أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر















المزيد.....


المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


قبل تتبع التحولات التاريخية للمسرح الساتيري، من الضروري التمييز بين عدد من المصطلحات التي كثيرًا ما تُستخدم بوصفها مترادفات رغم اختلافها الدلالي والتاريخي. فالمسرحية الساتيرية الإغريقية (Satyr Play) تشير إلى شكل درامي محدد نشأ في الطقوس الديونيسية، يعتمد على جوقة الساتير (السيلينات) ويمزج الأسطورة بالهزل الجسدي بعد العروض التراجيدية. أما "الساتير" (Satire) بالمعنى الأوسع، فهو خطاب نقدي ساخر يستهدف كشف التناقضات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية باستخدام التهكم والمفارقة والمبالغة. وبينما يُعد "الهجاء" أقرب إلى الهجوم المباشر اللاذع على شخص أو ظاهرة أو سلطة بعينها، فإن الساتير قد يكون أكثر تركيبًا وأقل مباشرة، إذ قد يفضح الواقع عبر السخرية غير المباشرة أو المفارقة أو قلب المعاني. كذلك لا تتطابق الكوميديا السياسية مع الساتير دائمًا؛ فالكوميديا السياسية قد تكتفي بالإضحاك والتعليق المرح على الأحداث العامة، بينما يسعى الساتير غالبًا إلى تفكيك البنى الفكرية والاجتماعية وكشف زيفها أو تناقضها. ومن هنا، يستخدم هذا المقال مصطلح "الساتير" بوصفه مظلة واسعة تضم أشكالًا متعددة من النقد الساخر، مع الحفاظ على خصوصية كل شكل وسياقه التاريخي.

الجذور الإغريقية للمسرح الساتيري
يُعد المسرح الساتيري أحد أبرز الأشكال الدرامية التي مزجت بين الجد والهزل، متخذًا من النقد الاجتماعي والسياسي منصة للتغيير والفكر. انطلاقًا من اليونان القديمة وصولًا إلى العروض المعاصرة، ظل هذا النمط المسرحي قادرًا على فضح المتناقضات الإنسانية دون التخلي عن المتعة الجمالية والفكاهة اللاذعة.

ونشأ المسرح الساتيري في أثينا خلال القرن السادس قبل الميلاد، كجزء من احتفالات أعياد ديونيسيا تكريمًا للإله ديونيسيوس. وتميزت العروض الساتيرية بوجود جوقة من (السيلينات) وهي كائنات نصف بشرية نصف حيوانية، تجمع بين الرقص والغناء والتعليق الساخر. وكانت المسرحية الساتيرية تُعرض عادة بعد ثلاث مسرحيات تراجيدية، لتمنح الجمهور متنفسًا كوميديًا يناقش القضايا الجادة بأسلوب تهكمي. (١)

ومن أشهر كتّاب هذا النوع كلاً من إبخارموس وبراتيناس، غير أن النصوص الباقية قليلة، وأكملها سوفوكليس ويوريبيديس. وتعد مسرحية "الكيكلوبس" ليوريبيديس هي النموذج المتكامل الوحيد الباقي، وتدور المسرحية حول صراع الذكاء مقابل القوة الغاشمة، حيث يصل البطل أوديسيوس مع رجاله إلى جزيرة العملاق بوليفيموس، فيُحتجزون لديه ويلتهم العملاق اثنين من رفاقه. يستغل أوديسيوس ذكاءه ويسقي بوليفيموس الخمر حتى الثمالة، ثم يسمر عينه الواحدة بخشب مشتعل، ليهرب مع رجاله مستخدمًا خدعة "اللا أحد" الشهيرة حيث عندما سأل الكيكلوبس بوليفيموس (وهو أعمى بعد أن حرقه أوديسيوس) من الذي آذاه، رد أوديسيوس: "اسمي اللا أحد" (Outis باليونانية). فصرخ العملاق "اللا أحد يؤذيني!"، فظن بقية الكيكلوبس أنه يمزح أو أنه مصاب بجنون، فتركوه ولم يساعدوه. بهذه الخدعة، نجح أوديسيوس في الهروب دون أن يطاردوه. وتصاحب الأحداث جوقة هزلية من الساتير (كائنات نصف بشرية) تقدم التعليق الساخر والجبن والتهكم، محولة الملحمة البطولية إلى مسرحية ساتيرية تمزج الرعب بالضحك. (٢)

واتسم المسرح الساتيري في الحقبة الإغريقية بارتباطه الوثيق بالطقوس الدينية لعبادة الإله ديونيسوس، حيث وظف جوقة السيلينات كأداة للتعليق الساخر والكشف عن الحقيقة، ومزج بين الأسطورة المأساوية والهزل الجسدي (الفارسالوجيا) في نصوص قصيرة نسبيًا تعتمد على الإيماء والمبالغة والتهكم غير المباشر، ليصبح المسرح وسيلة لتنفيس التوترات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الأثيني الديمقراطي. (٣)

الساتير في العصر الروماني
أما في العصر الروماني، فقد استعار الرومان فن الساتير من الإغريق لكنهم حولوه من أداء مسرحي حي إلى شكل أدبي نقدي مباشر عُرف باسم "الساتيرا" (Satura)، وهو مصطلح يعني "الطبق المخلوط" أو "الخليط" إشارة إلى تنوع الموضوعات والأساليب فيه (٤). ولم يعد الساتير الروماني يُقدم على خشبة المسرح مع جوقة من السيلينات وأقنعة هزلية، ولكن أصبح نصًا شعريًا نثريًا يُلقى أو يُنشر للقراءة، مما أفقد المسرح الساتيري بعده الطقسي والجماعي. وبرز في هذا السياق شاعران ساتريان عظيمان، اتخذا من الهجاء أداة للنقد الأخلاقي والاجتماعي، أولهما هوراس (65-8 ق.م) والذي تميز أسلوبه بالسخرية اللطيفة والتهكم الأنيق، حيث كان ينقد رذائل المجتمع الروماني كالجشع والطمع والنفاق بهدوء وسخرية مرحة، دون عنف أو تجريح شخصي. كان همه إصلاح الأخلاق عبر الضحك المُربّي، مستخدمًا الفكاهة الذكية بدل الهجوم المباشر. واشتهر بمقاطعته الشهيرة (ما الذي يمنعني من الضحك وقول الحقيقة؟) (٥)· وثانيهما جوفينال (55-127 م) والذي كان على النقيض من هوراس، تميز أسلوبه بالهجاء اللاذع والمرير، حيث كان ينقد الفساد المستشري في عصره (عهد دوميتيان) بقسوة وغضب عارم. حيث هاجم النساء الفاسدات، والأغنياء المتغطرسين، والسياسيين الفاسدين، والحكام الطغاة بسخرية حادة وصلبة. عبارته الشهيرة (من الصعب ألا تكتب هجاء) تعكس شعوره بأن الواقع أصبح أسوأ من أي سخرية يمكن تخيلها، وأن الهجاء أصبح ضرورة لا ترفًا. بهذا التحول، انتقل الساتير من كونه حدثًا مسرحيًا جماعيًا (كما عند الإغريق) إلى كونه أداة أدبية فردية للنقد، ليشكل الأساس الذي قامت عليه أشكال الهجاء الأدبي في العصور اللاحقة حتى يومنا هذا. (٦)

في الحقبة الرومانية كما أسلفنا تحول الساتير من الأداء المسرحي الحي إلى النص الأدبي المكتوب، مع غياب تام للجوقة والمكون الطقسي، واستبدال الجماعية بالفرد الساخر الذي يعبر عن رؤيته الخاصة. وتميزت هذه المرحلة بالتركيز على النقد الأخلاقي والفردي بدلاً من السياسي العام، حيث هاجم كتّاب مثل هوراس وجوفينال رذائل المجتمع الروماني وجشعه ونفاقه بأسلوب يتراوح بين السخرية اللطيفة والهجاء اللاذع. كما شهد العصر ظهور (الساتيرا المينيبية) التي مزجت بين النثر والشعر والسخرية الفلسفية، متخذة من الحوار الساخر وسيلة لكشف تناقضات الفكر الإنساني والمذاهب الأخلاقية.

الساتير في عصر النهضة
وبعد جمود طويل خلال العصور الوسطى، عاد الاهتمام بالمسرح الساتيري في أوروبا خلال عصر النهضة، حيث استلهم الكتاب والمؤلفون التراث الكلاسيكي اليوناني والروماني لكنهم طوروه بما يتناسب مع روح العصر الجديد. كان أبرز رواد هذا التجديد الكاتب الفرنسي موليير، الذي قدم في مسرحياته الخالدة مثل "طبيب رغم أنفه" و"المدعو جورج داندان" نموذجًا رائدًا للمسرح الساتيري النقدي. استهدف موليير بالنقد الحاد النفاق الاجتماعي بكل أشكاله، ففضح الطبقية الطبية ممثلة في الأطباء الجهلاء المتعجرفين، والطبقية القضائية ممثلة في القضاة الفاسدين، والزيف الأخلاقي في علاقات الزواج والوراثة، وذلك دون عنف مباشر لكن بحدة فكرية لاذعة جعلت جمهوره يضحك ثم يفكر، وأثارت غضب النخب المحافظة في عصره حتى أنه تعرض للهجوم من الكنيسة والنبلاء معًا. فلم يعد الساتير في عصر النهضة مجرد تسليةعابرة، ولكن أصبح أداة نقدية تخترق الأقنعة الاجتماعية وتكشف حقائق كانت مخفية خلف الادعاءات الأخلاقية والدينية. (٧) فاتسم مسرح الساتير في عصر النهضة بتحرره الملحوظ من القوالب اليونانية القديمة، حيث خلط الكتّاب بين الساتير والكوميديا الواقعية المستمدة من الحياة اليومية، فتحول الهدف من الأساطير والآلهة إلى الشخصيات الاجتماعية النمطية التي يعرفها الجمهور مباشرة كالطبيب الجاهل والقاضي المرتشي والزوج المخدوع والزوجة المتسلطة والخادم الماكر، والنبيل المتغطرس. كما شهدت هذه الفترة ظهور الكوميديا ديلارتي الإيطالية (Commedia dell Arte) التي تأثرت بشكل واضح بالساتير، حيث اعتمدت على الأقنعة الثابتة والشخصيات النمطية والمبالغات الجسدية والارتجال الحاد، مما أضاف بعدًا ساتيريًا ساخرًا نقديًا للعروض الشعبية حيث تميز النقد في هذه الحقبة بروح أخلاقية تنويرية أكثر من كونه دينيًا أو طقسيًا، حيث لم يعد الساتير وسيلة للهجوم على المعتقدات بقدر ما أصبح وسيلة لكشف التناقضات الاجتماعية والدعوة إلى إصلاحها. وبهذا المعنى، بدأ توظيف الساتير في خدمة الإصلاح الاجتماعي لا مجرد التسلية، مما مهّد الطريق أمام أدوار المسرح النقدية في القرون اللاحقة، وجعل منه فنًا يجمع بين المتعة والفائدة، بين الإضحاك والإفهام، بين كشف العيوب والدعوة إلى تغييرها. (٨)

الساتير ومسرح العبث
شهد القرن العشرون تحولات جذرية في توظيف السخرية داخل المسرح، غير أن الربط بين المسرح الساتيري ومسرح العبث يحتاج إلى قدر من التمييز النظري، إذ لا يمكن اعتبار العبث امتدادًا مباشرًا للساتير بالمعنى التقليدي، رغم وجود مناطق تداخل بينهما. فالمسرح الساتيري الكلاسيكي كان ينطلق غالبًا من هدف نقدي واضح؛ يهاجم مؤسسة اجتماعية أو سلطة سياسية أو نفاقًا أخلاقيًا بعينه، مستخدمًا الضحك والهجاء أداةً للكشف والإدانة. أما مسرح العبث، الذي ارتبط بأسماء مثل صمويل بيكيت ويوجين يونيسكو، فلم يكن معنيًا دائمًا بالنقد الساتيري المباشر، بقدر ما انشغل بأزمة الوجود الإنساني ذاتها، وبالفراغ الروحي، واستحالة التواصل، وانهيار المعنى في عالم فقد يقيناته الكبرى بعد الحروب الحديثة. (٩) ففي مسرحية (في انتظار جودو) لصامويل بيكيت لا نجد هجاءً سياسيًا أو اجتماعيًا واضحًا بالمعنى التقليدي، وإنما نواجه عبث الانتظار الإنساني نفسه؛ شخصيات عالقة في زمن دائري، تنتظر خلاصًا لا يأتي أبدًا، حتى يصبح الانتظار ذاته صورة مأساوية لعبث الوجود. (١٠) كذلك الأمر عند يونسكو، حيث تتحول اللغة إلى أصوات فارغة، وتفقد وظيفتها بوصفها أداة للفهم والتواصل، لتغدو الحوارات نفسها شظايا متفككة تكشف عجز الإنسان عن التواصل الحقيقي، لا مجرد فضح لفساد المجتمع أو زيف السلطة. (١١)

ومع ذلك، فإن بعض أعمال العبث احتوت بالفعل على عناصر ساتيرية جزئية، خصوصًا حين استخدمت اللامعقول والمفارقة، واللغة المتفككة لتعرية خواء الخطاب السياسي أو الاجتماعي، لكن هذه السخرية كانت غالبًا نتيجة جانبية للرؤية العبثية، لا غاية مركزية كما في الساتير التقليدي. وفي المقابل، يظل كتّاب مثل بريخت وداريو فو أقرب إلى الامتداد الحديث للمسرح الساتيري بمعناه النقدي المباشر، حيث استخدم بريخت التغريب والسخرية لكشف تناقضات الرأسمالية والأيديولوجيا (١٢) بينما حوّل داريو فو المسرح إلى أداة هجاء سياسي واجتماعي صريح يفضح الفساد والاستغلال والسلطة القمعية. ومن ثم، فالعلاقة بين العبث والساتير ليست علاقة تطور خطي بسيط، وإنما علاقة تداخل جزئي؛ فقد يستعير العبث أدوات ساتيرية، كما قد يوظف الساتير بعض تقنيات اللامعقول، لكن كلا التيارين يحتفظ بجوهر مختلف ورؤية مغايرة للعالم. (١٣)

الساتير في المشهد المعاصر
في المشهد المسرحي المعاصر، لم يعد الساتير محصورًا على الخشبة الخشبية التقليدية، ولكن اتخذ أشكالاً جديدة ومبتكرة تجاوزت حدود المسرح الكلاسيكي. فظهر المسرح التفاعلي الذي لم يعد فيه الجمهور متفرجًا سلبيًا، وإنما أصبح مشاركًا فاعلاً في صنع النقد الساخر؛ ومن أبرز تجلياته عروض "المسرح المنتدى" التي ابتكرها المخرج البرازيلي أوجستو بوال، حيث يُدعى الحضور إلى مقاطعة العرض واقتراح حلول بديلة للمعضلات المطروحة، فيتحول الساتير من مجرد كشف للعيوب إلى تمرين جماعي على التغيير(١٤). كما انبثق المسرح الرقمي الذي يستغل وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز لتقديم ساتير فوري ولحظي على الأحداث الجارية؛ فبمجرد وقوع حادثة سياسية أو اجتماعية مثيرة للجدل، تظهر خلال ساعات عروض ساخرة تعيد تمثيلها أو تقدم تعليقًا حادًا عليها باستخدام تقنيات رقمية متطورة، مما جعل الساتير أكثر سرعة ومواكبة للحدث من أي وقت مضى. ومن أبرز الظواهر الساتيرية المعاصرة أيضًا الساتير التلفزيوني المؤثر، الذي تجلى في برامج "الاستاند أب كوميدي" حيث يقف الممثل وحده على خشبة صغيرة ويمارس هجاءً لاذعًا على السياسيين والمشاهير والعادات الاجتماعية، وفي برامج "الدمى الساخرة" التي تستخدم دمى متحركة لتجسيد شخصيات سياسية حقيقية وتقديم نقد ساخر عبر حوارات وهمية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك برنامج "الكرة" العربي في عقد التسعينيات، الذي هجَم من خلال دمى مضحكة على الأنظمة العربية وأوجه القصور السياسية بحرية وجرأة نادرًا ما شهدها الإعلام العربي، وبرامج الهجاء السياسي الأمريكية مثل "ذا ديلي شو" و"ذي كولبرت ريبورت" التي تحولت إلى منابر أسبوعية لنقد الرؤساء والسياسيين من خلال السخرية والمحاكاة التهكمية.

واتسمت الحقبة المعاصرة بتحول جذري في جوهر الساتير وشروطه، فكانت أبرز سماته زحزحة الساتير من الخشبة إلى الشاشات، حيث هيمنت الوسائط الرقمية والمرئية على الفضاء الساتيري، وأصبح جمهور المسرح التقليدي شريحة نخبوية ضيقة بينما ابتلع التلفزيون والإنترنت جماهير الملايين. كما تميزت هذه الحقبة بسرعة الإنتاج الفائقة، فصار الساتير آنيًا يواكب الحدث خلال ساعات، بل أحيانًا خلال دقائق من وقوعه؛ فبدلاً من أن يستغرق كتابة النص وتدريبه وعرضه أسابيع أو أشهر، أصبح أي شخص يمتلك هاتفًا ذكيًا قادرًا على إنتاج مقطع ساخر ونشره فورًا. ومن هذه السرعة انبثق الساتير القصير جدًا، حيث لا تتجاوز المشاهد الساخرة على منصات مثل التيك توك واليوتيوب وريلز الفيسبوك، مما يتناسب مع انتباه المتلقي الحديث المشتت والمندفع. والأكثر تحولاً هو علاقة المتلقي بالمحتوى الساتيري؛ فلم يعد الجمهور مجرد مشاهد سلبي، ولكن أصبح مشاركًا فاعلاً من خلال التعليقات الحادة، وإعادة المزج والتركيب، وصنع محتوى موازٍ ساخر، وأحيانًا يتحول المشاهد العادي إلى صانع محتوى ساتيري مؤثر بفضل سهولة أدوات الإنتاج الرقمي. ومع هذه الانفتاحات، برزت تحديات الرقابة الذاتية، حيث يعيش صانعو الساتير المعاصرون في زمن ثقافة الإلغاء والحساسيات المفرطة، حيث يمكن لجمهور غاضب أن يشعل حملات مقاطعة شرسة بسبب نكتة أو إشارة ساخرة تُفسر على أنها مسيئة لفئة أو دين أو توجه سياسي. وأخطر التحولات ربما هو تحول الساتير إلى سلعة، حيث أصبح الغضب والسخرية يُسوقان في صناعة الترفيه؛ فالشركات الكبرى ومنصات التواصل لا تتردد في الترويج للمحتوى الساخر لأنه يحقق مشاهدات وإعلانات، وفي المقابل تُسكت أي صوت ساخر يعضّ اليد التي تطعمه، مما يضع الساخر المعاصر أمام مأزق أخلاقي .. هل يمارس ساتيرًا حرًا ناقدًا أم يقدم ساتيرًا تجاريًا مسليًا وآمنًا لا يغضب الرعاة والجهات المانحة؟

ورغم هذه الثروة من الأشكال الجديدة، يواجه المسرح الساتيري اليوم تحديات راهنة خطيرة تهدد وجوده وجوهره. فالتحدي الأول يتمثل في الرقابة الذاتية التي يفرضها صانعو الساتير على أنفسهم خوفًا من ردود الأفعال العنيفة، سواء أكانت رقابة تحت وطأة الحساسيات السياسية (في الأنظمة الاستبدادية والقمعية)، أم تحت وطأة الحساسيات الدينية (حيث يمكن للهجوم الساخر على رموز دينية أن يكلف صاحبه حياته)، أم تحت وطأة الحساسيات الاجتماعية والثقافية (في زمن تتصارع فيه الهويات وتتشابك الخطوط الحمراء). والتحدي الثاني هو تشرذم الجمهور وتفتته في عصر سرعة إيقاع الحياة واستبدال المسرح الحي بالمحتوى الرقمي القصير؛ فالجمهور لم يعد يملك صبرًا على مسرحية ساتيرية كاملة تمتد لساعة أو ساعتين، وإنما يريد جرعة سريعة ساخرة لا تتجاوز الثلاثين ثانية، مما يقتل العمق الدرامي والفكر النقدي الذي يتطلب زمانًا ومكانًا ليتشكل. أما التحدي الثالث والأخطر فهو تغول الخطاب الأيديولوجي بجميع ألوانه، من يمين متطرف إلى يسار ثوري إلى إسلام سياسي إلى ليبرالية متصلبة، حيث صار كل فريق يمتلك خطابه الخاص وحقائقه المقدسة التي لا تقبل النقد أو السخرية؛ وفي هذا المناخ، يصبح النقد الساخر مهددًا بالخطر المباشر (الملاحقة القضائية أو الاغتيال المعنوي أو الجسدي) أو بالتهميش والإقصاء من الفضاء العام. وهكذا، فبينما يتسع فضاء الساتير تقنيًا، يضيق أخلاقيًا وسياسيًا، ويظل السؤال معلقًا: هل يمكن للضحك الناقد أن يبقى حرًا في عصر يريد الجميع أن يكون جادًا إلى درجة القتل؟

يبقى المسرح الساتيري كائنًا حيًا يتكيف مع بيئته، يغير جلوده وأشكاله وأدواته لكنه لا يموت، لأن جوهره ليس مرتبطًا بخشبة معينة أو قالب درامي محدد، وإنما مرتبط بحاجة إنسانية عميقة.. حاجة المقهورين إلى تحويل ألمهم إلى ضحكة تفضح، وحاجة العقل الناقد إلى كشف الأقنعة دون أن يقطع رأسه. قد لا نرى اليوم جوقات السيلينات ترقص حول مذبح ديونيسوس، وقد لا نجد مسرحيات تُعرض بعد ثلاث مآسي كي تنفس عن الجمهور الأثيني المتعب، لكن النقد اللاذع والمقاربة المضحكة للأخطار الجدية ما زالت حية، وربما أكثر انتشارًا من أي وقت مضى، وإن كانت تُقدَّم في قالب"ستاند أب" أو مقطع تيك توك أو تغريدة ساخرة أو برنامج دمى سياسية. وكلما اشتد الظلم، أو تعقدت السياسة، أو سخفت الممارسات الاجتماعية، أو استحال النقد المباشر، ظهر كاتب ساخر ليحول الألم إلى ضحكة مريرة تفضح، وتتحول القاعة - أيًا كان شكلها - إلى محكمة شعبية يحكم فيها الضحك قبل العقل.

وربما لم يعد المسرح الساتيري مهيمنًا كما كان في أثينا حين كان عرض الساتير جزءًا من مهرجان ديني رسمي، لكنه – في جوهره العميق - ليس مجرد نوع مسرحي، وإنما أسلوب رؤية للعالم، وموقف وجودي من التناقضات الإنسانية. إنه القدرة على رؤية المأساة من زاوية تظهر عبثيتها، وعلى الضحك من الجرح قبل أن يندمل، وعلى قول الحقيقة بارتداء قناع المهرج. وسيظل هذا الأسلوب موجودًا حيثما وجد عقل يقظ لا يرضى بالتقليد الأعمى، وضمير ناقد لا يسكت أمام الظلم، وشجاعة على الضحك في وجه الطغيان ولو كان الضحك مرًا وخطرًا. لهذا السبب، كل محاولات قتل الساتير أو تأديبه أو تسويقه تجاريًا حتى يفقد حدته، هي محاولات فاشلة؛ فبمجرد أن يُغلق باب، يفتح الساخر نافذة، وبمجرد أن تُكمم فم، يتكلم الجسد، وبمجرد أن تُمنع خشبة المسرح، تزدهر الشاشة أو الصفحة أو المنصة الرقمية. الساتير مثل النبتة البرية التي كلما حاولت اقتلاعها، انتشرت أكثر.

ألم نقل ما يكفي بجدية عن فن السخرية؟ ربما الساتير الحقيقي - في لحظة نقد ذاتي صادقة - كان أن نكتب هذا المقال كمسرحية هزلية قصيرة، نؤديها على خشبة وهمية، ونترك القارئ يضحك ويتألم معًا، بدلاً من أن نقدم له أطروحة نقدية رصينة تحلل الضحكة حتى تموت. لكن المفارقة أن مقالاً جادًا عن الساتير هو في حد ذاته ساتير غير مقصود: نحن نكتب بإمعان وتفصيل عن فن الهجاء والتهكم، بينما الهجاء الحقيقي قد يكون في فكرة أن أحدًا يجرؤ على شرح النكتة حتى النخاع. ربما لو كتبنا هذا المقال على هيئة حوار ساخر بين سيلينات ثمل وناقد أكاديمي متحذلق، لكان أوفى بروح الساتير التي نحتفل بها. لكن ذلك موضوع آخر... أو ربما هو نفس الموضوع، ولكننا - للأسف - اخترنا الجادة على حساب المهرج. فلتكن هذه الجملة الأخيرة ساتيرًا على أنفسنا: ألا يسخر القدر منا حين نكتب أطروحات مطولة عن فضيلة الإيجاز في الضحك؟

الهوامش والمراجع

١ أرسطو، فن الشعر، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٣.

٢ مسرحية الكيكلوبس، ترجمة عزة محمد سليم، كلية الآداب، جامعة عين شمس، بدون تاريخ.

٣ مسرحيات الساتير علي الرابط التالي:

https://podcasts.apple.com/us/podcast/the-satyr-play-just-for-laughs/id1511388970?i=1000492331096.
4- Michael Coffey, Roman Satire. Bristol Classical Press.1995.

٥ هوراس، الساتير، علي الرابط التالي:

https://dokumen.pub/horace-satires-book-ii-9780521444941-9781139014694-9780521449472-0521444942.html

6- The Satires. Translated by Niall Rudd, Oxford University Press, 2004.

٧ - موليير، الأعمال الكاملة، تعريب أنطوان مشاطي، دار نظير عبود، بدون تاريخ.

8- The Comic Drama of Moliere. The Comic Drama of Moliere. Oxford University Press, 1961.

9- The Theatre of the Absurd. The Theatre of the Absurd. Anchor Books, 1961.
١٠ صمويل بيكيت، في انتظار جودو، ترجمة وتقديم بول شاؤول، منشورات الجمل، بدون تاريخ.
١١ يوجين يونيسكو، الأعمال الكاملة، ج١، ترجمة وتقديم حمادة إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب. ١٩٨٢.

12- Brecht on Theatre. Brecht on Theatre: The Development of an Aesthetic. Edited and translated by John Willett, Hill and Wang.1964.

13- Accidental Death of an Anarchist. Accidental Death of an Anarchist. Translated by Simon Lamont, Methuen Drama, 2003

14-Theatre of the Oppressed. Theatre of the Oppressed. Translated by Charles A. McBride and Maria-Odilia Leal McBride, Pluto Press, 1979



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة


المزيد.....




-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي


المزيد.....

- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر