أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)














المزيد.....

إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


في المقالة السابقة أوضحنا أن هنريك إبسن قد جعل من كشف الأوهام الإنسانية محورًا أساسيًا في مشروعه الفني. ولم يكن معنيًا بإدانة الشخصيات بقدر ما كان يسعى إلى فضح البُنى الزائفة التي تمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالسعادة، بينما تخفي داخله تناقضًا عميقًا. حيث تتجلى هذه الرؤية بوضوح في مسرحية بيت الدمية، حيث تعيش “نورا” داخل وهم الزواج السعيد. تبدو العلاقة مع “هيلمر” مستقرة ومثالية، لكنها في حقيقتها قائمة على التبعية والتمثيل. لحظة انكشاف الحقيقة—عندما تدرك نورا أنها كانت تُعامَل كطفلة أو “دمية”—تأتي قاسية ومدمرة. قرارها بترك البيت ليس لحظة انتصار مريح، وإنما لحظة اقتلاع مؤلم من حياة اعتادت عليها. ومع ذلك، فإن هذا الألم هو بداية وعيها بذاتها، وبداية تحررها الحقيقي.

وفي الأشباح، يذهب إبسن إلى بُعد أكثر قتامة. السيدة “ألفينج” تحاول الحفاظ على صورة زوجها الراحل كرجل فاضل، رغم معرفتها بحقيقته المنحرفة. هذا الإصرار على “الوهم الأخلاقي” لا يحمي العائلة، لكن يؤدي إلى كارثة تصيب الابن “أوسفالد”. هنا يوضح إبسن أن التستر على الحقيقة لا يلغيها، وإنما يسمح لها بأن تتحول إلى “أشباح” تلاحق الحاضر وتدمّره. الألم الناتج عن انكشاف الحقيقة في هذه المسرحية لا يقود إلى خلاص واضح، لكنه يكشف بوضوح أن الوهم كان أصل المأساة.

أما في البطة البرية، فيطرح إبسن رؤية أكثر تعقيدًا وإشكالية. “جريجرز فيرله” يؤمن بضرورة كشف الحقيقة مهما كان الثمن، فيسعى إلى تحطيم الأوهام التي تعيش فيها عائلة “إكدال”. لكن النتيجة تكون مأساوية، إذ يؤدي هذا “السعي النبيل” إلى انهيار الأسرة وموت “هيدفيج”. هنا يتساءل إبسن: هل كل وهم يجب تحطيمه؟ أم أن بعض الأوهام تمثل “دعامة نفسية” لا يستطيع الإنسان العيش بدونها؟ هذه المسرحية لا تنقض فكر إبسن بقدر ما تعمّقه، إذ تكشف أن العلاقة بين الحقيقة والسعادة ليست بسيطة أو مباشرة.

ومن خلال هذه النماذج، يتضح أن إبسن لا يقدّم وصفة جاهزة للسعادة، ولكن يضع الإنسان أمام معضلة وجودية: أن يعيش في وهم مريح، أو يواجه حقيقة مؤلمة. في “بيت الدمية”، يبدو التحرر ممكنًا رغم الألم؛ في “الأشباح”، يبدو أن ثمن الوهم أفدح من تحمّل الحقيقة؛ أما في “البطة البرية”، فإن الحقيقة نفسها قد تتحول إلى قوة مدمرة إذا فُرضت بلا رحمة.
هكذا يمكن فهم الفكرة القائلة إن تحطيم وهم السعادة الزائفة مأساوي، لكنه يحمل في طياته إمكانية التحرر. غير أن إبسن يضيف بُعدًا أكثر عمقًا: ليس كل تحرر مريحًا، وليس كل حقيقة منقذة. فالإنسان، في عالم إبسن، محكوم بأن يدفع ثمن وعيه—لكن هذا الثمن هو ما يمنحه إنسانيته.

غير أن فكر إبسن لا يكتمل عند حدود النص المكتوب، ولكن يتجدد ويتعمّق في لحظة عرضه على الخشبة. فالنص، مهما بلغ من قوة، يظل بناءً فكريًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكتسب حضوره الكامل إلا عبر عناصر العرض المسرحي. هنا يتداخل دور المخرج والممثل في نقل هذا الصراع بين الوهم والحقيقة من مستوى الفكرة إلى مستوى التجربة الحيّة.
فالمخرج لا يكتفي بتقديم النص، ولكن يهيّئ البيئة التي تتجسد فيها هذه الأوهام: عبر الإضاءة، والفضاء، والإيقاع، وصياغة العلاقات بين الشخصيات، فيجعل التوتر الكامن في النص مرئيًا ومحسوسًا. أما الممثل، فهو من يمنح هذا التوتر روحه، إذ يجسّد لحظة الانكشاف بكل ما تحمله من ارتباك وألم ووعي متصاعد. وهنا تحديدًا يتحول فكر إبسن من فكرة تُفهم إلى تجربة تُعاش.
ومن ثم، يمكن القول إن المؤلف يضع البناء الفكري، والمخرج يهيّئ العالم الذي يتحرك فيه هذا البناء، بينما يصنع الممثل التجربة التي تبقى في ذاكرة الجمهور. وبهذا، لا يعود تحطيم الوهم مجرد فكرة فلسفية، ولكن يصبح حدثًا إنسانيًا حيًا يعيشه المتلقي، ويتأثر به على مستوى أعمق من مجرد الفهم العقلي.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف
- الناقد المسرحي: نظرة معمقة في قلب العرض
- كيف يمكن للمسرح أن يستعيد جمهوره؟
- تقليص مدد مهرجانات المسرح: أزمة استخفاف أم تحديات معقدة؟


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)