أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية














المزيد.....

ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 15:33
المحور: الادب والفن
    


عندما نقترب من أي نص مسرحي، أول ما يصطدم به المخرج والقارئ معًا هو الهيكل الزمني للحكاية. فهل تسير الأحداث في خط مستقيم كالسهم، أم تتشابك وتتداخل وتقفز في الزمن كما تفعل الذاكرة؟ هذا السؤال ليس تقنيًا بقدر ما هو جوهري، لأنه يحدد علاقة الجمهور بالخشبة، وأحيانًا يحدد مصير العمل.
فالبنية الخطية هي الوريث الشرعي للمسرح الأرسطي. ففي كتابه المؤسس "فن الشعر" (Poetics)، وضع أرسطو مفهوم الحبكة المتكاملة القائمة على البدء والوسط والنهاية، حيث تسير الأحداث في تسلسل سببي منطقي: "عرض" ( exposition )، ثم "عقدة" ( rising action )، فـ"ذروة" ( climax )، ثم "حل" ( denouement ). الزمن هنا واضح، والأسباب تؤدي إلى نتائج فورية، والشخصية تتطور بشكل تدريجي ومنطقي. أما نقديًا فهذه البنية تمنح الجمهور شعورًا بالطمأنينة والسيطرة. المشاهد يعرف أين يقف، ويستطيع التعاطف مع البطل خطوة بخطوة. فمسرح إبسن وتشيخوف ومعظم تراجيديات شكسبير، تعتمد هذا النموذج. لكن مشكلتها أنها مع كثرة الاستخدام قد تصبح متوقعة وأحيانًا تكون تعليمية ومملة. الجمهور الذكي اليوم قد يشعر أنه يقرأ رواية من القرن التاسع عشر ليس أكثر.

في المقابل، تأتي البنية غير الخطية كمحاولة لكسر سلطة الزمن. فنجد الناقد الكبير مارتن إيسلن في كتابه الموجّه "مسرح العبث" (The Theatre of the Absurd) يشرح كيف رفض هذا التيار البنى السردية التقليدية والخطية، معتمدًا على التكرار، والقفزات الزمنية، وغياب السببية المباشرة. ونرى هذا بوضوح عند بيكيت في "في انتظار جودو"، أو في مسرح الذاكرة عند تينيسي ويليامز في "زجاج الحيوان" حيث نجد الأحداث لا تتسلسل ولكنها تتصادم: حلم يلي ذكرى، ثم قفزة إلى المستقبل، ثم مشهد متكرر بنهاية مختلفة.

من جهة أخرى، يؤرخ الناقد والمفكر المصري الكبير رشاد رشدي في كتابه "نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن" لتطور البنى الدرامية عبر العصور، موضحًا كيف تحول المسرح الغربي من النموذج الأرسطي المغلق إلى أشكال أكثر انفتاحًا مع ظهور تيارات مثل التعبيرية ومسرح العبث. ويستكمل هذه الرؤية الناقد الفرنسي باتريس بافيس في كتابه "الدراماتورجيا وما بعد الدراماتورجيا" (Dramaturgy and Post-Dramaturgy)، حيث يحلل التحولات نحو ما بعد الدراما والبنى غير التقليدية التي تتحدى التعريفات الكلاسيكية للمسرح. أما نقديًا فهذه البنية غير الخطية أكثر صدقًا مع التجربة الإنسانية المعاصرة فنحن لا نعيش حياتنا خطيًا وإنما ننتقل بين الحنين إلى الماضي والقلق من المستقبل. كما أنها تمنح المخرج مساحة بصرية وتشكيلية أوسع. لكن مشكلتها الكبرى فهي خطر الإرباك. فعندما تكون غير مبررة دراميًا تتحول إلى تمرين نخبوي فارغ، يخرج منه الجمهور متسائلاً .. ماذا حدث للتو؟. فنجد كثير من المسرحيات التجريبية فشلت لأنها استخدمت اللاخطية كغاية وليس كوسيلة.

في السياق العربي، لا يمكننا تجاهل دراسات مهمة مثل كتاب "مسرح العبث بين الصعود والأفول" للباحثة ريم غنايم، الذي يناقش خصوصية تلقي البنى غير الخطية في الثقافة العربية، والصعوبات التي واجهتها عند محاولة تطبيقها على خشباتنا. كما يقدم الناقد عامر صباح المرزوك في كتابه "تحولات البنية الدرامية في مسرح يوسف العاني" نموذجًا حيًا لجدلية الأشكال المحلية والمستوردة، حيث يدرس كيف تأثر كبار كتابنا بالبنية غير الخطية لكنهم ظلوا مخلصين للجذور السردية العربية القائمة على الحكاية الخطية. وهذا يقودونا إلي سؤال محوري ..أيهما أفضل في المسرح اليوم؟

إن الجواب النقدي لا ينحاز لأحدهما مطلقًا. فالبنية الخطية ضرورية في المسرح السياسي أو الاجتماعي الواقعي، حيث نريد نقل رسالة بوضوح. أما البنية غير الخطية فهي أداة مثالية في مسرح الصدمات النفسية، أو السير الذاتية، أو استكشاف حالات الوعي والذاكرة. فالخطي يشبه العمارة الكلاسيكية.. متين وواضح ويمكن ترميمه. غير الخطي يشبه الرسم التكعيبي ..صادم وجميل لكنه يحتاج إلى عين مدربة.

لذا فإن ما يميز كاتبًا مسرحيًا جيدًا اليوم ليس اختياره لأحدهما، ولكن قدرته على تبرير اختياره داخل النص. فالبنية غير الخطية لا تصلح لكل شيء، والبنية الخطية ليست عفا عليها الزمن. إن النقد الحقيقي يجب أن يسأل.. هل خدم الشكل المادة الدرامية؟ أم طغى عليها؟

المراجع

1. أرسطو – "فن الشعر" (Poetics).
2. مارتن إيسلن – "مسرح العبث" (The Theatre of the Absurd).
3. رشاد رشدي – "نظرية الدراما من أرسطو إلى الآن".
4. باتريس بافيس – "الدراماتورجيا وما بعد الدراماتورجيا".
5. ريم غنايم – "مسرح العبث بين الصعود والأفول".
6. عامر صباح المرزوك – "تحولات البنية الدرامية في مسرح يوسف العاني".



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف
- الناقد المسرحي: نظرة معمقة في قلب العرض
- كيف يمكن للمسرح أن يستعيد جمهوره؟


المزيد.....




- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية