أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - الصدق في المسرح














المزيد.....

الصدق في المسرح


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 13:24
المحور: الادب والفن
    


المسرح فن قائم على الخيال والمحاكاة، لكن جوهره الحقيقي لا يكمن في الأكاذيب المصطنعة وإنما في الصدق الذي يحمله داخل جدرانه الوهمية. فالمسرح الصادق هو ذلك الذي لا يخدع جمهوره بزيف المشاعر أو اصطناع الأحداث وإنما ينقل حقيقة الحياة عبر قالب فني راقٍ، حيث يصبح الكذب وسيلة لبلوغ أسمى معاني الصدق الإنساني. وفي مصر يزخر تاريخ المسرح بنماذج مشرقة لفنانين جسّدوا هذا الصدق بأبهى صوره.

والصدق المسرحي ليس مطابقة تامة للواقع، لأن المسرح بطبيعته يعتمد على التمثيل والتجسيد. إنه بالأحرى صدق في نقل المشاعر والعواطف والأفكار، صدق في تمثيل الصراعات الإنسانية وقضايا المجتمع. فالممثل الصادق هو الذي يجعل المتفرج ينسى أنه يشاهد تمثيلاً ويصدق أن ما يراه حقيقة واقعة. والصدق في العمل المسرحي له مظاهر بالصدق في النص والأداء والإخراج. ويبدأ الصدق في النص من الكاتب الذي يكتب ما يعتقده حقاً وليس ما يرضي الأهواء أو يتوافق مع الرائج. والنص الصادق يتناول القضايا الحقيقية للمجتمع بكل تجرد وشجاعة أما الصدق في الأداء فيتجسد في قدرة الممثل على إحياء الشخصية بكل تناقضاتها وصراعاتها، بعيداً عن الادعاء والتكلف. إنه أن يكون الممثل "هو" الشخصية، وليس أن "يقوم بدورها" فقط. وبخصوص الصدق في الإخراج فرؤية المخرج التي تخدم المعنى الجوهري للنص دون بهرجة زائدة، وفي احترام العقد الفني بين المسرح والجمهور.

ويُعد يحيى الفخراني مثالاً حياً على الصدق المسرحي في أبهى صوره. فقد قدّم شخصية "الملك لير" لشكسبير ثلاث مرات على مدار أكثر من عشرين عاماً، وكلما تقدّم به العمر، ازداد قرباً من الشخصية التي يصفها شكسبير بأنها في الثمانين من العمر. يقول الفخراني: "في كل مرة أؤدي دور الملك لير، أقترب أكثر من الشخصية. الآن وأنا في الثمانين أنا أقرب إليه" . هذا الاقتران العميق بين عمر الممثل وعمر الشخصية يخلق صدقاً معجزاً على الخشبة، حيث لم يعد الفخراني بحاجة إلى تمثيل الشيخوخة لأنها أصبحت جزءاً منه .

أما عادل إمام، فصدقه المسرحي والسينمائي لم يأت من فراغ وإنما من قناعة راسخة عبر عنها في أعماله مجسدة مقولة: "يمكنك أن تخدع بعض الناس طوال الوقت، ويمكنك أن تخدع كل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس طوال الوقت. الصدق هو ما يحدد طول عمر الفنان، وتقدير المعجبين هو ما يحدد استمراره أو نهايته" . هذا الصدق مكّنه من تناول قضايا شائكة مثل الإرهاب والتعصب الديني والفساد السياسي على الخشبة والشاشة، ليصبح صوته مرآة صادقة للمجتمع المصري .

قبلهما، كان نجيب الريحاني، "أبو الكوميديا"، نموذجاً فريداً في الصدق المسرحي. لم تكن كوميدياه تهدف إلى إثارة الضحك فقط ولكن كانت تسعى إلى استنباط حتى أدق ابتسامة على وجوه الجمهور، مما يدفعهم إلى التفكير. يتميز الريحاني بقدرته على مزج التراجيديا بالكوميديا في مشهد واحد، متحركاً ببراعة بين النقيضين، وكأنه "بهلواني السيرك" في مرونته الفنية .

ويختلف المسرح عن الفيلم الوثائقي، فهو ليس ملزماً بتصوير الواقع كما هو. لكنه ملزم بأن يحمل صدقاً داخلياً يجعل المتلقي يؤمن بما يراه. هذا الصدق هو ما يميز العمل المسرحي الخالد عن غيره من الأعمال الترفيهية العابرة. وحين يمتزج الصدق بالأداء، كما فعل هؤلاء الفنانون الكبار، يتحول المسرح إلى لحظة إنسانية خالصة لا تُمحى من الذاكرة.

يبقى الصدق المسرحي منارة للحقيقة الإنسانية في عالم يزداد فيه الكذب والزيف وسائل للإبهار والتأثير، فالمسرح حين يصدق مع نفسه ومع جمهوره، يصبح أكثر من مجرد فن ترفيهي؛ يتحول إلى أداة تغيير ومرآة تعكس واقعنا برؤية فنية صادقة. وليس أعظم من مسرح يخرج منه المتفرج وقد رأى ذاته على الخشبة، فعرف عيوبه قبل محاسنه، وإنسانياً قبل أن يكون متفرجاً فقط.

فالصدق هو سر بقاء المسرح وقوته، وهو ما يجعله فناً إنسانياً خالداً يتجاوز حدود الزمان والمكان. وفي مصر، يظل هؤلاء الفنانون شهودًا على أن الصدق هو الطريق الأوحد إلى قلوب الجماهير وعقولها.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟
- مسرح الشارع .. حين تتحول الساحات العامة إلى منصة للتغيير
- فن الاختفاء: حين يذوب الممثل في بوتقة الشخصية
- الخصوصية المحلية والمعنى الكوني في مسرح الشارع
- مسرح الشارع بين اللحظة العابرة وصناعة المعنى
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة ...
- مهزلة النهاية: مسرحية تحاكم فكرة النهاية بين العبث والفلسفة
- عزلة.. حشرات.. خروج


المزيد.....




- بنسق روائي يبدأ من الموت لينتهي بالولادة.. رامي طعامنة يفوز ...
- من سيتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 2026؟ ...
- آلاف القطع المنهوبة تعود.. دمشق تعرض آثارها المستردة
- الشاب خالد.. حين يغيب الصوت ويحضر الصدى في ذاكرة -الرأي-
- الأمن الفكري يبدأ من المدرسة.. ورشة بمعرض الدوحة للكتاب ترسم ...
- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - الصدق في المسرح