أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - الحبكة الثانوية في المسرحية















المزيد.....

الحبكة الثانوية في المسرحية


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


لا تتحرك الحكاية في البناء الدرامي دائمًا في خط واحد مستقيم ولكن تتشعب وتتكاثر لتخلق طبقات من المعنى. هنا تبرز الحبكة الثانوية بوصفها عنصرًا بنيويًا مهمًا وليس مجرد إضافة زخرفية. فهي خط درامي مواز للحبكة الرئيسية أحيانًا يتقاطع معها أحيانًا أو ينعكس عليها أو حتى يعارضها الأمر الذي يؤدي لإثراء التجربة المسرحية ويمنحها عمقًا وتأويلاً متعدد
المستويات.

وفي أغلب النماذج الكلاسيكية لا تقوم الحبكة الثانوية على الاستقلال التام ولكن ترتبط بالحكاية المركزية عبر خيط موضوعي أو دلالي. فهي قد لا تشاركها نفس الأحداث ولكنها تشترك معها في السؤال الجوهري عن السلطة.. الحب.. الخيانة.. أو العدالة. ومع ذلك ينبغي التحفظ هنا؛ فبعض التجارب المسرحية الحديثة وخصوصًا في المسرح الملحمي أو ما بعد الدرامي تميل إلى منح الخطوط الثانوية استقلالًا أكبر، ففي مسرحية الأم شجاعة وأولادها (1939) لبرتولت بريخت لا تقف الحكاية الثانوية للجندي الساذج (إيليف) كمجرد مرآة لصراع الأم مع الحرب وإنما تنمو كخط درامي شبه مستقل يعرض نموذجًا آخر للانهزام الأخلاقي تحت وطأة العنف، وتتقاطع مع الحبكة الرئيسية فقط في مشاهد قليلة حاسمة. أما في مسرح ما بعد الدراما عند هانز تيس ليمان فالحبكات الثانوية قد لا تتصل ببعضها البتة، كما في أعمال فرانك كاستورف أو هاينر مولر (مثل حرب طروادة المحتضرة) حيث تتجاور مسارات متعددة مستقلة تمامًا فتتحقق الدلالة من تلقاء ذاتها عبر التراكم لا عبر الصراع المركزي. هذا التنوع لا ينفي القاعدة ولكن يثريها ويكشف مرونتها عبر العصور.

وقد ازدهرت تقنية الحبكات الثانوية في المسرح الإليزابيثي، حيث نجد نماذج بالغة الدقة في توازي البنى الدرامية. فنجد في مسرحية الملك لير أن الحبكة الثانوية لا تكتفي بوظيفة التزيين أو التخفيف وإنما تنهض بدور بنيوي مواز لمأساة لير نفسه. فحكاية جلوستر وابنيه (إدجار وإدموند) تعكس بشكل مباشر مأساة الأب الملك مع بناته. فكلا من لير وجلوستر يقعان ضحية خداع الأبناء حيث نجد لير يُخدع بتملق جونريل وريجان ويقصي كورديليا الصادقة، وجلوستر يُخدع بابنه غير الشرعي إدموند فينقلب على إدجار البار. هذا التوازي لا يكرر الحدث ولكن يعمّقه، فما يحدث للير بوصفه ملكًا يحدث لجلوستر بوصفه أبًا، فيتحول الخاص إلى عام، والفردي إلى نموذج إنساني. كما أن مصير جلوستر— العمى الجسدي الذي يكشف بصيرة متأخرة— يوازي “عمى” لير المعنوي، فيتضاعف المعنى عبر صورتين دراميتين متجاورتين. (١).

وتتخذ الحبكة الثانوية منحى مختلفًا في المسرح الفرنسي الكلاسيكي فنجد عند موليير كثيرًا ما تُستخدم لتعميق البعد الكوميدي وكشف تناقضات الشخصية الرئيسية من خلال مرآة ساخرة. ففي مسرحية الطبيب رغم أنفه أن الكوميديا لا تقوم فقط على حيلة تحويل سجاناريل إلى طبيب بالقسر وإنما تتكثف عبر الخطوط الثانوية المرتبطة بالخدم والعشاق، حيث تتقاطع حكاية لوسيند ولياندر مع خدعة الطبيب. وهذه الحبكة الموازية لا تعمل كزينة ولكن كآلية دفع للأحداث فهي تبرر استمرار الخداع وتكشف في الوقت نفسه هشاشة السلطة الاجتماعية التي تمنح الجاهل صفة الطبيب لمجرد المظهر والادعاء. هنا يتحول الهامش— عالم الخدم والعشاق— إلى قوة محركة تكشف زيف المركز.

أما عند ماريفو فتتجلى الحبكة الثانوية بوصفها مساحة لفضح التفاوت الطبقي عبر التوازي بين عوالم الأسياد والخدم. فمثلًا في مسرحية لعبة الحب والصدفة يتنكر الأسياد في هيئة خدم بينما يتقمص الخدم أدوار السادة، فتتشكل حبكتان متوازيتان تتبادلان المواقع وهذا التداخل لا يخلق فقط مفارقة كوميدية ولكن يكشف هشاشة الفوارق الاجتماعية ويجعل الحبكة الثانوية أداة تحليل اجتماعي بامتياز.

ومن أبرز وظائف الحبكة الثانوية خلق نوع من التوازن داخل العرض، فهي قد تخفف من حدة التراجيديا بإدخال عنصر هزلي (كما في مشهد حفار القبور في هاملت) أو تضاعف التوتر عبر تقديم صورة موازية أكثر قتامة. كما تمنح المتلقي فرصة للمقارنة فيدرك المعنى ليس من خلال الحدث الواحد ولكن عبر شبكة من العلاقات الدرامية حيث تتجاور النماذج وتتقاطع لتنتج دلالة مركبة.

ومع ذلك لا بد من التنبيه إلى أن فاعلية الحبكة الثانوية لا تتوقف على النص المكتوب وحده وإنما تتجسد أيضًا عبر الإخراج والأداء التمثيلي. فمخرج مختلف يمكنه أن يحول حبكة ثانوية
ناجحة على الورق إلى عنصر مشتت على الخشبة. فعلى سبيل المثال لو قرر مخرج إعطاء مساحة زمنية مفرطة لشخصية (الخادمة) في مسرحية ماريفو، أو لو أدى ممثل دور (إدموند)
في الملك لير بأداء كاريكاتوري مبالغ فيه، فإن الحبكة الثانوية التي كانت من المفترض أن تعمق المأساة قد تتحول إلى ضجيج يشتت الانتباه عن الصراع المركزي. حتي إن بعض المخرجين الجدد قد يتعمدون إلى حذف خط ثانوي بأكمله إذا شعروا أنه لا يضيف معنى جديدًا أو أنه ينافس زمنيًا الحبكة الرئيسية دون مبرر. وبالتالي تظل الحبكة الثانوية علاقة ديناميكية بين النص والإخراج والتلقي، وليس صفة ثابتة في النص وحده. (٢).

كما أن الحبكة الثانوية قد تفشل حتى في النص نفسه حين تنفصل عن الخيط الدلالي للحكاية المركزية فتبدو كقصة مضافة لا ضرورة لها، أو حين تتضخم زمنيًا فتنافس الخط الرئيسي بدل أن تخدمه، أو حين تكرر الفكرة ذاتها دون تعميق فتغدو مرآة باهتة لا تولد معنى جديدًا. وفي بعض العروض، تُستخدم الحبكة الثانوية كوسيلة لملء الفراغ الإيقاعي أو لإقحام مادة هزلية غير مندمجة، فينقطع الإيقاع بدل أن يتوازن. إدراك هذه الإمكانات السلبية لا ينقض قيمة الحبكة الثانوية، لكنه يضع شروط فاعليتها: اتصال دلالي واضح، اقتصاد زمني، وقدرة على الإضافة وليس التكرار.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى الحبكة الثانوية كعنصر ثانوي بالمعنى القيمي ولكن هي شريك فعلي في إنتاج الدلالة — لكن بشرط تحقق وظائفها. إنها المساحة التي يقول فيها النص ما لا
يستطيع قوله مباشرة، كما رأينا في توازي مأساة لير مع جلوستر، أو في كشف الخدم لحقيقة السادة عند موليير. وبينما تتحول هذه التقنية في أكثر صورها نجاحًا إلى أداة للكشف والمقارنة، تظل حساسة لسوء التوظيف الإخراجي أو النصي، وقد تتحول — إن أُسيء استخدامها — إلى مجرد ضجيج يحجب الرؤية بدل أن يوضحها.

المراجع

١ (انظر: Goldman, Michael. Shakespeare and the Energies of Drama. Princeton UP, 1972, pp. 84-92).

٢ (انظر: Pavis, Patrice. Dictionary of the Theatre: Terms, Concepts, and Analysis. University of Toronto Press, 1998, entries: "subplot", "mise en scène").



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة
- التلقائية في التمثيل
- مسرحية -بلاي- كنموذج لاستخدام مصطلح Teatrum Mundi في المسرح ...
- فن التمثيل بين الرسالة والانحراف


المزيد.....




- الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة -صلاة مدنية للمقاومة – ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة.. رحيل نجم -باب الحارة- و-أهل ...
- -جيل يقرأ.. جيل ينهض-.. معرض كتاب الطفل بدمشق يستعيد بريق ال ...
- فيلم -مايكل-.. قصة كاملة أم نسخة مفلترة من حياة ملك البوب؟
- جعفر جاكسون يحيي أسطورة عمه.. فهل أنقذ فيلم -مايكل-؟
- الرواية الهوليوودية.. كيف تروي التاريخ سينمائيا عبر عدسة الس ...
- الجامعة العربية تؤكد التزامها بتعزيز منظومة الملكية الفكرية ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة عن عمر ناهز 81 عاما
- ظلالٌ تتبدّل حين يطول الغياب
- تحولات ريف مسقط وعُمان.. -شيكاغو- تتوّج محمود الرحبي بجائزة ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - الحبكة الثانوية في المسرحية