللسريان، وللآشورين، وللكلدانيين، وللشركس، وللتركمان، وللشيشان ولليهود ولكل من يحلُّ فيها من غير هؤلاء الأقوام، كما إنها لكل الأديان والطوائف والأحزاب. فما الداعي – في رأيه أيضاً - إلى أن يسعى كلُّ قبيل منهم إلى اقتطاع جزء منها ليشيد دولته فوق تراب هذا الجزء المقتطع منها؟ وما الداعي إلى أن يسعى كل منهم بحجج واهية كحجة أنه أكثر عدداً، إلى أن يستأثر بها ويجعلها كلها إرثاً له جاحداً حقوق الآخرين؟
لم يكن جدي يفكر بأبعد من هذا. لم يكن يفكر كما كان عمي (إدمون) يفكر بقضية العدالة أو المساواة في المواطنة. عمي إدمون إذ كان يفكر بالمساواة، فإنه كان يفكر مع تفكيره بها بوسائل تحقيقها. ووسائل تحقيقها عند عمي تتمثَّل في النشاط السياسي، في العمل الدؤوب داخل أحزاب سياسية متنافسة لا متصارعة، أحزابٍ تنشد العدالة بمعناها الشامل، ملتزمة بمواد دستور وطني يرسخ مبدأ المساواة التامة لا المنقوصة لكل المواطنين دون استثناء؛ فيكون لكل المواطنين من ذلك وطنٌ سعيد محصن عصيّ على الانزلاق نحو حرب أهلية مأساوية كالحرب الأهلية اللبنانية.
نزعة جدي الوطنية كانت فطرية عميقة الجذور إلى حد أن رغبته هذه التي لم تمت في أن يبقى متطوعاً في خدمة الجيش الفرنسي حتى بعد انتهاء فترة الانتداب؛ لم تقوَ على اجتثاث جذور نزعته من أعماقه. وهي لو لم تكن كذلك أي فطرية، فكيف لي أن أفسر استجابته وقتذاك لمناشدة البطريرك للجنود المسيحيين السريان المتطوعين في وحدات الجيش الفرنسي بإنهاء خدمتهم فيها، وبالعودة إلى قراهم في سوريا؟
وقت صدور مناشدة البطريرك، كان جدي في بيروت ضمن وحدة من وحدات الجيش الفرنسي المنسحب من سوريا، والمعسكِر بلبنان في انتظار ترحيله إلى فرنسا، أو إلى جهة أخرى مجهولة.. إلى مكان ما مما تبقَّى لفرنسا من مستعمراتها كمدغشقر. لم يتلكأ جدي، فما أسرع أن استجاب لمناشدة البطريرك، إلا أنه لم يرجع إلى قريته. اختار جدي الإقامة في مدينة حلب، فاشترى قطعة أرض في حيّنا وبنى فيها منزلاً من طابقين، واستأجر دكاناً في باب الفرج، وحوله إلى كراج للسفريات جنى منه رزقه وأعال به أسرته.
ربما فسر غيري استجابته لمناشدة البطريرك بعاطفته الدينية، غير أني لن أجد تفسيره مقبولاً؛ لأن جدي كان سيجد دينه في كل مكان يذهب إليه، ولكنه ما كان سيجد وطنه في كل مكان.
عمي إدمون ابنه الأصغر، يوم كان طالباً في كلية الصيدلة بجامعة دمشق، كثيراً ما كان يشاكسه في رأيه وفي موقفه متهماً إياه بأنه يقضم عن عمد نصف الحقيقة حين يتحدث عن المساواة في المواطنة. لكن عمي مع إيمانه بضرورة الانخراط في المجال السياسي، لن ينتمي مثل كل أفراد أسرتنا الصغيرة، إلى أي حزب من الأحزاب. فلما سألته عن سبب عزوفه عن الانضمام إلى الأحزاب، أجابني: „ لا أنضم إلى حزب ما لم يكن هذا الحزب ذا نهج ديمقراطي صحيح مثل أحزاب فرنسا، فهل تجد في سوريا حزباً على هذا النهج يغري بالانضمام إليه؟" .
عُرف عمي إدمون على عكس أفراد أسرتنا جميعاً، بمهاجمته جدي - كلما حضرت المناسبة – كان يهاجمه باللائمة على قراره بترك الخدمة في الجيش الفرنسي ورجوعه إلى سوريا من لبنان.
مما أذكره أن عمي إدمون اشتد ذات مرة على جدي بتأنيب قاسٍ جداً لم أشهد له مثيلاً في هجماته السابقة عليه، حتى إنه جعل في تلك المرة يصيح في وجه جدي صياح الخارج عن طوره: "أما كنا سنكون فرنسيين لو أنك ما اتخذت قرارك الأهوج؟ أما تعلم أنك بقرارك الأهوج ذاك، إنما جنيت علينا؟… “ وكان أن ثار امتعاضي من صيحته في جدي، وكان أن شعرت بشيء من الخوف والقلق في اللحظة التي توقعت فيها أن جدي سيغضب ولن يلبث أن يجاري عمي في صيحته. لكن توقعي لحسن الحظ خاب، ولم يتحقق. رأيت جدي وقد تهادت ابتسامة رقيقة وديعة سمحة على شاربيه الكثين، ثم سمعته يرد على عمي بهدوء عجيب: „ ما الذي ينقصك هنا في وطنك لتتمنى أن تكون فرنسياً؟" .
ورأيت عمي إدمون يتلجلج، لمَّا ذكّره جدي ( في تلك المناوشة ) بأنه لم يكن وقتذاك تكوّن في رحم أمه جدتي: " هل كانت أمك ولدتك في تلك الأثناء، لتتوهم أنك كنت ستولد في فرنسا، وتحصل على جنسيتها؟" ثم رأيته يحاول بلا نفع وجدوى أن يجد له مخرجاً من ورطته. وحينذاك إذ رأيت عمي متلجلجاً، امتلأ صدري بالحبور، وصفق قلبي بحماسة لجدي.
إنه جدي! وها هو بضربة منطقية واحدة، يسقط مشاكسه، ويرغمه على الاستكانة والاستسلام!
وكان عمي إذا أطنب في إظهار مساوئ البلد وبالغ في ذلك، تثاءب جدي، ولوّح بيده أمام وجهه في الهواء بحركة شبيهة بحركة يدٍ تنشُّ ذبابة مضجرة: "ما لها سوريا؟! سوريا حريّة (حُرّيّا، كذا يتلفَّظ بها جدي) وحسبُها أن تكون كذلك".
فيحار عمي كيف يضبط لسانه من الغيظ: "حرية؟! هه.. ما الذي يجمع بين سوريا والحرية غير الوزن والقافية؟".
بعد أعوام كثيرة ستؤتي فكرة عمي (أنّ لكل حزب هدفاً) ثمارَها لديَّ.. سأستثمر فكرته هذه في مجادلتي لصديقي جوزيف أوديشو بعد إذ تقوّت أواصر الصداقة بيننا وأفشى لي بسرّه المحجوب. سأحسب فكرة عمي هذه دليلاً مأخوذاً من الواقع على صحة رأيي في قضية الغاية، ودليلاً على فساد رأي جوزيف فيها. فما إن بدأ السجال يحمى وطيسه بيننا – وهو سجال لمَّا يحسم بعد – حتى رميتها في ساحته دليلاً لي، وفي وهمي أن هذا الدليل سيفحمه. سألته:
- أليست غاية حزبك تحقيق العدالة بمفهومها الشامل، أي بوحدتها المضادة للتجزئة؟
فأجاب:
- بلى
قلت:
- فما دمت تقرُّ بأن غاية حزبك تحقيقُ العدالة، فبأي منطق تنفي الغاية من وجود الأشياء في عالمنا؟ كيف لك أن تزعم أن لا غاية، وأنت معتقد أن لحزبكَ الموجود في الساحة السياسية غاية؟
كان سجالنا ابتدأ يوم دعاني جوزيف لشرب الشاي في حوش داره في أصيل دافئ من أصائل الربيع. دعاني جوزيف يومها - وسيدعوني كثيراً بعد تلك الدعوة - لأنه كان علم أنني أستسيغ شرب الشاي الذي تعدّه أورميا زوجته على الطريقة الآشورية. وتلك طريقة تمنح الشاي نكهة خاصة، طعماً زكياً يلذ لي كثيراً. ولن أكون إلا سيء الظن، إن أنا خمنتُ أنه كان دعاني بغرض أن يستميلني لحزبه.
لكني ما كنت إلا واهماً، حين خلت أني بهذا الدليل الواقعي الملموس على وجود الغاية سأربكه فأسكته. أدركت أني كنت واهماً حالَ أن سمعت رده :
- عزيزي، أنا لا أنكر وجود غايات في حياة الإنسان والحيوان. فللإنسان غايات، وهذا حق لا يمارى فيه. وللحيوان غايات، وهذا أيضاً حق لا يمارى فيه. أتفق معك على أن الإنسان لا يحيا إلا لغاية وكذلك الحيوان. نعم، كل إنسان، وكل حيوان حين يستنفد الغاية من وجوده، فلا مفرّ له من أن يصبح لقمة سائغة للعدم. لكني أنكر الغاية من وجود الإنسان والحيوان بما هما جوهران قائمان، كما أنكر إنكاراً أن يكون لوجود الأشياء المادية الجامدة في عالمنا غاية ما... فإن كنت ما زلت ترى أن لكل شيء غاية، فقل لي: ما الغاية من وجود الإنسان بما هو إنسان له وجود مثل سائر الموجودات في الطبيعة؟ ما الغاية من وجود الحيوان بما هو حيوان؟ ما الغاية من وجود الشمس بما هي نجم؟ ما الغاية من وجود الكون بما هو كون؟ ما الغاية من...
نعم، أعترف، بل جدير بي أن أعترف بأنني أُرتجَّ عليّ تحت وطأة أسئلته، وبت محرجاً. وقد تكون أورميا لاحظت حرجي، وانكسار حججي، وخلوّ إجاباتي المفككة الركيكة من الفائدة؛ فأرادت أن تنهي الخلاف بيننا بتهوينها من شأن مسألة الغاية كي لا تؤلمني الهزيمة أمام زوجها، أو كيلا أخرج من ضيافتها حزيناً مكسور الخاطر. قالت وهي تصبُّ لي الشاي الساخن في كوب جديد إذ كنت شُغلت عن كوبي الأول فبرد:
- لا أدري سبب اهتمامكما بقضية الغاية! أي خير فيها؟ ماذا ينفعنا أن نعلم أن للأشياء الموجودة غاية، أو لا غاية؟
فرد جوزيف وقد تطلّقت أساريره:
- إذا علمنا أن ليس للأشياء من غاية، علمنا أن ليس للأشياء من غاية. إن العلم بأن الأشياءَ ليس لها غاية، سيغيظ أخي جورج. وأنا؟ ما غايتي أنا؟ ألي غاية أحبّ إلى نفسي من إغاظة أخي جورج؟
بيد أني لم أستسلم للهزيمة. أنى لرجل مولع بالأفكار المجردة أشد الولع أن يعترف لخصمه بهزيمته في أول وقعة فكرية له معه!
مثل لاعب الشطرنج خسر جولة أمام منافسه، فراح بصبرٍ، بانتباه يعالج أخطاءه التي أدَّت إلى خسارته، ويبحث بهمة عن نقلات قوية تيسّر له الفوز على خصمه في الجولة القادمة، رحت أعالج أسئلةَ جوزيف التي كانت كدَّت ذهني بعويصها هكذا بكثير من التأمل والتروي وتقليب النظر، كلما سنح لي وقتي. ولا زلت أعالجها بذاك النحو من المعالجة حتى اهتديت إلى حلّ لما كان اعتاص عليّ منها سيدخل الرضى إلى عقلي ويهيّئه لخوض معارك فكرية جديدة.
في غرفة المدرسين بعد مرور ما يقرب من ستة أشهر على سجالنا الأول، وفي استراحة لنا، عدنا فخضنا في مسألة الغاية بحضور ثلاثة من زملائنا، كان بينهم زميلنا مدرس اللغة العربية عبد الرحمن معزول الذي سرعان ما اجتذبه جدالنا فساهم فيه. لكنه ما عتم أن تنكب عنه وأعرض مستاء بل مغتاظاً. ولا أحسب أنه أعرض عنا لأنه رأى نفسه على خطأ، أو لأنه رأى حجته وقد انقطعت، كلا، بل أحسب أنه رأى أنه من الخير له أن ينأى بنفسه عن مجادلة من لا يوقر عقيدته الدينية. والحق أن جوزيف في الرد عليه لم يراع أن يكون ردُّه ليّناً. فحين أجاب عبد الرحمن على سؤال جوزيف „ ما الغاية من وجود الإنسان؟“ بقوله : "الغاية من وجود الإنسان هي أن يعبد الإنسانُ الله" باغته جوزيف بردّ خشن:
- ألا ترى أنك تهين إلهك حين تجعله يخلق خلقاً ليعبده؟ ما حاجة إلهك لخلقٍ يعبده؟
وتمكن عبد الرحمن من أن يكظم استياءه، قال:
- تنزَّه الله عن الحاجة! الإنسان هو المحتاج للعبادة يا أستاذ.
فرد عليه جوزيف:
- إن كان الإنسان هو المحتاج للعبادة، فما تفسيرك لقول إلهك إنه ما خلق الإنس والجنّ إلا ليعبدوه؟ أليست العبادة هنا هي غاية إلهك من الخلق؟
- الله خلق الخلق ليعبدوه، إذن فالعبادة غاية البشر من وجودهم.
- العبادة ليست غاية البشر! العبادة غاية الله من خلقه البشر. ألا يعيبك أن تغالطني بتفسيرٍ لا يفسر قول إلهك على حقيقته؟
- بل يفسره تفسيراً صحيحاً
- لا بل أخطأتَ في تفسيرك، والصواب أن غاية إلهك من خلق البشر هي أن يعبدوه. فالعبادة إذن هي غاية إلهك من خلقه الإنس والجن. مَن يخلق شيئاً لعبادته؛ فإنما يخلقه لحاجته إليه، وإلا فقد خلقه عبثاً.
- الله لا يعبث يا أستاذ. الله يخلق ما يشاء من المخلوقات من غير أن يكون في حاجة إليها.
- إذن فهو يخلق مخلوقاته عبثاً. أليس هذا ما تقصد إليه حين تعتقد أن العبادة ليست غايتَه من خلقه لها؟ والغاية؟ ما هي الغاية يا زميلي؟ ماذا تستبطن الغاية من المعاني؟ أليست الغاية تنطوي على معنى الحاجة؟ أم أنك تجهل أن الغاية إن خوت من معنى الحاجة، فهي العبث...؟
فانتفض عبد الرحمن وقام من مكانه، ثم اتجه نحو الباب في حال مَن انتوى الخروج من غرفة المدرسين احتجاجاً ورفضاً لإساءة لحقت به. لكنه سرعان ما غير اتجاهه، فاختار مقعداً بجانب المدفأة، وجلس عليه صامتاً ثم فتح دفتر تحضيره للدروس وانحنى عليه بعنقه. عند ذاك التفتَ إلي جوزيف وحمرة الانفعال لا تزال تخضب وجنتيه. وقال:
- أسمعت؟ هكذا الأمر دائماً مع الدينيين. حسنٌ، فإن كان الله خلق الكون وما فيه عبثاً - وأومأ بطرف عينه إلى عبد الرحمن إيماءة لم تبرأ من الهزء – فكيف لعاقل أن يرى غاية من وجود الكون، وما بداخله من أشياء مفردة؟
قلت معترضاً بحزم هذه المرة، وأنا أمسح على جبيني بمنديل ورقي:
- بل كيف لعاقل ألا يرى غاية من كل شيء في هذا الكون…
فإذا بجوزيف يشحذني بعينيه في دهشة، ويقول:
- ظننتك اقتنعت بعبثية الكون وعبثية أشيائه معه! أحق أنك لم تقتنع بعد؟ لا بأس، لا بأس علي إن وجدتني مضطراً لأن أكرر عليك طلبي. قل لي من فضلك: ما الغاية من وجود الشمس؟
في هذه المرة لم أتحير من سؤاله، بلهجة الواثق من صحة ما يقول، أجبت:
- لكي تعرف الغاية من وجود الشمس، عليك أن تجيب عن هذا السؤال، ففي الجواب عنه تكمن المعرفة: أكان يمكن للحياة أن تنشأ على الأرض لولا وجود الشمس؟
- يا له من سؤال! لا أدري، قد يمكن أن توجد حياة من دون أن توجد شمس، ما أدراني؟. ولكني مع ذلك سأنفي معك احتمال وجود حياة بلا شمس، لأعلم منك كيف تكون غايةٌ من وجود الشمس.
- لكنك إن وافقتني على أن الحياة لا توجد إلا بوجود الشمس، فلا مناص لك حينئذ من أن توافقني على رأيي في أن للشمس غاياتٍ من وجودها، وإحدى غاياتها الحياةُ.
- تريد أن وجود الحياة مرتبط بوجود الشمس؟
- هو ذاك
- ولكنا نتحدث عن مفهوم الغاية، لا عن مفهوم الارتباط.
وأضاف بشيء من التهكم: أريها السها، وتريني القمر.
لكني لم أتأثر بسخريته، واجهت اعتراضه الساخر دون انفعال قائلاً:
- في ارتباط الأشياء بعضها ببعض، إنما يتجلى مفهوم الغاية.
فكاد جوزيف يرتفع عن كرسيه:
- كلا، بل الغاية هي الهدف. فهل للشمس أهداف؟
- ليس بالمعنى الذي قد رسخ في ذهنك.
- وما هذا المعنى الذي قد رسخ في ذهني؟
- هو أنك تفترض اقتران الغاية بالعقل؛ أي أن الغاية في فرضيتك لا تتجلى إلا عند مَنِ امتاز بالعقل. إنك لتفترض أن العاقل يخلق غاياته ثم يجتهد في تحقيقها؛ ولأن الشمس لا تعقل، فإنها في رأيك لا تخلق غاياتها، أليست هذه فرضيتك؟
- بلى، فقل لي بعد هذا ما الغاية من وجود الكون، والكون كما تعلم، لا ارتباط له بأيما شيء آخر؟
- لو أن الكون كان مخلوقاً، لكان مخلوقاً لغاية. ولكن الكون ليس مخلوقاً. إن الكون وجود دائم. فوجوده إذن هو عين غايته. وبتعبير ألطف: إن غايته هي وجوده، ووجوده هو غايته...
في هذه اللحظة قرع جرس المدرسة، فسكتنا عن الجدال، وقمنا إلى عملنا. في الطريق إلى صفوفنا، وعندما رأى عبدُ الرحمن جوزيف وقد ابتعد عنا، مال نحوي فكلمني همساً بلهجة من يفضي إلى صاحبه بسر:
- جوزيف ملحد. ولعلك تعلم أن مجادلة الملحد في قضية كهذه القضية، عبثٌ لا يفضي إلى نتيجة. ليتني ما تورطت في مجادلته! ولكنك حسناً فعلتَ، إذ تصديت له ففنَّدت رأيه. إن فكر زميلنا، خطر على عقول الناشئة. قوله بأن الأشياء، لا غاية من وجودها، نتيجته العدمية. والعدمية، كما لا يخفى عليك، هي الطريق الأخصر إلى إباحة كل شيء.
فابتسمت له وأنا أهز برأسي في هيئة المؤيد قوله، ودخلت صفي.
............



#نعيم_إيليا (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخطأ الرئيسُ ماكرون
- دوَّامةُ النَّهرِ الكبير 5
- دوّامة النهر الكبير 4
- الواجب الوجود بغيره
- فذلكة فلسفية لأطروحة ماركس الحادية عشرة
- دوّامةُ النهر الكبير (3)
- دوَّامةُ النهر الكبير (2)
- دوّامةُ النهر الكبير
- الرسالات السماوية
- صيغة التنزيه، برهان الطعن في المنزَّه
- نحن لا نخلق المعنى
- في حقيقة أن الأشياء تتغير ولا تتغير
- محاورة النرجسي
- وقول النصارى إله يضام
- الردُّ على ابن حزم في مسألة تحريف الكتاب المقدس
- مأزق العلمانية
- ما بين الدين والأفيون من ضروب التشابه
- حقيقة ما جرى في قرية الفردوس
- مشكلة المعرفة لدى ايدن حسين. (دحض المثالية)
- ياء ميم، ياء ميم الست مريم وصاحبها كريم


المزيد.....




- فادي جودة شاعر فلسطيني أمريكي يفوز بجائزة جاكسون الشعرية لهذ ...
- انتهى قبل أن يبدأ.. كوينتن تارانتينو يتخلى عن فيلم -الناقد ا ...
- صورة فلسطينية تحتضن جثمان قريبتها في غزة تفوز بجائزة -مؤسسة ...
- الجزيرة للدراسات يخصص تقريره السنوي لرصد وتحليل تداعيات -طوف ...
- حصريا.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 المبارك وجميع القنوات ال ...
- الجامعة الأمريكية بالقاهرة تطلق مهرجانها الثقافي الأول
- الأسبوع المقبل.. الجامعة العربية تستضيف الجلسة الافتتاحية لم ...
- الأربعاء الأحمر -عودة الروح وبث الحياة
- أرقامًا قياسية.. فيلم شباب البومب يحقق أقوى إفتتاحية لـ فيلم ...
- -جوابي متوقع-.. -المنتدى- يسأل جمال سليمان رأيه في اللهجة ال ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - دَوّامةُ النَّهرِ الكبير 6