أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)














المزيد.....

إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 21:42
المحور: الادب والفن
    


يُعدّ هنريك إبسن أحد أبرز رواد المسرح الواقعي، وقد جعل من كشف الأوهام الإنسانية محورًا أساسيًا في مشروعه الفني. لم يكن معنيًا بإدانة الشخصيات بقدر ما كان يسعى إلى فضح البُنى الزائفة التي تمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالسعادة، بينما تخفي داخله تناقضًا عميقًا. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في مسرحية بيت الدمية، حيث تعيش “نورا” داخل وهم الزواج السعيد. وفي لحظة الانكشاف الحاسمة، تقول نورا لزوجها:

"كنتُ دميتك هنا، كما كنتُ دميةً في بيت أبي."

بهذه العبارة المكثفة، يفضح إبسن طبيعة العلاقة التي بدت من الخارج مثالية. وعندما تقرر نورا الرحيل، لا تصوّر المسرحية هذا القرار كخلاص مريح، ولكن كصدمة وجودية. تقول:

"يجب أن أقف وحدي تمامًا إذا أردتُ أن أفهم نفسي والعالم."

إنه إعلان قاسٍ بأن المعرفة لا تأتي دون ثمن، وأن التحرر يبدأ من العزلة المؤلمة.

وفي الأشباح، نرى كيف يتحول الوهم الأخلاقي إلى لعنة. السيدة ألفينج، التي أخفت فساد زوجها حفاظًا على السمعة، تعترف في لحظة مريرة:

"كل ما أخشاه هو أن تعود الأشباح."

لكن “الأشباح” هنا ليست كائنات خارقة، ولكن هي—كما يوضح النص— أفكار موروثة وأكاذيب اجتماعية تستمر في السيطرة على الحاضر. ويبلغ الألم ذروته عندما يقول أوسفالد:

"أعطني الشمس!"

هذه الصرخة ليست مجرد طلب للنور، وإنما تعبير مأساوي عن إنسان حُرم من الحقيقة، فدفع الثمن في جسده وروحه.

أما في البطة البرية، فإن إبسن يطرح تساؤلًا أكثر تعقيدًا حول قيمة الحقيقة نفسها. يقول الطبيب ريلينج عبارته الشهيرة:

"إذا جرّدتَ إنسانًا عاديًا من وهمه في الحياة، سلبتَه سعادته في الوقت نفسه."

هذه الجملة تمثل قلب الإشكالية الإبسنية: هل الحقيقة دائمًا فضيلة؟ أم أن بعض الأوهام ضرورة إنسانية؟ فمحاولة “جريجرز” فرض الحقيقة على عائلة إكدال لا تؤدي إلى التحرر، وإنما إلى مأساة، وكأن إبسن يحذر من مثالية قاسية لا تراعي هشاشة البشر.

من خلال هذه الأمثلة، يتضح أن إبسن لا يقدّم إجابة واحدة، ولكنه يضعنا أمام شبكة معقدة من التوترات: بين الحقيقة والوهم، بين الحرية والألم، بين المعرفة والاستقرار. في “بيت الدمية”، تبدو الحقيقة طريقًا للتحرر؛ في “الأشباح”، يصبح الوهم سبب الدمار؛ أما في “البطة البرية”، فتغدو الحقيقة نفسها خطرًا حين تُفرض بلا رحمة.

وهكذا، يمكن القول إن تحطيم وهم السعادة الزائفة عند إبسن هو فعل مأساوي، لكنه ضروري في كثير من الأحيان. غير أن هذا “الضروري” ليس مطلقًا، ولكن مشروط بقدرة الإنسان على تحمّل الحقيقة. فإبسن لا يمجّد الألم لذاته، ولكن يكشف أنه الثمن الذي قد يُدفع في سبيل حياة أكثر صدقًا—حتى وإن كانت أقل طمأنينة.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف
- الناقد المسرحي: نظرة معمقة في قلب العرض
- كيف يمكن للمسرح أن يستعيد جمهوره؟
- تقليص مدد مهرجانات المسرح: أزمة استخفاف أم تحديات معقدة؟
- دنيس ديدرو: المؤلف الموسوعي ورائد الدراما البرجوازية


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)