أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية















المزيد.....

المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


كثيرًا ما يقع الخلط بين مصطلحي المسرح المدرسي ومسرح الطفل، حتى إن بعض الدراسات تستخدمهما باعتبارهما مترادفين، بينما يؤكد الباحثون أن العلاقة بينهما هي علاقة عموم وخصوص، وليست علاقة تطابق. فكل مسرح مدرسي يندرج ضمن الاهتمام بالطفل، لكن ليس كل مسرح طفل مسرحًا مدرسيًا. وينشأ هذا الخلط من اشتراك المجالين في الفئة العمرية المستهدفة، بينما يختلفان في الفلسفة، والهدف، وآليات الإنتاج، والمعايير الفنية.

ويُعرف مسرح الطفل بأنه فن مسرحي متكامل يُكتب ويُنتج خصيصًا للأطفال، مع مراعاة خصائصهم النفسية والعقلية والوجدانية. والغاية الأولى لهذا المسرح ليست تلقين المعلومات وإنما تقديم تجربة جمالية تثير الخيال وتمنح الطفل المتعة، ثم تنقل إليه القيم بصورة غير مباشرة.

ويؤكد الباحث محمد حامد أبو الخير أن مسرح الطفل لا يختلف عن المسرح الموجه للكبار في جوهره الفني، وإنما يختلف في طبيعة المتلقي، ولذلك ينبغي أن يحترم ذكاء الطفل وأن يعتمد على الدراما والصراع والحبكة، لا على الوعظ المباشر.

ويذهب د. أحمد صقر إلى أن نجاح مسرح الطفل مرهون بقدرته على تحقيق التوازن بين الفن والتربية، فإذا طغت الرسالة التعليمية على البناء الدرامي فقد العرض قيمته المسرحية.

ولهذا نجد أن الأعمال الخالدة الموجهة للأطفال مثل: ذات الرداء الأحمر. سندريلا. سنو وايت. الأمير الضفدع. علاء الدين. تظل حاضرة في ذاكرة الأطفال لأنها تقدم مغامرة وشخصيات وصراعًا، وليس لأنها تلقي درسًا أخلاقيًا مباشرًا.

وفي المسرح المصري يمكن أن نستشهد بعروض سنو وايت والأنغام السبعة وذات... والرداء الأحمر. العديد من عروض المركز القومي لثقافة الطفل والبيت الفني للمسرح، التي تعتمد على الاحتراف في الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والموسيقى.

أما المسرح المدرسي فهو نشاط تربوي وفني تمارسه المدرسة من خلال التلاميذ تحت إشراف المعلمين، ويهدف إلى تنمية شخصية الطالب أكثر من إنتاج عرض احترافي.

ويؤكد هشام زين الدين أن المسرح المدرسي ليس مجرد وسيلة للترفيه، وإنما هو أداة تربوية لبناء الإنسان، وتنمية مهارات التواصل والثقة بالنفس والعمل الجماعي. كما يرى د. أحمد صقر أن المسرح المدرسي يرتبط بالمناهج الدراسية وبالأنشطة التعليمية، ولذلك تخضع موضوعاته غالبًا للأهداف التربوية التي تحددها المؤسسة التعليمية.

فعندما تقدم مدرسة مسرحية عن النظافة أو ترشيد المياه او حب الوطن أو احترام المعلم أو مكافحة التنمر. فإن الهدف الأساسي يكون غرس قيمة تربوية لدى التلاميذ، حتى لو جاءت المعالجة الدرامية بسيطة.

الاختلاف لا يكمن في مكان العرض، وإنما في الفلسفة التي يقوم عليها العمل المسرحي. فقد تُقدم مسرحية داخل مدرسة لكنها تُعد من مسرح الطفل لأنها إنتاج احترافي موجه للأطفال، كما قد تُعرض مسرحية على خشبة مسرح كبير لكنها لا تُعد مسرح طفل إذا لم تُراعِ خصائص الطفل. لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس مكان العرض، وإنما طبيعة العمل نفسه.

إذن فيختلف مسرح الطفل عن المسرح المدرسي اختلافًا جوهريًا في فلسفة كل منهما ووظيفته، وإن كان كلاهما يتوجهان إلى الطفل. فمسرح الطفل ينطلق من كونه فنًا مسرحيًا متكاملًا، يهدف في المقام الأول إلى تقديم تجربة جمالية ممتعة تعتمد على عناصر الدراما من حبكة وصراع وشخصيات وحوار، ثم تأتي الرسالة التربوية بصورة غير مباشرة داخل النسيج الفني. أما المسرح المدرسي فينطلق من المؤسسة التعليمية، ويُوظَّف بوصفه وسيلة تربوية وتعليمية تسهم في تنمية شخصية التلميذ، وغرس القيم، وتعزيز مهاراته اللغوية والاجتماعية والإبداعية.

ويظهر الاختلاف أيضًا في طبيعة القائمين على العمل المسرحي؛ ففي مسرح الطفل يتولى كتابة النص وإخراجه وتنفيذه فريق من المتخصصين والمحترفين في مجالات التأليف والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، بما يضمن تقديم عرض يمتلك مقومات فنية عالية. أما في المسرح المدرسي، فإن العمل غالبًا ما يكون من إعداد وإشراف معلمي اللغة العربية أو التربي المسرحية والأخصائيين الاجتماعيين، ويقوم بأداء الأدوار التلاميذ أنفسهم، لأن الغاية الأساسية هي تدريبهم وإكسابهم الخبرة أكثر من إنتاج عرض احترافي.

كما يختلف الجمهور المستهدف في كل منهما؛ فمسرح الطفل يوجَّه إلى الأطفال بوصفهم متلقين أساسيين، وقد يشاركهم المشاهدة أولياء الأمور أو الأسرة، بينما يقتصر جمهور المسرح المدرسي غالبًا على طلاب المدرسة والمعلمين وأولياء الأمور في المناسبات المدرسية.

ويمتد الاختلاف إلى بيئة العرض وإمكاناته الفنية؛ إذ يُقدَّم مسرح الطفل عادة في المسارح المتخصصة أو المراكز الثقافية أو المهرجانات، ويعتمد على تقنيات احترافية في الديكور والإضاءة والملابس والمؤثرات الصوتية والاستعراضات. أما المسرح المدرسي فيُقدَّم داخل المدرسة، سواء على خشبة المسرح المدرسي أو في فناء المدرسة، وتعتمد عناصره الفنية على الإمكانات المتاحة داخل المؤسسة التعليمية، وهو ما يجعله أكثر بساطة من الناحية التقنية.

ويختلف معيار النجاح في كل منهما كذلك؛ ففي مسرح الطفل يُقاس نجاح العرض بمدى تكامله الفني وقدرته على جذب الطفل وإمتاعه وإثارة خياله مع إيصال رسالته بصورة غير مباشرة، في حين يُقاس نجاح المسرح المدرسي بمدى تحقيقه لأهدافه التربوية والتعليمية، مثل تنمية الثقة بالنفس، واكتساب مهارات التواصل، وتعزيز روح العمل الجماعي، واكتشاف المواهب لدى التلاميذ.

ومن ثم، فإن الفارق بين المسرحين لا يكمن في عمر المتلقي أو مكان العرض فحسب، إنما في طبيعة المشروع المسرحي ذاته؛ فمسرح الطفل مشروع فني يخاطب الطفل، بينما المسرح المدرسي مشروع تربوي يستخدم الفن وسيلة لتحقيق أهداف تعليمية وتنموية. ولهذا يمكن القول إن المسرح المدرسي يمثل أحد تطبيقات مسرح الطفل، لكنه لا يستوعب مفهومه الكامل، لأن مسرح الطفل يظل أكثر شمولًا واتساعًا من حيث الرؤية والأهداف والإمكانات الفنية.

فمثلًا إذا قدم المركز القومي لثقافة الطفل عرضًا احترافيًا لـ"سنو وايت" باستخدام الديكور والإضاءة والاستعراضات، فإننا أمام مسرح طفل. أما إذا قدم طلاب الصف السادس المسرحية نفسها في حفل المدرسة بهدف تدريبهم على الأداء والثقة بالنفس، فإننا أمام مسرح مدرسي. إذن النص واحد، لكن طبيعة الإنتاج والهدف مختلفان.

وإذا كتب معلم المدرسة مشهدًا قصيرًا عن التنمر يؤديه الطلاب في طابور الصباح، فهذا مسرح مدرسي. أما إذا كتب مؤلف محترف مسرحية كاملة عن التنمر، تعتمد على الصراع الدرامي والشخصيات والحبكة، وقدمتها فرقة متخصصة للأطفال، فهذا مسرح طفل.

وعندما يعيد مخرج محترف توظيف حكاية ذات الرداء الأحمر ليطرح قضية مخاطر العالم الرقمي بأسلوب رمزي، فإنه يقدم مسرح طفل. أما عندما تستخدم المدرسة القصة نفسها لتعليم الأطفال عدم الحديث مع الغرباء، فإنها توظفها ضمن المسرح المدرسي. ولكن هل المسرح المدرسي أقل قيمة؟ الإجابة لا بالفعل. فالخلط بين الاحتراف الفني والقيمة التربوية خطأ شائع.

ولقد أثبتت الدراسات التربوية أن المسرح المدرسي يسهم في تنمية الثقة بالنفس وتحسين مهارات اللغة وتنمية الخيال واكتشاف المواهب وتعزيز روح العمل الجماعي ومعالجة المشكلات السلوكية. لكنه ليس مطالبًا دائمًا بأن يبلغ المستوى الفني الذي يبلغه مسرح الطفل الاحترافي.

إن الفصل بين المسرح المدرسي ومسرح الطفل ليس فصلًا بين مجالين متعارضين، إنما هو تمييز بين وظيفتين متكاملتين. فمسرح الطفل ينطلق من الفن ليصل إلى التربية، بينما ينطلق المسرح المدرسي من التربية مستعينًا بالفن. وعندما يلتقي الإبداع المسرحي مع الرؤية التربوية، يتحقق النموذج الأمثل الذي يجمع بين المتعة والفائدة، ويمنح الطفل تجربة مسرحية قادرة على تنمية وجدانه وعقله وخياله في آن واحد.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكلاسيكيات المسرحية .. حاضر لا ماضي
- القراءة المسرحية.. من اختبار النص إلى فن قائم بذاته
- لمذا تراجع دور النقد والنقاد في مصر؟
- صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح
- المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير


المزيد.....




- الروايات الإعلامية تجبر على نقل مشهد مختلف من إيران
- مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.. فنان وشم يطرح حلًا لمن لا ...
- خميس مليانة تحتضن الطبعة الأولى للأيام الوطنية للفيلم القصير ...
- زعيم صرب البوسنة يدعو لإلغاء منصب الممثل السامي للبوسنة واله ...
- من ذهب القيصر إلى الياقوت السوفيتي.. قصة نجوم الكرملين الخال ...
- أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد ...
- من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع ...
- قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
- بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل ...
- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية