|
|
حق العودة
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 22:14
المحور:
الادب والفن
حق العودة*
١/تصريح من النكير إلى النكير
عاش ابو العبد جاري في مخيم صبرا سبعين عاما يحلم بالعودة، عندما أُتيحت له فرصة "الحياة الثانية"، هبطت روحه مباشرة فوق قريته المهجرة، تلفت حوله باحثا عن شجرة التوت، فوجد مكانا يدعى "بيت هعيمك" ومستوطنا بشعر أشقر طويل يمارس اليوغا في ساحة بيته القديم. صرخ أبو العبد: "هذا بيتي!". نظر إليه المستوطن بهدوء وقال: "هل معك تصريح دخول من الإدارة المدنية للبعث من الموت؟". أدرك أبو العبد أن البيروقراطية الإسرائيلية قد وصلت إلى العالم الآخر، فقرر العودة إلى قبره طواعية، حيث لا يحتاج إلى "بطاقة ممغنطة" ليموت بسلام. ٢//مفتاح العودة.. ومستأجر الدفع المسبق
عادت الحاجة أمية من الموت وفي يدها "مفتاح العودة" الصدئ الذي ورثته عن أبيها عام ١٩٤٨، مشت بخطى مرتعشة نحو بيتها في صفد، طرقت الباب، ففتح لها شاب يحمل كأسا من النبيذ، رفعت المفتاح بفخر وقالت: "أنا صاحبة البيت". نظر الشاب إلى المفتاح الصدئ، ثم إلى ملابس الكفن البيضاء، وقال بابتسامة ترحيبية: "أهلاً بكِ! نحن نعرض البيت على تطبيق AirBnB كـ (تجربة عتيقة أصيلة)، الليلة بـ ٢٠٠ دولار، وهناك خصم خاص للأشباح".
٣/زيتونة "صديقة للبيئة"
استيقظ أبو محمد في أرضه في سلفيت بعد غيبوبة أبدية، ركض ليتفقد زيتونته الرومية التي يتجاوز عمرها ستمائة عام، لكنه لم يجد الشجرة،فقد وجد مكانها جدارا إسمنتيا بارتفاع ثمانية أمتار، وخلفه مستوطنة مكيفة بالكامل ، على الجدار، كانت هناك لافتة باللغة الإنجليزية تقول: "مشروع المستوطنة الخضراء، نحن نحافظ على البيئة". التفت إليه جندي عند البرج وقال: "ممنوع الوقوف هنا، هذا الجدار يحمي الطبيعة من أصحابها".
٤/نظام الـ GPS والوطن الجديد عاد الشاب سامر، الذي استشهد في الانتفاضة الثانية، إلى الحياة في رام الله. فتح هاتفه (الذي عاد معه بأعجوبة) وشغل تطبيق الخرائط ليصل إلى القدس. التطبيق ظل يعيد توجيهه: "انعطف يميناً لتجنب الحواجز.. انعطف يساراً بسبب مستوطنة جديدة.. التفت حول نفسك لأن الشارع للمستوطنين فقط". بعد خمس ساعات من الدوران في مساحة لا تزيد عن كيلومترين، أدرك سامر أن الخارطة تبدو كقطعة جبن سويسري أكلت الفئران (المستوطنات) كل ما فيها، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى الثقوب. ٥. إشعار "الإخلاء" الفوري في حي الشيخ جراح، فتح غسان عينيه داخل غرفته القديمة بعد رحلة موت قصيرة. التفت ليجد عائلته تبكي، ليس فرحاً بعودته، بل لأن محكمة الاحتلال أصدرت قراراً بطردهم من المنزل لصالح جمعية استيطانية في نفس يوم بعثه. نظر إليه شقيقه وقال: "حمداً لله على سلامتك يا غسان، خذ هذه الحقيبة واخرج معنا، المستوطن ينتظر بالخارج ليتسلم السرير وهو دافئ". ٦. هواء مدفوع الثمن عاد عجوز من غزة إلى الحياة، وتسلل عبر الحدود البرية ليصل إلى جبال الخليل بحثاً عن هواء نقي. جلس على صخرة وتنفس بعمق. فجأة، ظهرت له دورية تابعة لحرس الحدود. طلبوا هويته، ثم قال له الضابط: "أنت تتنفس هواءً يمر فوق مستوطنة كريات أربع دون دفع ضريبة تلوث فلسطينية". نظر العجوز إلى السماء وقال: "يا رب، ألم تكن هناك شواغر أخرى في جهنم؟ العيش هنا يحتاج ميزانية دولية". ٧. شهيد "مع وقف التنفيذ" عاد خالد إلى الحياة بعد أن صُنّف "شهيداً" لسنوات. مشى في شوارع الخليل القديمة، فوجد الشوارع مغلقة بالأسلاك الشائكة، والمستوطنين يلقون القمامة من الطوابق العليا على رؤوس المارة الفلسطينيين تحت حماية الجيش. عندما حاول الدفاع عن نفسه، صرخ فيه جندي: "أنت مشاغب!". التفت خالد إلى الحشود وقال: "أنا ميت أصلاً، ماذا ستفعلون بي؟ تقتلونني ثانية؟". أجابه الجندي: "لا، سنعتقلك إدارياً بتهمة الموت غير القانوني والمثير للشبهات ". ٨. كنعانيون في تل أبيب عاد باحث آثار فلسطيني من الموت ليثبت عروبة الأرض. بدأ يحفر في الخليل ليعثر على فخار كنعاني. فجأة، حاصرته مجموعة من الفتية المستوطنين يرتدون القبعات الدينية (الكيباه). نظروا إلى الفخار وقالوا: "هذا دليل على أن أجدادنا كانوا يصنعون الحمص هنا قبل ثلاثة آلاف عام". حاول الباحث الشرح، لكنهم صادروا الفخار وأسسوا فوق موقع الحفر خمارة ومزاراً سياحياً أسموه "ينابيع يعقوب للأناقة". ٩. "الترانسفير" الروحي استيقظت عائلة فلسطينية بأكملها في "حياة ثانية" جماعية. قرروا العودة إلى بيتهم في يافا. عندما وصلوا، وجدوا أن البيت تم تحويله إلى معرض للفنون المعاصرة يملكه مليونير فرنسي. طردهم الحارس قائلًا: "المكان هنا للنخبة فقط". أدار الأب وجهه لعائلته وقال: "يبدو أن حتى الأرواح الفلسطينية تحتاج إلى فيزا "شنغن" لتدخل مدنها الساحلية.. هيا بنا نعد إلى البرزخ، هناك على الأقل لا يوجد مستوطنون يطالبون بإثبات ملكية القبر". ١٠. حارس البوابة الأخيرة في نهاية المطاف، قرر مواطن يُدعى "صابر" العودة ليرى ماذا حل ببلدته "بيتا". وجد الجبل الذي كان يلعب فيه طفلاً قد تحول إلى بؤرة استيطانية تتوسع كل ثانية كخلايا سرطانية. وقف صابر أمام البوابة الحديدية للمستوطنة، فخرج له حارس أمن خاص (مستوطن مسلح). سأله الحارس: "من أنت؟". أجاب صابر: "أنا صاحب هذه الأرض، عُدت من الموت". هز الحارس كتفيه وقال: "الأرض للذي يبني فوقها بيتاً أسرع.. الموتى لا يدفعون رهنًا عقاريًا، اذهب وابحث عن وطن في السماء، فالأرض هنا ممتلئة بالكامل".
* هذا كتاب الكتروني صدر عام 2014عن دار حمارتك العرجا/القاهرة . اما النص فهو من نصوصي الجديدة وليس ضمن المجموعة
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
EBE-3 وراكم وراكم..سحقا لكم
-
EBE -3 لديكم ...لا خوف عليكم
-
أوهام كاتب مهمش
-
احلام اليقظة لكاتب عايف التنكة
-
كاتب المنفى/احلام ابو النحس المتفائل
-
كاتب المنفى
-
صبرا وشاتيلا :جرح لا يندمل
-
حين خرمت أذني
-
طفح الكيل
-
التكلفة العالية للموت
-
شاتيلا:جرح مفتوح
-
حين باع الكاتب روحه للشيطان/٢
-
انا والشيطان
-
حين باع الكاتب روحه للشيطان
-
فواتير المواطنة وكوميديا العبث
-
بحث عن منفى جديد
-
لجوء متكرر
-
لقطات من شوارع المدن الألمانية دون توابل متعددة
-
وجه ثالث للسريالية الفلسطينية
-
لقطات من شوارع المدن الألمانية دون نكهة اجنبية
المزيد.....
-
رحيل الفنان السوداني عبد الواحد عبد الله في القاهرة بعد مسير
...
-
ترمب يطلب تعيين رئيس منظمة الفنون القتالية متحدثا للبيت الأب
...
-
قوى سلطوية من بلادي
-
في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي
...
-
الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار
...
-
الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم
...
-
عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع
...
-
سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
-
علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
-
في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|