أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)















المزيد.....

إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 00:12
المحور: الادب والفن
    


في المقالين السابقين تتبعنا كيف بنى إبسن عالمه المسرحي على كشف الأوهام الإنسانية، وكيف جعل من الحقيقة سلاحًا ذا حدين .. قد تُحرِّر وقد تُدمِّر، وقد تكون خلاصًا وقد تكون لعنة.
لكن ثمَّة سؤال يبقى مفتوحًا.. ماذا يحدث لهذه الأفكار عندما تغادر النص الورقي إلى فضاء الخشبة؟ كيف تتحول فلسفة إبسن في تحطيم الوهم من قراءة عقلية إلى تجربة جسدية وحسية يعيشها الجمهور؟

هنا بالضبط يقع التحول الجوهري الذي نستكشفه في هذا المقال لأن مسرح إبسن لا يكتمل بالقراءة وحدها ولكن يبلغ ذروته عندما يتحول إلى أجساد تتحرك وأصوات ترتجف وصمت يضغط على أعصاب المتفرجين في القاعة.

فعندما نقرأ في عزلة المكتب قد نشعر بعمق صرخة نورا وهي تقول أنها يجب أن تقف لوحدها تمامًا إذا أرادت أن تفهم نفسها والعالم. لكن عندما نشهد هذه اللحظة على الخشبة—عندما نرى ارتعاش يديها، ونسمع تكسّر صوتها، ونحس بالصمت المطبق قبل أن تفتح الباب وتغلقه خلفها—فإننا لا نفهم القرار فحسب ولكن نعيش رهبته.

وهنا يكمن سر المسرح.. فالكلمات وحدها لا تكفي. فالممثل لا ينقل نص إبسن حرفيًا وإنما يضخ فيه حياته الخاصة وخوفه وتردده وذاكرته الجسدية. ولهذا تبدو الشخصيات الإبسنية دائمًا أقرب إلى البشر الحقيقيين منها إلى “الشخصيات الأدبية”.

لقد أدرك إبسن مبكرًا أن المأساة الحديثة لا تحتاج إلى ملوك وآلهة كما في المسرح الإغريقي وإنما إلى غرفة معيشة عادية وزواج يبدو مستقرًا وعائلة تخفي تحت هدوئها شقوقًا عميقة. ومن هنا جاءت قوته بتحويل الحياة اليومية إلى ساحة صراع أخلاقي ونفسي.

وفي هذا السياق تبدو مقولة الناقد والمخرج شديدة الصلة بإبسن حين قال إن المسرح الحقيقي لا يقوم فقط على ما يُقال وإنما على ما يحدث بين الكلمات. فالتوتر في مسرح إبسن لا يعيش في الحوار وحده ولكن في الصمت وفي النظرات المقطوعة وفي الجمل التي تتوقف قبل نهايتها وفي تلك اللحظة التي يدرك فيها المتفرج أن الشخصية تكذب على نفسها قبل أن تكذب على الآخرين.

وإذا كان إبسن قد كتب نصوصًا تكشف الزيف الاجتماعي فإن المخرج هو الذي يمنح هذا الكشف شكله الحسي على الخشبة. فالإخراج في المسرح الإبسني ليس مجرد تنفيذ للنص وإنما عملية تفكيك نفسي وبصري للأوهام التي تعيشها الشخصيات. فمثلًا لا تظهر الأشباح بوصفها كائنات خارقة ولكن بوصفها ميراثًا أخلاقيًا خانقًا كخطايا الماضي والنفاق الاجتماعي والأسرار التي تتوارثها العائلات جيلاً بعد جيل. لكن عبقرية المسرح تكمن في أن هذه الأشباح يمكن أن تتحول—بفضل الإخراج—إلى حضور محسوس.

فقد يختار المخرج إضاءة باهتة تجعل الوجوه شاحبة أو يختار فراغًا بصريًا يوحي بالعزلة أو يختار إيقاعًا بطيئًا يجعل الزمن نفسه يبدو مثقلًا بالخوف. هنا لا يعود الجمهور يفهم فكرة الأشباح وإنما يشعر بأنها تحاصره. والمخرج المبدع لا يقول للمتفرج "انظر هذا وهم ينهار" ولكن يجعله يعيش انهيار الوهم تدريجيًا. فالإيقاع المسرحي عند إبسن يشبه التشقق البطيء في جدار قديم.. في البداية لا نكاد نلاحظ شيئًا ثم فجأة نكتشف أن البناء كله كان على وشك السقوط منذ البداية.

ولهذا السبب تحديدًا ظل إبسن مادة خصبة للمخرجين عبر العصور، من الواقعية النفسية عند إلى القراءات الحداثية والتجريبية المعاصرة. فكل عصر يجد في نصوصه أسئلته الخاصة وكل مخرج يكتشف فيها طبقة جديدة من التوتر الإنساني.

ولكن أكثر ما يثير الدهشة في المسرح الإبسني ليس فقط أثره على الجمهور ولكن أثره على الممثل نفسه. فالممثل الذي يؤدي شخصية تعيش انهيار أوهامها لا يستطيع أن يبقى محايدًا تمامًا. إنه بطريقة ما يدخل يوميًا في مواجهة مع هشاشته الشخصية. فمن تجسد نورا لا تؤدي امرأة تغادر بيتها فقط وإنما تعيش صراع إنسان يكتشف أن حياته السابقة ربما كانت مبنية على التمثيل الاجتماعي. ومن يؤدي أوسفالد في مسرحية الأشباح لا يمثل المرض الجسدي وحده وإنما يمثل إنسانًا حُرم من الحقيقة حتى أصبحت حياته نفسها ميراثًا من الظلام.

وهنا تبرز خصوصية إبسن مقارنة بكثير من كتّاب عصره فشخصياته لا تنهار بسبب حدث خارجي فقط ولكن بسبب لحظة وعي داخلي. والانهيار الداخلي أصعب تمثيلًا من الانفعال الظاهري لأنه يتطلب من الممثل أن يجعل الجمهور يرى ما لا يُرى.

لهذا ارتبط مسرح إبسن بتطور الأداء النفسي الحديث. فالممثل هنا لا يعتمد على الخطابة أو الإيماءات الضخمة ولكن على التفاصيل الصغيرة كصمت مفاجئ أو تنفس مرتبك أو نظرة قصيرة، أو ارتجافة يد تكشف أكثر مما تقوله الصفحات كلها. غير أن الحلقة الأهم في هذه السلسلة تبقى الجمهور نفسه. فإبسن لم يكتب مسرحًا للنخبة الفكرية وحدها وإنما كتب عن البشر العاديين ..عن الأزواج والآباء والأمهات والعائلات التي تبدو مستقرة بينما تخفي داخلها خوفًا وصمتًا طويلًا.

ولهذا يشعر كثير من المتفرجين—حتى اليوم—أن شخصيات إبسن تشبههم بشكل مقلق. فعندما تترك نورا بيتها، أو حين ينهار أوسفالد طالبًا الشمس، أو عندما تتحطم براءة هيدفيج فإن الجمهور لا يشاهد مأساة بعيدة عنه ولكن يرى صورة مكبرة لأسئلته الخاصة. وهنا يصبح المسرح أكثر من ترفيه، يصبح مواجهة جماعية مع الذات.

وقد يكون هذا هو السبب في أن كثيرًا من عروض إبسن أثارت الغضب عند ظهورها الأول. فالجمهور في القرن التاسع عشر لم يكن معتادًا على أن يرى مؤسسة الزواج أو الأخلاق الاجتماعية موضوعة بهذا الشكل تحت المجهر. لقد شعر كثيرون أن إبسن لا يهاجم شخصياته فقط وإنما يهاجم المجتمع كله.

لكن هذا الإزعاج كان جزءًا من مشروعه الفني. فإبسن لم يكتب ليؤكد للناس أن حياتهم مستقرة، ولكن ليكشف الشقوق التي يحاولون تجاهلها. ولذلك ظل معاصرًا حتى اليوم لأن أوهام الإنسان لا تتغير كثيرًا حتى لو تغيرت الأزمنة.

نعود هنا إلى السؤال المركزي الذي رافق هذه السلسلة كلها.. هل يستحق كشف الحقيقة هذا القدر من الألم؟

في مسرحية البطة البرية تبدو الحقيقة قوة مدمرة قد تقتل الإنسان نفسيًا. وفي مسرحية بيت الدمية يبدو الألم ثمنًا لا بد منه للوصول إلى الحرية. أما على الخشبة وفي حضور الجمهور االحي فإن الإجابة لا تأتي في صورة فكرة مجردة وإنما في صورة تجربة شعورية كاملة. فبعض المشاهدين يخرجون من المسرح وقد شعروا بأنهم أكثر قدرة على مواجهة حياتهم بينما يخرج آخرون وهم يشعرون بالخوف من هذه المواجهة ذاتها. وهنا تكمن عبقرية إبسن.. أنه لا يمنحنا راحة اليقين. إنه لا يقول لنا إن الحقيقة خير مطلق ولا إن الوهم شر مطلق وإنما يضع الإنسان في المنطقة الرمادية المؤلمة بين الحاجة إلى الأمان والرغبة في الصدق. ومن هنا يمكن فهم تأثيره العميق على كتّاب الحداثة اللاحقين الذين ورثوا عنه هذا الاهتمام بالهشاش النفسية والصراع الداخلي بوصفه جوهر الدراما الحديثة. ربما كتب إبسن بيت الدمية عام 1879 لكن أسئلته لا تزال حيّة لأن الإنسان نفسه لا يزال يعيش التمزق ذاته .. الخوف من الحقيقة، والحاجة إليها في الوقت نفسه.

وفي هذا المقال الثالث لم نحاول فقط تحليل أفكار إبسن ولكن تتبعنا كيف تتحول هذه الأفكار إلى تجربة حيّة على الخشبة—كيف تنتقل من النص إلى الجسد ومن الجسد إلى وجدان الجمهور. وهنا نكتشف أن تحطيم وهم السعادة ليس لحظة عابرة ولكن عملية مستمرة تبدأ مع الكاتب ويعيد المخرج تشكيلها ويمنحها الممثل لحمًا ودمًا ثم يحملها المتفرج معه خارج المسرح إلى حياته الخاصة.

وربما لهذا السبب تحديدًا يظل مسرح إبسن حيًّا حتى اليوم لأنه لا يقدم أجوبة جاهزة وإنما يتركنا أمام السؤال الأكثر إيلامًا:

هل نملك الشجاعة لنرى حياتنا كما هي فعلًا؟ أم أننا—مثل كثير من شخصياته—نفضّل الوهم لأنه أكثر احتمالًا من الحقيقة؟

لهذا يظل إبسن معاصرًا لكل زمان لا لأنه كتب عن عصره فقط ولكن لأنه كتب عن الإنسان نفسه.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)