أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح














المزيد.....

صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 04:57
المحور: الادب والفن
    


منذ العصور القديمة شكّلت الأسطورة مصدرًا أساسيًا للفنون عامةً وللمسرح خاصةً، إذ وجد المسرحيون في الأساطير قدرة كبيرة على التعبير عن الصراعات الإنسانية العميقة. وتُعد أسطورة صندوق باندورا من أكثر الأساطير التي تحمل دلالات رمزية وإنسانية قابلة للتوظيف المسرحي، لأنها تقوم على فكرة اكتشاف المجهول وما يترتب عليه من كوارث وتحولات نفسية واجتماعية.

تروي الأسطورة اليونانية أن الإله زيوس منح باندورا صندوقًا وطلب منها ألا تفتحه، لكنها بدافع الفضول قامت بفتحه، فانطلقت منه جميع الشرور إلى العالم مثل المرض والخوف والحزن والموت، بينما بقي الأمل وحده داخل الصندوق. ومن هنا أصبح صندوق باندورا رمزًا لكل فعل يبدو بسيطًا في بدايته لكنه يؤدي إلى نتائج خطيرة ومعقدة يصعب التحكم بها.

وترتبط هذه الفكرة ارتباطًا وثيقًا بالمسرح، لأن المسرح في جوهره يعتمد على كشف المخفي والمسكوت عنه داخل النفس البشرية والمجتمع. فالعرض المسرحي يشبه إلى حد بعيد لحظة فتح الصندوق، إذ تبدأ الأحداث غالبًا بفعل صغير أو سرّ خفي، ثم تتصاعد الصراعات حتى تنكشف الحقائق وتتغير مصائر الشخصيات.

ويظهر ذلك بوضوح في التراجيديا اليونانية، خاصة في مسرحية أوديب ملكًا لسوفوكليس، حيث يسعى أوديب إلى معرفة الحقيقة وكشف سبب اللعنة التي أصابت المدينة، لكنه حين يكتشف الحقيقة يدرك أنه هو نفسه سبب المأساة. وهنا تتحول المعرفة إلى صندوق باندورا يفتح أبواب الألم والانهيار النفسي، فتصبح الحقيقة كارثة بدلاً من أن تكون خلاصًا.

كما يمكن ربط الأسطورة بمسرحية هاملت لوليام شكسبير، إذ تبدأ الأحداث بعد اكتشاف هاملت سرّ مقتل والده، ومنذ لحظة معرفة الحقيقة تبدأ سلسلة من الانتقام والجنون والقتل. إن كشف السر هنا يشبه فتح صندوق باندورا الذي أطلق الفوضى داخل القصر الملكي وأدى إلى سقوط الجميع.

وفي المسرح الحديث تتكرر الفكرة بصورة مختلفة، كما في مسرحية بيت الدمية لهنريك إبسن، حيث يؤدي انكشاف الحقيقة المتعلقة بشخصية نورا إلى انهيار حياتها الزوجية واكتشافها زيف المجتمع الذي تعيش فيه. فالمعرفة هنا لا تؤدي فقط إلى الأزمة، إنما إلى الوعي والتحرر أيضًا، وكأن المسرح يؤكد أن فتح الصندوق رغم آلامه قد يقود إلى اكتشاف الذات.

أما في المسرح العربي، فتظهر الفكرة في العديد من النصوص التي تعتمد على كشف الأسرار السياسية أو الاجتماعية. ففي مسرحيات توفيق الحكيم نجد أن الشخصيات كثيرًا ما تدخل في صراع بين الحقيقة والوهم، وبين الرغبة في المعرفة والخوف من نتائجها، وهو ما يجعل البناء الدرامي قائمًا على التوتر الناتج عن فتح الصندوق واكتشاف ما كان مخفيًا.

فمثلًا في مسرحية أهل الكهف نجد الأبطال يكتشفون حقيقة الزمن الذي فقدوه، فتتحول المعرفة إلى أزمة وجودية. وتدور مسرحية لسلطان الحائر حول الصراع بين السلطة والحقيقة والشرعية. وفي مسرحية يا طالع الشجرة يتجلي البحث عن المعنى والحقيقة وسط عالم ملتبس وغامض. أما في مسرحية السلطان الحائر نجد أن اكتشاف الحقائق القانونية والسياسية يفتح سلسلة من الصراعات التي تغيّر مصير الشخصيات، تمامًا كما يؤدي فتح صندوق باندورا إلى إطلاق نتائج غير متوقعة.

ومن الناحية النفسية، يمكن النظر إلى صندوق باندورا باعتباره رمزًا للعقل الإنساني بما يحمله من رغبات مكبوتة ومخاوف دفينة، لذلك يعتمد المسرح النفسي على كشف هذه الأعماق الداخلية أمام الجمهور. فالممثل أثناء الأداء يزيح الأقنعة عن الشخصية تدريجيًا، حتى تظهر حقيقتها كاملة أمام المتفرج، وكأن العرض المسرحي نفسه عملية فتح لصندوق النفس البشرية.

كما أن المسرح المعاصر استخدم هذا الرمز للتعبير عن قضايا العصر، مثل الحروب والتكنولوجيا والسلطة وكشف الأسرار السياسية، حيث تبدو بعض الاكتشافات الحديثة وكأنها صناديق باندورا جديدة أطلقت أزمات لم يكن الإنسان مستعدًا لها. ولهذا بقيت الأسطورة حاضرة في الفن والمسرح لأنها تعبّر عن طبيعة الإنسان القلقة وسعيه الدائم إلى المعرفة مهما كانت النتائج.

وفي النهاية يمكن القول إن العلاقة بين صندوق باندورا والمسرح علاقة عميقة تقوم على فكرة الكشف والصراع والتحول. فكما أدى فتح الصندوق إلى انطلاق الشرور في الأسطورة، يؤدي كشف الحقيقة في المسرح إلى انفجار الحدث الدرامي وتصاعده، مما يجعل هذه الأسطورة رمزًا خالدًا لفهم النفس البشرية والحياة المسرحية معًا.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...


المزيد.....




- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح