أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - كيف تؤدي الشخصية عند بريشت؟














المزيد.....

كيف تؤدي الشخصية عند بريشت؟


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 10:34
المحور: الادب والفن
    


أيها الممثل، عندما تؤدي شخصية وفق تصور بريشت، لا تبدأ من السؤال التقليدي: كيف أصبح هذه الشخصية؟

ابدأ بسؤال مختلف: كيف أجعل الجمهور يرى هذه الشخصية ويفكر في أفعالها؟

فأنت لا تختفي داخل الشخصية، ولا تجعل المتفرج ينسى أنك ممثل. أنت تقف بين الشخصية والجمهور: تؤدي الشخصية، لكنك في الوقت نفسه تحتفظ بوعي نقدي تجاهها.

لنفترض أنك تؤدي دور رجل فقد عمله، وأصبح غاضبًا من المجتمع، ثم سرق مبلغًا من المال.

في التمثيل التقليدي قد تبدأ من الداخل:

أنا هذا الرجل... لقد فقدت عملي... أنا جائع... أنا مظلوم... ولذلك سأشعر بالغضب ثم أسرق.

لكن في التمثيل البريشتي يمكن أن تبدأ بطريقة أخرى:

هذا رجل فقد عمله.
هذه الظروف دفعته إلى الغضب.
وهذا الغضب قاده إلى السرقة.
وأنا، كممثل، أريد أن أجعل الجمهور يرى هذا المسار ويسأل: هل كان يمكن أن يتصرف بطريقة أخرى؟
هنا لا تختفي الشخصية، وإنما يصبح الفعل نفسه موضوعًا للتفكير.
لا تسأل فقط: ماذا أشعر؟
في أثناء البروفة، لا تكتفِ بسؤال:
ماذا تشعر الشخصية الآن؟
أضف إليه:
لماذا تفعل هذا؟
ماذا تريد؟
من المستفيد من هذا الفعل؟
ما الظروف التي دفعتها إليه؟
هل كان يمكن أن تختار شيئًا آخر؟
هذه الأسئلة تجعل الشخصية بالنسبة إليك ليست مجرد مجموعة من الانفعالات، وإنما إنسانًا داخل وضع اجتماعي وتاريخي محدد.

لا تبكِ بدل الشخصية... دع الجمهور يرى لماذا تبكي

تخيل أن الشخصية اكتشفت أن حبيبها خانها.
لا يعني الأداء البريشتي أن تمنع نفسك من البكاء أو أن تصبح جافًا.
يمكنك أن تبكي، لكن لا تجعل هدفك الوحيد أن تجعل الجمهور يبكي معك.
اجعل البكاء نفسه فعلًا قابلًا للملاحظة والتفكير.
يمكن أن تقول الشخصية:
«أنا كنت أثق فيه.»
ثم تصمت.
بدل أن تبحث فقط عن الحزن، اسأل نفسك:
ماذا تقول هذه الجملة عن علاقة هذه الشخصية بالثقة؟ وعن المجتمع الذي تعيش فيه؟ وعن موقعها داخل هذه العلاقة؟
هنا تصبح العاطفة موجودة، لكنها لا تبتلع التفكير.
أنت تعرف شيئًا لا تعرفه الشخصية
من أهم الأشياء التي يمكن أن تفعلها كممثل بريشتي أن تحتفظ بمسافة بينك وبين الشخصية.
الشخصية قد تكون مقتنعة بأنها على حق.
أما أنت فلا يجب بالضرورة أن تكون مقتنعًا بأنها على حق.
لو كانت الشخصية تقول:
«أنا فعلت ذلك لأنني لم أملك خيارًا آخر.»
فلا تؤدِّ الجملة وكأنها حقيقة نهائية.
أدِّها بحيث تترك للجمهور مساحة للسؤال:
هل فعلًا لم يكن أمامه خيار؟
وهنا تظهر أهمية الاغتراب: أنت لا تقدم الشخصية بوصفها حقيقة مكتملة، وإنما تقدمها بوصفها حالة يمكن النظر إليها وفحصها.

كيف تستخدم جسدك؟
الجسد عند الممثل البريشتي لا يكون مجرد وسيلة لإظهار الانفعال.
الحركة نفسها يمكن أن تكشف موقف الشخصية.
إذا كانت الشخصية خائفة، لا يعني ذلك بالضرورة أن ترتجف بصورة طبيعية.
قد تختار حركة بسيطة، واضحة، ومقصودة، تجعل الجمهور يرى الخوف بوصفه سلوكًا.
إذا كانت الشخصية تخضع لشخص أقوى منها، يمكن أن يظهر ذلك في طريقة الوقوف، والمسافة بين الجسدين، واتجاه النظر، وطريقة الاقتراب والابتعاد.
فالجسد هنا لا يقول فقط:
«أنا أشعر بالخوف.»
بل يمكن أن يقول:
«انظروا إلى الطريقة التي تجعل بها السلطة هذا الإنسان يتصرف.»

ماذا تفعل بالصوت؟
الصوت أيضًا ليس مجرد ترجمة للمشاعر.
لا تجعل كل جملة تخرج منك لأنك «شعرت بها».
أحيانًا يمكن أن تقول الجملة بطريقة تكشف تناقض الشخصية.
مثلاً:
«أنا أفعل ذلك من أجل الجميع.»
يمكن أن تؤديها بنبرة تجعل الجمهور ينتبه إلى المسافة بين ما تقوله الشخصية وما قد يكون حقيقة دوافعها.
وهنا يصبح الصوت أداة للتفكير، وليس أداة للإحساس فقط.

لا تخف من أن يرى الجمهور الممثل
إذا توقفت لحظة قبل الجملة، أو غيرت وضع جسدك بوضوح، أو واجهت الجمهور، أو انتقلت من حالة إلى أخرى أمامه، فأنت لا «تفسد الوهم المسرحي» بالضرورة.
على العكس، أنت تذكره:
أنا أشاهد ممثلًا يؤدي شخصية.
وهذا التذكير مهم عند بريشت؛ لأن المطلوب ليس أن ينسى المتفرج نفسه داخل عالم العرض، وإنما أن يظل حاضرًا بعقله.

لا تفرض على الجمهور حكمك
وهنا نقطة شديدة الأهمية.
ليس المطلوب منك أن تقول للجمهور:
«هذه الشخصية شريرة، فكروا فيها باعتبارها شريرة.»
بل قدم أفعالها وتناقضاتها وظروفها.

دع الجمهور يرى:
ماذا فعلت؟ ولماذا فعلت؟ وما النتائج التي ترتبت على فعلها؟
ثم اترك له مساحة للحكم.
الممثل البريشتي لا يغلق الشخصية أمام الجمهور، إنما يفتحها أمامه.

في البروفة: جرّب هذه الطريقة
عندما تستعد لمشهد، جرّب خمس خطوات:
أولًا: اقرأ المشهد باعتبارك ممثلًا، لا باعتبارك الشخصية.
ثانيًا: حدد ما الذي تريده الشخصية من الشخص الآخر.
ثالثًا: حدد الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحيط بها.
رابعًا: اسأل: ما الموقف الذي أريد أن أجعل الجمهور يراه في هذا المشهد؟
خامسًا: أثناء الأداء، لا تبحث فقط عن «الإحساس الصحيح»، ولكن ابحث عن الفعل الواضح والدال.
وأنت على الخشبة...
تذكر هذه الجملة:
لا تقل للجمهور: «تعالوا اشعروا بما أشعر به».
بل قل له، من خلال أدائك:
«انظروا إلى هذا الإنسان. انظروا ماذا يفعل، ولماذا يفعل، وما الذي يدفعه إلى ذلك... وفكروا أنتم.»
وهنا يتحول الممثل من شخص يحاول أن يجعل الجمهور يصدق الشخصية فقط، إلى ممثل يجعل الجمهور يرى الشخصية ويفكر فيها.
فالمسافة التي يصنعها برشت بين الممثل والشخصية ليست مسافة برود، وإنما مسافة وعي.
الممثل لا يخرج من الشخصية، لكنه لا يضيع فيها.
إنه يقف داخل الفعل وخارجه في الوقت نفسه:
يؤدي الشخصية، ويراقبها، ويكشفها، ويترك للمتفرج فرصة أن يحاكم ما يراه بعقله.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بُكره أشتري جناحات.. بس الماضي ماسك في رجليّا
- التجريب المسرحي.. ما هو؟
- أتدرى ما معني المسرح؟
- مسرح الحقيبة.. حين يحمل المسرح خشبته إلى الناس
- مهرجان المسرح التجريبي.. لماذا يعود الجدل كل عام؟
- المهرجان القومي للمسرح... لماذا يتكرر الجدل كل عام؟
- من يكتب التاريخ: المنتصر أم الفنان؟
- المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية
- الكلاسيكيات المسرحية .. حاضر لا ماضي
- القراءة المسرحية.. من اختبار النص إلى فن قائم بذاته
- لمذا تراجع دور النقد والنقاد في مصر؟
- صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح
- المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية


المزيد.....




- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - كيف تؤدي الشخصية عند بريشت؟