حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري
الحوار المتمدن-العدد: 8549 - 2025 / 12 / 7 - 18:03
المحور:
الادب والفن
لا يخلو أي مشهد ثقافي من اختلافات في الرؤى والمنطلقات، فالاختلاف نفسه ضرورة لإثراء الحركة النقدية ودفعها نحو قراءة أعمق وأكثر تنوعًا. غير أن ما يهدّد النقد اليوم ليس هذا الاختلاف بحدّ ذاته، وإنما تحوّله أحيانًا إلى مساحات من التهكّم والتلميح والسخرية، حيث تتوارى الحجة خلف نبرة استهجان، ويتراجع الحوار المعرفي لصالح "توصيفات" تُصنع على عجل ثم يجري تداولها كأنها حقائق.
في الأيام الأخيرة، ظهرت ممارسات نقدية تعتمد على الشذرات الساخرة أو التعليقات المختصرة التي تُطلق أحكامًا قطعية حول مفاهيم أو مهرجانات أو تجارب مسرحية كاملة، دون تقديم تحليل أو منهج أو حتى شاهد واحد. هذا النموذج من الكتابة مهما كانت دوافعه يختزل فعل النقد في "جملة طائشة" أو تعليق لاذع، بينما يظل القارئ بلا معرفة، والباحث بلا مسار، والمشهد نفسه بلا إضافة تُبنى عليها خطوات لاحقة.
في المقابل، نجد كتابات أخرى تلجأ إلى التقليل من شأن المختلف معها، سواء عبر نزع الصفات النقدية، أو التشكيك في الاطلاع أو ترويج صورة "أسطورية" ساخرة لشخصيات تعمل في الحقل المسرحي. وهنا لا يعود الاختلاف حول المفهوم أو المنهج ولكن يصبح خلافًا شخصيًا يُلبَس ثوبًا نقديًا.
فالنقد، في جوهره، مشروع معرفي، يقوم على الحجة والبرهان وتراكم التجربة المدعومة بالقراءة والتحليل. النقد ليس إعلانًا عن "حدس" أو "استشعار" غامض، وليس ساحة لإطلاق الأحكام النهائية دون تفكير أو تبرير. كما أنه ليس مناسبة لتجريد الزملاء من مكانتهم أو تحويل الحوار الثقافي إلى مباراة سخرية علنية. إذن كيف يمكن أن نتحدث عن تطوير النقد المسرحي، بينما اللغة المستخدمة فيه تتراجع من التحليل إلى التهكّم؟
إن ما نحتاجه اليوم هو إعادة تأسيس أخلاقيات الحوار النقدي قبل إعادة بناء مناهجه. فليس مطلوبًا من الجميع أن يتفقوا؛ لكن المطلوب أن يُحسِن الجميع إدارة الاختلاف. النقد لا يتقدم إلا إذا احترم أصحابه بعضهم، وإذا ظلّ الخلاف بينهم خلافًا معرفيًا لا شخصيًا. فقد آن الأوان للتأكيد على أن الحجة أقوى من السخرية، والمنهج أبقى من التلميح، والاحترام شرط لأي نهضة نقدية حقيقية. وعلى المشهد المسرحي العربي أن يختار ما بين نقدًا يُبنى بالحوار، أو صراعات تُبنى على ظلال الكلمات لا على قوتها.
#حسام_موسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟