أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل














المزيد.....

عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


في الفن المسرحي والسينمائي تبدو الشخصية وكأنها كائن مكتمل منذ لحظة كتابتها. يضع الكاتب اسمها، تاريخها، دوافعها، ومسارها داخل الحكاية، فيظن القارئ أن الشخصية قد وُلدت كاملة على الورق. لكن الحقيقة أن الشخصية لا تولد فعلاً إلا حين يلتقي بها ممثل ما على الخشبة أو أمام الكاميرا.
الكاتب يضع الاحتمال، أما الممثل فيصنع التحقق.
لهذا السبب يصعب أحيانًا تخيّل بعض الأدوار من دون الممثل الذي جسدها. ليس لأن النص لا يسمح بغيره، ولكن لأن الممثل أضاف إلى الشخصية شيئًا لم يكن مكتوبًا: نبرة صوت، طريقة نظر، إيقاع حركة، أو حتى صمتًا طويلًا بين جملة وأخرى. تلك التفاصيل الصغيرة تتحول مع الزمن إلى جزء من هوية الشخصية نفسها.
وهنا تبدأ اللعبة المعقدة بين ثلاثة أطراف: الكاتب، المخرج، والممثل.
الكاتب يضع البذرة الأولى للشخصية، والمخرج يحدد البيئة التي ستنمو فيها، أما الممثل فيمنحها الجسد والروح. لذلك فإن تغيير الممثل لا يعني فقط تغيير الوجه الذي يظهر على الشاشة، لكن يعني غالبًا تغيير معنى الشخصية نفسها.
قد يكون النص واحدًا، لكن الشخصيات ليست هي نفسها.
مخرج ما قد يرى في الدور جانبًا مأساويًا فيدفع الممثل إلى أداء داخلي هادئ، بينما قد يراه مخرج آخر شخصية غاضبة فيجعله أكثر توترًا وانفجارًا. وفي كلتا الحالتين يبقى النص كما هو، لكن النتيجة مختلفة تمامًا.
ولعل السينما المصرية تقدم مثالًا بليغًا على هذه العلاقة المركبة في التعاون بين المخرج يوسف شاهين والممثل محمود المليجي. فالمليجي كان قد رسخ حضوره في أدوار الشر التقليدية في السينما المصرية، لكن شاهين أعاد اكتشاف طاقاته الدرامية في أفلامه. في فيلم الأرض مثلاً لم يكن المليجي مجرد ممثل يؤدي دور فلاح بسيط، ولكن أصبح وجهًا لمعنى أوسع: الإنسان الملتصق بالأرض حتى آخر لحظة. المشهد الشهير وهو يُسحب على التراب لم يكن مجرد لحظة درامية، وإنما تحول إلى صورة رمزية كاملة عن الصراع بين الإنسان والأرض والسلطة.
في تلك اللحظة لم يعد المشهد ملكًا للنص وحده، ولا للإخراج وحده، ولكن أصبح نتيجة التقاء رؤية المخرج بقدرة ممثل يعرف كيف يمنح الجسد معنى.
وتتكرر الظاهرة نفسها في مثال آخر مختلف تمامًا، هو تجربة يحيى شاهين في تجسيد شخصية السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ السينمائية. هذه الشخصية في الرواية مزيج معقد من الهيبة والسلطة الأبوية والتناقض الإنساني، لكن الأداء الذي قدمه يحيى شاهين منحها حضورًا خاصًا جعلها تترسخ في الذاكرة الجمعية للمشاهدين.
لم يكن عبد الجواد مجرد أب صارم، إنما شخصية تحمل تناقضات واضحة بين سلطته داخل البيت وحياته خارجه. طريقة وقوف يحيى شاهين، صوته الهادئ المهيب، ونظرته التي تجمع بين القسوة والضعف، كلها عناصر صنعت شخصية يصعب تخيلها بوجه آخر.
في هذه الحالة أيضًا يتضح أن النص يضع الأساس، لكن الممثل يخلق النسخة التي تعيش في ذاكرة الجمهور.
لهذا السبب تتشكل في تاريخ السينما والمسرح ثنائيات فنية مميزة بين مخرجين وممثلين. ليس لأن المخرج لا يستطيع العمل مع غيرهم، ولا لأن الممثل لا يستطيع العمل مع غيره، وإنما لأن كل طرف وجد في الآخر مفتاحًا خفيًا لشخصيات معينة.
المخرج يرى في الممثل إمكانات قد لا يراها هو في نفسه، والممثل يجد في المخرج من يستطيع استخراج تلك الإمكانات.
لكن هذه العلاقة ليست دائمًا سهلة أو مستقرة. أحيانًا يريد الممثل أن يذهب بالشخصية إلى مكان، بينما يرى المخرج أنها يجب أن تظل في مكان آخر. في هذه اللحظة يصبح الصراع جزءًا من عملية الخلق نفسها.
وقد يكون هذا الصراع تحديدًا هو ما يمنح بعض الأعمال قوتها.
في النهاية لا يمكن القول إن الشخصية تنتمي بالكامل إلى الكاتب أو المخرج أو الممثل. هي نتيجة تفاعل بينهم جميعًا. النص يضع الشكل الأولي، الإخراج يحدد الإطار، والتمثيل يملأ الفراغات بالحياة.
ولهذا، عندما يتذكر الجمهور شخصية ما بعد سنوات من مشاهدة العمل، فإنه لا يتذكر النص وحده، ولا المخرج وحده. إنما يتذكر تلك اللحظة التي شعر فيها أن الشخصية أصبحت إنسانًا حقيقيًا.
وذلك هو السحر الصغير الذي يحدث كلما التقى ممثل جيد بشخصية مكتوبة جيدًا تحت عين مخرج يعرف ماذا يريد.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف
- الناقد المسرحي: نظرة معمقة في قلب العرض
- كيف يمكن للمسرح أن يستعيد جمهوره؟
- تقليص مدد مهرجانات المسرح: أزمة استخفاف أم تحديات معقدة؟
- دنيس ديدرو: المؤلف الموسوعي ورائد الدراما البرجوازية
- رؤية الواقع وثقافة العلوم الإنسانية: أسس النقد والمسرح الحقي ...


المزيد.....




- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل