|
|
شاتيلا:جرح مفتوح
عماد أبو حطب
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 14:04
المحور:
الادب والفن
شاتيلا :جرح مفتوح
1/خرسانة السطح
حين سقطت القذيفة القديمة قبل سنوات على بيت أبي أحمد، تركت فجوة في السقف أسماها "النافذة المستحيلة". كلما هطل المطر في المخيم، يضع وعاء بلاستيكيا تحتها، المشكلة ليست في صوت النقاط المزعج وهي ترتطم بالبلاستيك، بل في ركبته التي تتيبس من الرطوبة. اليوم، تعثر بنعل حذائه المهترئ وهو يغير مكان الوعاء، وانكفأ الماء على فرشته الوحيدة، لم يصرخ، ولم يلعن الظروف، جلس على حافة السرير المبلل يراقب بقعة الماء وهي تتسع في القطن، ويفكر في طول الليل القادم.
2/ هاتف في الزقاق
تدرك رانيا أن اللون الأزرق في السماء مجرد فرضية في زقاقهم، فالأسلاك الكهربائية المتشابكة فوق رأسها تحجب كل شيء،كانت تقف على عتبة الدار تحاول التقاط إشارة إنترنت ضعيفة لتنزيل كتاب صيغته (PDF) من أجل دراستها. مر شاب مسرع بدراجته النارية، واحتك كتفه بكتفها فسقط الهاتف من يدها على الوحل وتشققت شاشته، نظرت إلى الشروخ التي تقاطعت مع الكلمات على الشاشة، وأغلقت الباب. لم يكن لديها ثمن إصلاحه، وكان عليها أن تقرأ الفصل الأول بنصف شاشة غارقة في السواد.
3/ الثوب الضيق
في الليلة التي سبقت حفل تخرجها من معهد التمريض، أمضت ساعتين تحاول إغلاق سحاب الثوب الذي استعارته من ابنة جيرانهم، الثوب كان ضيقا عند الكتفين ويحد من حركتها، حين وقفت في الصباح وسط الخريجين خارج المخيم، شعرت بغصّة وهي ترى زميلاتها يتحركن بخفة في أثوابهن الجديدة المفصلة على المقاس ، عندما نودي اسمها، مشت نحو المنصة بخطوات مشدودة وخوف مكتوم من أن ينبثق قماش الثوب المستعار أمام الكاميرا.
4/رصيف شاتيلا
جلست على الرصيف الفاصل بين صبرا وشاتيلا، أقلب بين أصابعي علبة دهان فارغة. ألغى الزبون اللبناني ورشة الطلاء قبل ساعة، بعد أن عرف أني لا يدأملك أوراقا رسمية تخولني دخول المجمع السكني الحديث في بيروت لعدة أيام متتالية. ورشة كانت ستؤمن لي ثمن حذاء جديد لابنتي. تطلعت إلى أصابعي المصبوغة باللون الأبيض اللامع، وبدا لي عبثيا أن تكون يداي قادرتين على منح البيوت البهجة، بينما أنا عاجز عن عبور شارع.
5/ ثلث باقة
لا أكره انقطاع الكهرباء بقدر ما أكره تلك النبرة الآلية لخدمة العملاء وهي تخبرني: "عذراً، لقد استهلكت 80% من باقة الإنترنت". كنت أصحح خطأ برمجيا لعميل في الخارج، والوقت يداهمني. المولد المحلي خضع لمزاج صاحبه ولتوفر المازوت، انطفأت اللمبة فجأة، وتحول سكون الغرفة إلى جدار مصمت. أخرجت هاتفي لأرى أن البطارية تشارف على الموت أيضاً. تمددت على الأرض الباردة مستندا إلى جدار الغرفة، منتظرا الغد، شاعرا أن عمري يمر بنفس السرعة التي تنفد بها البطاريات.
6/ رائحة الصيف
النافذة الوحيدة في مطبخ جارتي تطل مباشرة على حاوية نفايات كبيرة عند زاوية الشارع ، في تموز، تصبح الرائحة ثقيلة، كأنها مادة ملموسة تعبر الخشب. وضعت أم محمد وعاء صغيرا فيه بضع حبات من القرنفل وقشور الليمون فوق الغاز محاولة تشتيت الهواء، عندما دخل ابنها يشتكي من العشاء البسيط، التفتت إليه ويدها على الملعقة، وشعرت برغبة مفاجئة في ترك كل شيء والخروج للمشي في مكان واسع لا رائحة فيه، لكنها اكتفت بزيادة قرنفلة أخرى في الوعاء.
7/طابع المختار
أمضت الحاجة سلوى الصباح كله واقفة أمام مكتب المختار خارج المخيم، للحصول على إثبات سكن تحتاج إليه لتقديمه للمستوصف،المختار طلب "طابعا أميريا" غير متوفر، وأشار عليها بالذهاب إلى منطقة أخرى لشرائه من السوق السوداء. كانت تشعر بوخز السكري في أطراف أصابعها، وحقيبتها القماشية الصغيرة بدت ثقيلة. عادت إلى زقاقها في المخيم دون الورقة ودون الدواء، وجلست على عتبة بيتها تخلع حذاءها الطبي وتنظر إلى قدميها المتورمتين بعتب صامت.
8/ كرة في السلك
ركل ابن جيراني الكرة البلاستيكية بكل ما أوتي من طاقة طفولية، لم تذهب الكرة نحو المرمى الافتراضي بين حجرين، بل علقت في شبكة الأسلاك الكهربائية المتدلية بين البيوت كالعناكب. حاول الأطفال هز الأسلاك بعصا خشبية، لكن شرارة صغيرة زرقاء انبعثت منها جعلتهم يتراجعون، بقيت الكرة هناك، معلقة بين سلك المولد وسلك الهاتف، يراقبها أطفال الحارة كل يوم وهي تذوب ببطء تحت الشمس، معرقلة رغبتهم الوحيدة في الركض.
9/الحساب المفتوح
كنت أعرف تفاصيل بيوت المخيم من خلال دفتري ذي الغلاف الكرتوني الأزرق، هناك أكتب الديون: "علبة تونة، خبز، نصف كيلو أرز"،اليوم وقفت جارتي أم أحمد تحيد بنظرها عني وهي تطلب كيلو سكر "على الحساب". نظرت إلى الرفوف الشبه فارغة في الدكان ، والى الرقم المتضخم بجانب اسمها في الدفتر. تنهدت، وأنزلت كيس السكر، لكني خططت تحت اسمها خطا أحمر سميكا، حز في نفسي أنني اضطررت لتهديد جارة طفولته بـ "الخط الأحمر" لمجرد أني أخشى الإفلاس.
10/موعد مؤجل
التقى وسيم ونادين عند بائع العصير على أطراف صبرا. تحدثا عن شقة الإيجار التي وجداها أخيراً داخل المخيم: غرفتان ومنافع في قبو رطب، لكن صاحبها طلب سلفة لستة أشهر وبـ "الدولار الأخضر". وضع وسيم كأسه الصغير على الطاولة، والتفت يراقب المارة، قال لها بهدوء إن عليهما تأجيل الزواج حتى الشتاء القادم، نادين لم تعترض، ولم تبك ، أخذت حقيبتها وقامت، تاركة نصف كأسها يدفأ تحت الشمس، وافترقا في الزحام دون أن يتلفتا وراءهما.
#عماد_ابو_حطب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين باع الكاتب روحه للشيطان/٢
-
انا والشيطان
-
حين باع الكاتب روحه للشيطان
-
فواتير المواطنة وكوميديا العبث
-
بحث عن منفى جديد
-
لجوء متكرر
-
لقطات من شوارع المدن الألمانية دون توابل متعددة
-
وجه ثالث للسريالية الفلسطينية
-
لقطات من شوارع المدن الألمانية دون نكهة اجنبية
-
شوارع المانيا بلا شاورما كالعرس بلا زفة
-
شذرات الوجه الثاني للسريالية الفلسطينية
-
شذرات من السريالية الفلسطينية
-
لقطات من المأساة/الملهاة
-
مسرح الموت اليومي
-
حزب الكنبة
-
شذرات عن اوهام عودة
-
شذرات العزلة
-
شذرات رائحة الغياب
-
شظايا شرقية
-
نصوص نوبلية
المزيد.....
-
مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار
...
-
-قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص
...
-
أحمد سعد يفقد صوته قبل إطلاق ألبومه -الموسيقى العربية-
-
الإنتاج السينمائي التونسي:-بكمة- و-ويك إند-.. فيلما رعب ينال
...
-
فرنسا: شخصيات من عالم الثقافة والرياضة توقع عريضة مناهضة للع
...
-
ماكلمور يطلق جولة -الحرية لفلسطين- بعد استبعاده من حفلات إد
...
-
موسكو تكشف تفاصيل مشروع المبنى الجديد للسيرك الكبير
-
مركز -عدالة- في إسرائيل: نقص في أوراق الاقتراع باللغة العربي
...
-
-حين تنطق أخشاب البيوت القديمة-.. متاحف قطر تحول ذكريات الأج
...
-
-الحرية لفلسطين-... جولة جديدة لمغني الراب الأمريكي ماكلمور
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|