أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - من يكتب التاريخ: المنتصر أم الفنان؟














المزيد.....

من يكتب التاريخ: المنتصر أم الفنان؟


حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري


الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


لطالما ارتبط التاريخ بمقولة شهيرة مفادها أن "التاريخ يكتبه المنتصرون"، وهي مقولة تعكس حقيقة أن السلطة السياسية والعسكرية تمتلك غالبًا القدرة على صياغة الرواية الرسمية للأحداث، وإقصاء الأصوات المخالفة. لكن هذه الحقيقة لا تبدو مطلقة؛ إذ يبرز الفن وخاصة المسرح والرواية والسينما، بوصفه فضاءً بديلًا يعيد مساءلة الوقائع، ويمنح المهزومين والمهمشين حق الكلام. ومن هنا يثور السؤال: من يكتب التاريخ حقًا؟ المنتصر أم الفنان؟

هذا السؤال لا يبحث عن إجابة ثنائية، وإنما يفتح المجال لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة التي تصنع الرواية الرسمية، والفن الذي يعيد تأويلها.

فمنذ الحضارات القديمة ارتبط تدوين التاريخ بالحاكم المنتصر. فالملوك كانوا ينقشون انتصاراتهم على جدران المعابد والقصور، بينما تُمحى هزائمهم أو تُبرر. ولم يكن المؤرخ في كثير من الأحيان شاهدًا محايدًا وإنما كان جزءًا من المؤسسة السياسية. وهكذا يتحول التاريخ إلى خطاب سلطة يختار ما يُروى وما يُنسى ويمنح البطولة لفريق، بينما يحرم الآخرين حتى من حق الوجود في الذاكرة. لكن المشكلة أن الوثيقة الرسمية لا تعني دائمًا الحقيقة الكاملة.. فهي تعكس رؤية المنتصر أكثر مما تعكس الواقع بكل تعقيداته.

وإذا كان المؤرخ يسجل الحدث فإن الفنان يسجل أثر الحدث في الإنسان. فالمسرحي أو الروائي لا يهتم فقط بمن ربح المعركة، وإنما يسأل: ماذا حدث للإنسان؟ وكيف عاش المهزوم؟ وماذا فقد المنتصر؟ وما الثمن الأخلاقي للنصر؟ ولهذا يصبح الفن نوعًا آخر من كتابة التاريخ؛ تاريخ المشاعر، والضمير، والذاكرة الإنسانية.

وقد استطاعت أعمال أدبية ومسرحية كثيرة أن تغير نظرة الأجيال إلى أحداث تاريخية، لا لأنها قدمت وثائق جديدة، وإنما لأنها أعادت قراءة الإنسان داخل التاريخ. ويتميز المسرح بقدرته على إعادة إحياء الشخصيات التاريخية خارج الرواية الرسمية. فعندما يستدعي المسرحي شخصية تاريخية، فإنه لا يقدمها بوصفها تمثالًا جامدًا، وإنما إنسانًا يحمل االتناقضات والشكوك والأحلام. ولهذا كثيرًا ما ينحاز المسرح إلى الضحايا والمهمشين والمنسيين والمهزومين. فهو يمنحهم فرصة ثانية للكلام بعد أن صمتت الوثائق.

وتقدم المسرحية الشهيرة «يوليوس قيصر» لوليام شكسبير مثالًا واضحًا على ذلك، فهي لا تكتفي بتسجيل حادثة اغتيال قيصر، وإنما تكشف صراع الطموح والحرية والخيانة، وتجعل المتلقي يعيد التفكير في مفهوم البطولة ذاته. كما أن «جاليليو» لبرتولت بريشت لا تتناول عالم الفلك بوصفه شخصية تاريخية فقط، وإنما تناقش العلاقة بين المعرفة والسلطة وبين الحقيقة والقوة.

وفي المسرح العربي نجد أن ألفريد فرج في «سليمان الحلبي» أعاد قراءة شخصية طالما قُدمت في بعض السرديات بوصفها قاتلًا، ليكشف أبعادها الوطنية والإنسانية، بينما قدّم في «منمنمات تاريخية» قراءة نقدية لسقوط الأندلس، متجاوزًا الرواية التقليدية التي تبحث عن بطل أو خائن واحد، إلى مساءلة البنية الاجتماعية والسياسية التي أنتجت الهزيمة. كذلك استعاد في «النار والزيتون» القضية الفلسطينية من منظور إنساني يتجاوز لغة الشعارات والتقارير السياسية.

وقد يُقال إن الفنان لا يكتب التاريخ لأنه يعتمد على الخيال. غير أن الخيال الفني لا يعني تزوير الوقائع ولكن يعني البحث عن الحقيقة الإنسانية الكامنة خلفها. فقد تكون الوثيقة صادقة في تفاصيلها، لكنها عاجزة عن التعبير عن الألم أو الخوف أو الأمل، بينما يستطيع العمل الفني أن يكشف هذه الأبعاد بعمق. ومن هنا يصبح الفن شريكًا للتاريخ، لا منافسًا له.

وشهد الأدب والمسرح العالمي والعربي نماذج كثيرة أعادت قراءة شخصيات وأحداث تاريخية من منظور مختلف، فظهرت شخصيات كانت توصف بالخيانة أو الشر في صورة أكثر تعقيدًا وإنسانية، كما كُشفت تناقضات المنتصرين الذين بدوا في السرد الرسمي أبطالًا بلا أخطاء.

إن الفن لا يبرئ أحدًا، لكنه يرفض الأحكام المطلقة، ويؤكد أن التاريخ ليس أبيض أو أسود، وإنما شبكة من المصالح والرؤى والاختيارات. فقد يمتلك المنتصر السلطة لكتابة التاريخ في زمنه ولكنه لا يضمن بقاء روايته إلى الأبد. أما الفنان، فقد يُهمَّش في حياته ولكن أعماله تبقى قادرة على عبور الزمن وإعادة طرح الأسئلة أمام كل جيل. ولهذا فإن كثيرًا من الشخصيات التاريخية التي نعرفها اليوم تشكلت صورتها في وعينا عبر المسرح والرواية والسينما أكثر مما تشكلت عبر كتب التاريخ. فالفنان لا يهزم المنتصر ولكنه يمنع احتكار الحقيقة.

لذا فليس السؤال الحقيقي: من يكتب التاريخ؟ وإنما أي تاريخ يبقى؟

فالمنتصر يكتب تاريخ السلطة، أما الفنان فيكتب تاريخ الإنسان.

الأول يوثق ما حدث كما أرادت القوة أن يُروى والثاني يكشف ما شعر به البشر وما حاولت السلطة أن تنساه. وإذا كان التاريخ الرسمي يحفظ أسماء الملوك والقادة، فإن الفن يحفظ أصوات االناس العاديين، ويمنح الذاكرة بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا.

لذلك يمكن القول إن التاريخ لا يكتبه طرف واحد وإنما يُعاد كتابته باستمرار عبر الحوار بين الوثيقة والإبداع. وإذا كان المنتصر يمتلك القلم في لحظة النصر، فإن الفنان يمتلك القدرة على مراجعة ذلك النص وإعادة قراءته وربما إعادة كتابة معناه كله.



#حسام_موسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسرح المدرسي ومسرح الطفل: تمايز المفهوم ووحدة الغاية
- الكلاسيكيات المسرحية .. حاضر لا ماضي
- القراءة المسرحية.. من اختبار النص إلى فن قائم بذاته
- لمذا تراجع دور النقد والنقاد في مصر؟
- صندوق باندورا وعلاقته بالمسرح
- المسرح الساتيري.. من الجذور الإغريقية إلى الراهن المعاصر
- الصدق في المسرح
- أزمة الكتابة النقدية المعاصرة
- إبسن وتحطيم وهم السعادة... بين الألم والتحرر (٣)
- هنريك إبسن و القضايا الإنسانية
- الحبكة الثانوية في المسرحية
- حين ينتصر الصمت على الخشبة.. قراءة في مسرحية أداجيو.. اللحن ...
- ما بين الخطي وغير الخطي في المسرحية
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (٢)
- إبسن وتحطيم وهم السعادة: بين الألم والتحرر (١)
- عندما تتغير الشخصية بتغير الممثل
- النقد المسرحي بين الاختلاف والتهكّم: أزمة أخلاق الحوار قبل أ ...
- الجمهور في مسرح الشارع حسام موسى
- مسرح الشارع في زمن الغضب: صوت الشعب حين تعجز المنصات الرسمية
- أين ذهبت الجمل المضيئة في المسرح العربي؟


المزيد.....




- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-
- ناشط يطالب النيابة العامة بالتحقيق مع مديرة متحف بوشكين السا ...
- الجمعية العراقية العلمية للفنون تبحث تأثير السينما في الثقاف ...
- فضل شاكر يستعد لمغادرة لبنان إلى الدوحة بعد رفع منع السفر عن ...
- موسكو تستضيف أسبوعها الدولي للسينما في أغسطس
- -مصر الروسية-.. معرض في موسكو يستكشف حضور الثقافة الروسية في ...
- مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
- أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون ...
- شركة الكهرباء في جزيرة كيش: عودة التيار الكهربائي إلى المناط ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام موسي - من يكتب التاريخ: المنتصر أم الفنان؟