حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:48
المحور:
الادب والفن
هناك مفارقة تستحق التأمل في المشهد المسرحي؛ فبينما يحرص كثير من النقاد على مشاهدة العروض وكتابة المقالات النقدية عنها، وتسجيل ملاحظاتهم وتحليلاتهم، ونشرها عبر المنصات المختلفة، يبدو أن هذه الكتابات كثيرًا ما تواجه صمتًا لافتًا. مقال يُنشر ثم تمر الساعات والأيام دون تعليق أو مناقشة، وربما لا يحظى إلا بعدد محدود من الإعجابات. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق فقط بمدى انتشار المقال، وإنما بطبيعة العلاقة بين النقد المسرحي وجمهوره: لمن نكتب؟ وهل يكفي أن نكتب وننشر أم أن الكتابة النقدية تفترض قارئًا يتفاعل معها ويشتبك مع أفكارها؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمر لا يستحق كل هذا الاهتمام، خصوصًا أن النقد المسرحي ليس من الموضوعات التي تحظى بجماهيرية واسعة، وأن جمهوره بطبيعته محدود مقارنة بغيره من أشكال الكتابة. فليس كل من يشاهد عرضًا مسرحيًا يمتلك الرغبة أو الأدوات التي تمكنه من قراءة مقال نقدي، وليس كل من يقرأ مقالًا نقديًا لديه الاستعداد للدخول في نقاش حول أطروحاته وأفكاره. وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها أزمة استثنائية.
لكن الاعتراف بمحدودية جمهور النقد لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للاكتفاء بهذا الواقع أو التسليم به وكأن النقد المسرحي محكوم بالانعزال عن المجال العام، أو أن غياب التفاعل معه أمر طبيعي لا يستدعي التساؤل.
من المؤكد أن عدد الإعجابات لا يمثل معيارًا حقيقيًا للحكم على قيمة المقال النقدي. فقد يحظى منشور ترفيهي بمئات الإعجابات، بينما لا يلتفت إلى مقال فكري أو نقدي إلا عدد محدود من القراء. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين عدم أهمية الإعجابات وعدم أهمية التفاعل. فهناك فرق كبير بين أن نقول إن قيمة المقال لا تُقاس بعدد الإعجابات، وبين أن نقول إن عدد القراء لا يهم أو إن غياب النقاش لا يمثل مشكلة.
الإعجاب قد يكون إشارة عابرة إلى المرور على المنشور، أما التعليق الجاد فيمثل بداية علاقة حقيقية بين الكاتب والقارئ. والمناقشة قد تكشف عن زاوية لم ينتبه إليها الناقد أو تعترض على استنتاج توصل إليه أو تضيف معلومة تغير من مسار القراءة. وهنا تتحول الكتابة من فعل فردي إلى مساحة مشتركة لإنتاج المعرفة. ولسنا بحاجة إلى مئات التعليقات حتى نشعر بأن المقال أدى وظيفته، لكننا بحاجة إلى قارئ حقيقي، وإلى مساحة تسمح للفكرة بأن تُناقش وتُختبر وتُعارَض. فالعشرة الذين يقرأون بوعي قد يكونون أكثر قيمة من ألف إعجاب عابر ولكن ذلك لا يجعلنا نتعامل مع العشرة باعتبارهم العدد المثالي الذي ينبغي أن نتوقف عنده.
يُقال إننا نعمل داخل إطار نخبوي، ليس بمعنى أن هناك أشخاصًا أفضل من غيرهم، وإنما بمعنى أن عدد المهتمين بالنقد المسرحي محدود، وأن عدد القادرين على الاشتباك مع النصوص النقدية أقل من ذلك. وهذا التوصيف يحمل جانبًا من الحقيقة، لكنه يفتح سؤالًا آخر: هل النقد المسرحي نخبوي بطبيعة موضوعه، أم أنه أصبح كذلك بفعل طريقة إنتاجه وتقديمه وتداوله؟
لا شك أن النقد يحتاج إلى معرفة وأدوات ومصطلحات، وأن قراءة العرض المسرحي ليست مجرد انطباع عابر عن أداء الممثلين أو جمال الديكور أو إعجابنا بالقصة. إنها عملية تحليل وتأويل وفهم للعلاقات بين عناصر العرض، وللرؤية الفكرية والجمالية التي ينتجها. لكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني بالضرورة أن تصبح الكتابة النقدية مغلقة على أصحاب التخصص. فهناك فرق بين أن يكون المقال عميقًا وأن يكون معقدًا بلا ضرورة. وبين أن يستخدم الناقد مصطلحًا لأنه يؤدي وظيفة معرفية، وأن يستخدمه ليؤكد امتلاكه معرفة لا يمتلكها القارئ.
إن أحد التحديات الحقيقية أمام النقد المسرحي هو قدرته على الحفاظ على عمقه الأكاديمي والمعرفي، دون أن يفقد قدرته على التواصل مع القارئ غير المتخصص. فالنقد ليس امتحانًا في المصطلحات، ولا استعراضًا للمراجع، وإنما محاولة لتقديم قراءة واعية للعمل الفني، وفتح أبواب جديدة لفهمه. ولعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي نخاطب بها جمهورنا، لا بالتنازل عن أدواتنا النقدية، وإنما بتطوير لغتنا وأساليبنا في تقديم الأفكار.
ومن أهم وظائف النقد المسرحي أنه يمثل ذاكرة للحركة المسرحية. فالعرض المسرحي بطبيعته فن عابر؛ يبدأ في لحظة وينتهي في أخرى، وقد لا تتاح فرصة لمشاهدته مرة ثانية، وقد تختفي تفاصيله بانتهاء موسمه أو انتقال فريقه إلى تجربة جديدة. وهنا تأتي أهمية المقال النقدي؛ فهو لا يسجل فقط أن عرضًا مسرحيًا قد قُدِّم في مكان وزمان محددين، وإنما يحاول أن يحفظ رؤيته الفنية ويحلل اختياراته الجمالية ويرصد نجاحاته وإخفاقاته ويضعه في سياقه الثقافي والفني. وبهذا المعنى، يصبح النقد جزءًا من كتابة تاريخ المسرح، وليس مجرد تعليق على عرض انتهى.
لكن هل يكفي أن نوثق التجارب دون أن نناقشها؟ وهل تتحقق القيمة الكاملة للتوثيق بمجرد وجود المقال في أرشيف صحيفة أو موقع إلكتروني؟
أعتقد أن التوثيق ضرورة ولكنه ليس الوظيفة الوحيدة للنقد. فالمقال النقدي لا ينبغي أن يكون شهادة حضور على عرض مسرحي وإنما شهادة فكرية وجمالية تحاول أن تفهم ما حدث فوق الخشبة ولماذا حدث وما الذي أضافه إلى التجربة المسرحية.
والأهم أن التوثيق لا يعني تسجيل كل ما يُقدم باعتباره إنجازًا، إنما يتطلب التمييز والتقييم والمقارنة والمساءلة.
إننا لا نوثق الحركة المسرحية لكي نثبت فقط أنها كانت موجودة، وإنما لكي نعرف كيف كانت، وما الذي قدمته، وما الذي أخفقت فيه، وما الذي يستحق أن يبقى منها في الذاكرة.
وربما اعتدنا النظر إلى النقد باعتباره مسؤولية الناقد، فهو الذي يشاهد ويحلل ويكتب وينشر، لكننا نغفل أن وجود حركة نقدية حقيقية لا يتوقف على وجود من يكتبون فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى وجود من يقرؤون ويناقشون ويختلفون. فالمخرج الذي يقرأ نقدًا لعرضه، والممثل الذي يتوقف أمام تحليل لأدائه، والكاتب الذي يختلف مع تأويل نصه، والباحث الذي يستفيد من قراءة نقدية في دراسته، كل هؤلاء يساهمون في صناعة بيئة نقدية حية. وليس مطلوبًا أن يتفق الجميع مع الناقد إنما ربما تكون المعارضة أكثر أهمية من الموافقة بشرط أن تكون معارضة قائمة على الفهم والحجة. فمن حق المخرج أن يرفض قراءة الناقد ومن حق الناقد أن ينتقد اختيارات المخرج ومن حق القارئ أن يطرح تأويلًا مختلفًا. لكن ما لا ينبغي أن يغيب هو الحوار نفسه.
إن العلاقة الصحية بين الإبداع والنقد لا تقوم على المجاملة المتبادلة وإنما على الاختلاف المنتج. فالنقد الذي لا يثير سؤالًا ولا يفتح نقاشًا ولا يدفع صاحبه أو متلقيه إلى إعادة التفكير يظل محصورًا في حدود النص المكتوب.
وأضافت مواقع التواصل الاجتماعي إمكانات كبيرة أمام الكتاب والنقاد؛ فلم يعد نشر المقال متوقفًا بالضرورة على موافقة صحيفة أو مجلة، ولم تعد المسافة بين الكاتب والقارئ كما كانت في السابق.
أصبح بإمكان الناقد نشر مقاله والوصول به إلى جمهور واسع في لحظات، كما أصبح بإمكان القارئ التعليق والاعتراض والمناقشة دون قيود النشر التقليدية. ولكن هذه الإمكانات صاحبتها مشكلة أخرى؛ وهي أن طبيعة المنصة نفسها تشجع على التلقي السريع والمحتوى القصير والتفاعل اللحظي. فالمنشورات تتزاحم والأحداث تتوالى وما يُنشر اليوم قد يختفي من ذاكرة المتابعين غدًا.
في هذا السياق، يجد المقال النقدي نفسه في منافسة غير متكافئة مع محتوى سريع وجذاب، لا يحتاج إلى وقت طويل أو تركيز كبير. وهنا ينبغي أن نسأل: هل ننتظر من فيسبوك أن يمنح المقال النقدي قيمته؟ أم نستخدمه بوصفه وسيلة للوصول إلى القارئ، دون أن نجعل خوارزمياته معيارًا للحكم على أهمية ما نكتب؟
من الخطأ أن يتحول الناقد إلى أسير للأرقام يختار موضوعاته وطريقة كتابته وفق ما يتوقع أن يجلب له مزيدًا من التفاعل. كما أنه من الخطأ المقابل أن يتعامل مع غياب القراء باعتباره أمرًا لا يعنيه. فالمنصة ليست بديلًا عن القارئ والانتشار ليس بديلًا عن التأثير ولكن الوصول إلى القارئ يظل جزءًا مهمًا من مسؤولية الكاتب.
هناك سؤال أكثر حساسية ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: ما الذي ننتظره من نشر مقالاتنا النقدية؟
هل نكتب لأننا نريد المشاركة في الحركة المسرحية وتسجيل تجاربها والمساهمة في تطوير خطابها الجمالي والفكري؟ أم أننا ننتظر أيضًا اعترافًا من المحيطين بنا بأن ما نكتبه يستحق القراءة والاهتمام؟
لا أرى تناقضًا بين الأمرين.
فالناقد ليس آلة توثيق ولا كاتبًا منزوع المشاعر ينتظر أن يؤدي مهمته ثم ينصرف. إنه إنسان يبذل وقتًا وجهدًا في مشاهدة العرض والبحث والتحليل والكتابة والمراجعة، ومن الطبيعي أن ينتظر أن يجد أثرًا لما يقدمه. وليس بالضرورة أن يكون هذا الأثر تصفيقًا أو إشادة، وإنما قد يكون سؤالًا، أو اعتراضًا، أو نقاشًا، أو حتى قراءة نقدية مضادة.
إن الرغبة في أن يُقرأ ما نكتبه ليست نقيصة والبحث عن التفاعل ليس بالضرورة بحثًا عن الشهرة. فهناك فرق بين من يريد أن يلفت الأنظار إلى شخصه ومن يريد أن يلفت الأنظار إلى الفكرة التي يطرحها. وإذا كان الناقد يطالب الفنان بأن يتقبل النقد بوصفه جزءًا من العملية الإبداعية، فمن حق القارئ أيضًا أن يطالبه بالكتابة التي تستحق التوقف والقراءة. إنها علاقة متبادلة، لا ينبغي أن يكون أحد طرفيها معفيًا من المسؤولية.
وربما لا تكمن المشكلة في قلة عدد المهتمين بالنقد المسرحي وحدها، وإنما في غياب ثقافة القراءة النقدية داخل جزء من الوسط المسرحي نفسه. فليس كل من يعمل بالمسرح يقرأ النقد، وليس كل من يقرأه يتعامل معه باعتباره أداة للتفكير والتطوير. وأحيانًا يُنظر إلى المقال النقدي من زاوية الموقف الشخصي للناقد من العرض أو صناعه، بدلًا من النظر إلى الحجج والأفكار التي يقدمها.
وقد يتحول السؤال من: ماذا قال الناقد؟ وهل تحليله صحيح؟ إلى: لماذا كتب عن هذا العرض؟ ولماذا لم يكتب عن عرض آخر؟ وهل هو مع هذا المخرج أم ضده؟ وهذا التحول من مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها يضعف البيئة النقدية، ويجعل الحوار أكثر صعوبة.
إننا بحاجة إلى ثقافة تسمح للناقد بأن يكتب دون أن يُتهم في نواياه، وللفنان بأن يعترض دون أن يُصنف باعتباره رافضًا للنقد، وللقارئ بأن يختلف دون أن يشعر بأنه مطالب بالانحياز إلى طرف.
فالحركة المسرحية لا تحتاج إلى نقاد يكتبون فقط، وإنما تحتاج إلى مناخ يسمح للنقد بأن يؤدي دوره دون خوف أو مجاملة أو خصومة شخصية.
ولا أعتقد أن الحل يكمن في مطالبة الجمهور بمزيد من الإعجابات، أو في إقناع النقاد بأن عليهم التوقف عن انتظار التفاعل. فالمسألة أعمق من ذلك. فنحن بحاجة إلى توسيع مساحات نشر النقد المسرحي، وإعادة الاعتبار للمجلات والدوريات المتخصصة، وتشجيع المؤسسات والفرق المسرحية على إقامة لقاءات حقيقية لمناقشة العروض وما كُتب عنها، وإتاحة الفرصة للباحثين والنقاد الشباب للمشاركة في هذه المساحات.
كما نحتاج إلى أن نعيد التفكير في علاقة النقد بالمتلقي، وأن نخرج من فكرة أن المقال النقدي موجه بالضرورة إلى دائرة مغلقة من المتخصصين.
فالنقد في النهاية ليس وثيقة محفوظة في درج، ولا منشورًا ينتظر عددًا من الإعجابات، ولا مناسبة لإثبات حضور الناقد في المشهد. إنه فعل ثقافي يتجاوز لحظة الكتابة والنشر، ويكتسب قيمته من قدرته على إنتاج المعرفة، وفتح الأسئلة، وإثراء الوعي بالفن.
نعم، قد يكون عشرة قراء جادين أكثر قيمة من ألف إعجاب، لكن لماذا نكتفي بالعشرة إذا كان بإمكاننا الوصول إلى مئة؟ ولماذا نعتبر محدودية الجمهور قدرًا لا يمكن تغييره؟
لسنا مطالبين بأن نحول النقد إلى مادة جماهيرية تفقد خصوصيتها وعمقها، لكننا مطالبون بألا نجعل خصوصيته ذريعة لعزلته.
فنحن لا نكتب النقد لكي نحصل على إعجاب الآخرين، لكننا نكتبه أيضًا لكي يقرأه الآخرون. ولا نوثق الحركة المسرحية لكي نملأ الأرشيف بمقالاتنا، وإنما لكي نترك للأجيال القادمة ذاكرة يمكنها أن تقرأها وتناقشها وتختلف معها. فإذا كان التوثيق يحفظ ذاكرة المسرح، فإن الحوار يمنح هذه الذاكرة حياة. وإذا كانت الكتابة تسجل ما حدث فوق الخشبة، فإن القراءة والنقاش يمنحان ما حدث فرصة لأن يستمر في التأثير.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن ننشغل به ليس: كم شخصًا أعجب بمقالنا؟ وإنما كم عقلًا دفعناه إلى التفكير؟ وكم سؤالًا فتحناه؟ وهل استطعنا أن نجعل الكتابة النقدية جزءًا من حياة المسرح، لا مجرد تعليق يأتي بعد انتهاء العرض؟ فالمسرح لا ينتهي بانطفاء الأضواء، والنقد لا ينبغي أن ينتهي بمجرد الضغط على زر النشر.
#حسام_موسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟