أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - أزمة الكتابة النقدية المعاصرة














المزيد.....

أزمة الكتابة النقدية المعاصرة


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


لم تعد أزمة النقد المسرحي اليوم كامنة في غياب الكتابة عن العروض وإنما في طبيعة هذه الكتابة نفسها. فالكثير من النصوص النقدية المعاصرة تبدو أقرب إلى انطباعات ذاتية سريعة، حتى حين تُقدَّم في صورة دراسات نقدية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم النقد المسرحي ذاته: هل وظيفة الناقد أن يعبّر عن شعوره تجاه العرض، أم أن مهمته الأساسية هي تحليل البنية الجمالية والفكرية للعمل المسرحي؟

لقد أصبح من المألوف أن تتأسس بعض الكتابات النقدية على لغة إنشائية تحتفي بالعرض أو تهاجمه، دون أن تقدّم أدوات واضحة لفهمه. فنقرأ أحكامًا مثل “عرض جامد” أو “مخرج متمكن” أو “أداء شديد الصدق”، لكننا لا نجد تفسيرًا دقيقًا لكيفية تشكّل هذا الإدهاش أو هذا التمكن أو تلك الحالة الشعورية. وهنا يتحول النقد من فعل تحليلي إلى مجرد انفعال لغوي. وتكمن خطورة هذا النوع من الكتابة في أنه يختزل العرض المسرحي في أثره المباشر، بينما المسرح فن مركب يقوم على شبكة معقدة من العلاقات بين النص، والإخراج، والأداء، والفضاء، والإيقاع، والصورة، والصوت. ولذلك فإ النقد الحقيقي لا يكتفي بوصف ما يشعر به الناقد وإنما يحاول تفكيك الآليات التي أنتجت هذا الشعور.

فالناقد لا يُفترض أن يكون شاهدًا منبهرًا بالعرض ولكن لابد أن بكون قارئًا قادرًا على النفاذ إلى طبقاته الداخلية. وأيضا عليه أن يقرأ منطق بناء الشخصيات، وطبيعة إدارة الممثل داخل الفضاء المسرحي، والعلاقة بين الحركة والإضاءة، وكيفية اشتغال السينوغرافيا بوصفها عنصرًا دلاليًّا وليس مجرد خلفية بصرية. كما أن عليه أن يربط العرض بسياقه الفكري والجمالي، وأن يتعامل معه بوصفه خطابًا فنيًّا يحمل رؤية للعالم، وليس مجرد حدث جمالي عابر.

وقد ارتبط تطور المسرح دائمًا بوجود نقد يمتلك أدوات معرفية حقيقية. فـبرتولت بريخت لم يكن يرى المتلقي مجرد متأثر بالعرض ولكن كان يراه عقلًا مدعوًّا إلى التفكير والتحليل، وهو ما يجعل من النقد امتدادًا لهذا الوعي التأملي. وكذلك فإن قسطنطين ستانسلافسكي لم يتعامل مع الأداء بوصفه حالة انفعالية تلقائية ولكن بوصفه بناءً داخليًّا معقدًا، وهو ما يتطلب قراءة نقدية تتجاوز الأحكام السطحية. أما أنطونان آرتو فقد فتح الباب أمام فهم المسرح باعتباره لغة حسية ورمزية كثيفة، تحتاج إلى ناقد يمتلك حساسية فكرية وجمالية خاصة.

إن أزمة الكتابة النقدية اليوم لا تتعلق فقط بضعف الأدوات وإنما أيضًا بتراجع فكرة “المنهج”. فالنقد لا يصبح نقدًا لمجرد أنه كُتب بلغة ثقافية أو مليئة بالمصطلحات، وإنما بقدرته على بناء رؤية تحليلية واضحة. ومن دون هذا العمق المنهجي يتحول النص النقدي إلى تأمل ذاتي طويل، أو إلى إعادة سرد لما جرى فوق الخشبة.

إن المسرح، بوصفه فنًّا قادرًا على مساءلة الإنسان والعالم، يحتاج إلى نقد يوازيه في العمق والجرأة. نقد لا يكتفي بالانفعال أمام العرض ولكن يسعى إلى فهم بنيته، وكشف منطقه الداخلي، وتحليل رؤيته الجمالية والفكرية. فالمسرح الجاد لا يصنعه المخرج والممثل وحدهما ولكن يكتمل أيضًا بوجود ناقد قادر على تحويل المشاهدة إلى معرفة، والانفعال إلى قراءة.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج
- كارمن: تراجيديا العشق والتمرد في رؤية مسرحية جديدة


المزيد.....




- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري
- سحر الأبيض والأزرق.. -سيدي بوسعيد- لوحة تراثية تروي ذاكرة تو ...
- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...
- ماندول النورستانية.. ذاكرة الجبال التي تقاوم النسيان
- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - أزمة الكتابة النقدية المعاصرة