حسام موسي
كاتب وباحث وناقد ومؤلف مسرحي مصري
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 20:20
المحور:
الادب والفن
ضمن فعاليات مهرجان الغرف والفضاءات غير التقليدية في دورته الخامسة وفي القاعة الدائرية بالمعهد العالي للفنون المسرحية، يأتي عرض "بُكره أشتري جناحات" تأليف خالد توفيق وإخراج ساندرا سامح وبطولة نادين حسام الدين ليقدم تجربة مونودرامية تقوم على شخصية "وناسة" وهي امرأة تجلس على كرسي متحرك وتفتح أمامنا أبواب ذاكرتها مستدعيةً عددًا من الأحداث التي مرت بها، من خيانة الشريك ووفاة الأم، إلى المشكلات الزوجية والأسرية وأعباء رعاية الأطفال.....
من البداية يضعنا العرض أمام امرأة تبدو ثابتة في مكانها ولكن داخلها عالم لا يتوقف عن الحركة. جسدها حاضر على الكرسي، بينما ذاكرتها تتحرك بين أشخاص وأماكن وأحداث كثيرة. من هنا تأتي إحدى أهم أفكار العرض وهي أن وناسة لا تتحرك في المكان بقدر ما يتحرك المكان داخل ذاكرتها. فتستدعي وناسة ذكريات كثيرة من حياتها، وفي كل مرة تترك الكرسي لتتحرك وتجسد ما تستعيده من الماضي، ثم تعود إليه مرة أخرى.
وهذه الفكرة من أكثر عناصر العرض نجاحًا لأن الحركة هنا ليست حركة جسدية فقط وإنما جزء من المعنى. ففي الحاضر تجلس وناسة على كرسيها أما عندما تعود إلى الماضي فإنها تستعيد قدرتها على الحركة وكأن الذاكرة تمنحها جناحين مؤقتين ثم تعيدها إلى واقعها بمجرد انتهاء الاستدعاء. ولكن هذا الاختيار يفتح سؤالًا مهمًا حول طبيعة الشخصية نفسها. فالعمل يقدم لنا وناسة بوصفها امرأة مشلولة ولكنه لا يقدم سببًا واضحًا لهذا الشلل. وهذا ليس عيبًا إذا كان الشلل مجرد حالة أساسية في حياة الشخصية. لكن الأمر يصبح أكثر أهمية إذا كان المطلوب منا أن نربط بين حالتها الجسدية وما تعرضت له من صدمات وضغوط. فالخيانة والمشكلات الزوجية وأعباء الأسرة ورعاية الأطفال وفقد الأم، كلها تجارب يمكن أن تترك آثارًا نفسية عميقة. لكن العرض كان يحتاج إلى علامات أوضح تساعدنا على فهم العلاقة بين هذه التجارب وحالة وناسة الحالية. وهذا ينقلنا إلي سؤال آخر.. هل وناسة امرأة مشلولة تستعيد ماضيها أم أن الماضي نفسه هو الذي أصابها بالشلل؟ وكان يمكن لهذا السؤال أن يصبح واحدًا من أهم مفاتيح الشخصية لو منحنا العرض إجابة أكثر وضوحًا. فالمشكلة ليست في أن تكون حياة وناسة مليئة بالمآسي وإنما في كيفية تحول هذه المآسي إلى بناء درامي للشخصية. فهناك فرق بين أن تقول الشخصية "حدث لي كذا وكذا وكذا". وبين أن تجعلنا نرى كيف غيّر كل ما حدث لها شخصيتها؟ ولهذا كان يمكن للعرض أن يذهب أبعد في الكشف عن وناسة، بحيث لا نكتفي بالتعاطف معها، وإنما نفهم كيف أصبحت المرأة التي نراها أمامنا.
وبميزانية ضعيفة يعد تصميم كريم معروف للمنظر المسرحى من أبرز عناصر العرض. فقد استثمر طبيعة القاعة الدائرية واستفاد من حوائطها الثلاثة وحوّل المكان إلى جزء من عالم وناسة بدل أن يكون مجرد خلفية للأحداث. فهناك الساعة التي تشير إلى الثانية وتتحرك بتقنية الفيديو مابينج فتمنح الزمن حضورًا واضحًا داخل الفضاء. وهناك حائط المطبخ بأدواته الذي يظهر أثناء استدعاء الحكاية العائلية، فيعيدنا إلى عالم البيت والأسرة والعمل اليومي. كما تحضر مرآة الحمام وبكرة المناديل ذات الحجم الكبير، وكلها مفردات تضيف إلى عالم الشخصية وتمنح المكان تنوعًا بصريًا. لكن أهم عنصر يظل هو الكرسي المتحرك الموجود في وسط القاعة، فهو يضع وناسة في مركز الفضاء. وتكتمل صورة الحصار بالستارة البيضاء المعلقة في سقف المسرح، والتي تتخذ أشكالًا مختلفة، قبل أن تتحول في بعض اللحظات إلى وسيلة لحصر وناسة داخل مساحة محدودة. وهنا تتجمع عناصر السينوغرافيا حول معنى واحد: الكرسي يحاصر الجسد، والستارة تضيق المكان، والجدران تحيط بالشخصية. وهذه من أجمل العلاقات التي يصنعها العرض بين الديكور والشخصية.
من أكثر اختيارات العرض إثارة للنقاش علاقته بالجمهور. فالممثلة لا تكتفي بمخاطبة المتلقي، وإنما تدعو بعض الموجودين إلى المشاركة في أفعال داخل العرض. في إحدى اللحظات يُطلب من أحد المشاركين وهو في الأغلب أحد مساعدي المخرج أن ينتقل ويجلس إلى المكتب ويكتب خطابًا إلى الحبيب. ويتكرر التعامل مع مساعدين آخرين في بعض المواقف، كما يصل التفاعل إلى أحد أعضاء لجنة التحكيم، حين تقوم الممثلة بفك رباط حذائه. وهنا يجب أن نفرق بين أمرين. فمخاطبة الجمهور لا تتعارض مع المونودراما، فالممثل يستطيع أن ينظر إلى الجمهور ويتحدث معه مباشرة دون أن يفقد العرض طبيعته المونودرامية. لكن عندما يتحول المتلقي إلى شخص يؤدي فعلًا داخل الحدث، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، لأن أحد شروط المونودراما الأساسية هو وحدانية المؤدي. لذلك فإن هذه الاختيارات تضع مفهوم المونودراما نفسه أمام اختبار والسؤال ليس.. هل يجوز إشراك الجمهور أم لا؟ وإنما ماذا يضيف هذا التفاعل إلى الدراما؟ فإذا كان إشراك المتلقي يكشف شيئًا عن وناسة أو يدفع الحدث إلى الأمام، يصبح جزءًا من البناء. أما إذا كان الهدف فقط هو المفاجأة أو كسر المسافة بين الجمهور والممثل، فإن التفاعل يتحول إلى غاية في حد ذاته. وهنا تحديدًا تبدو بعض اللحظات، ومنها التعامل مع عضو لجنة التحكيم، بحاجة إلى مبرر درامي أوضح، لأن الفعل لم يقدم في ظاهره إضافة واضحة إلى شخصية وناسة أو إلى مسار الحكاية.
جاءت الإضاءة المصممة من قبل أحمد اسامة بسيطة ومناسبة لطبيعة المكان، واستطاع استخدام إمكانات القاعة المحدودة للمساعدة في خلق الحالات المختلفة التي تمر بها البطلة وهنا يحسب للعرض أنه لم يتعامل مع الضوء باعتباره وسيلة لإظهار الممثلة والديكور فقط، وإنما جعله جزءًا من الجو العام للمشهد. فالضوء في المسرح لا يحتاج دائمًا إلى كثرة المؤثرات .. أحيانًا يكون الاقتصاد في استخدامه أكثر قدرة على خدمة الحالة.
جاءت الموسيقى متوافقة مع الحالات النفسية لوناّسة، وخصوصًا في لحظات الرقص والانفعال والتوتر. وقد ساعدت في خلق المناخ الشعوري للعرض. لكنها في بعض اللحظات ارتفعت على حساب صوت الممثلة، خصوصًا عندما كانت تتحدث بصوت منخفض. وهنا تصبح المشكلة واضحة؛ فالموسيقى في المونودراما يجب أن تساعد الممثل لا أن تنافسه. فالهدف في النهاية ليس أن نسمع الموسيقى بشكل أقوى وإنما أن تعمل الموسيقى والأداء والصوت معًا لصناعة اللحظة المسرحية. وربما راجع ذلك لعدم تمرس منفذ الموسيقي والذي كان يجب أن يتدارك هذا.
تقف نادين حسام الدين وحدها أمام الجمهور وتحمل عبء عرض يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على استخدام صوتها وجسدها. وقد نجحت في الانتقال بين الحالات المختلفة خصوصًا في لحظات استدعاء الماضي حين تترك الكرسي وتتحرك لتجسد الشخصيات والمواقف التي تستعيدها. فقد أمسكت نادين بخيوط الشخصية بانتقالاتها المختلفة، وبدت ممثلة مجتهدة تملك الحس الكوميدي والتراجيدي معًا.
نجحت ساندرا سامح في التعامل مع كل مفردات القاعة التي كانت من الممكن أن تكون عقبة أمام عرض ممثلة واحدة، لكنها صارت إمكانية، إذ جعلت الجمهور محيطًا بالحدث فبدا وكأنه داخل حلقة اعتراف لا أمام خشبة تقليدية. واستُثمرت الحوائط الثلاثة كمساحات للحكي ولكل جهة وظيفة بصرية مختلفة، فلم يعد المتلقي ينظر في اتجاه واحد.
"بُكره أشتري جناحات" عرض يمتلك عناصر لافتة، في مقدمتها سينوغرافيا استطاعت أن تستثمر القاعة وتحولها إلى فضاء للذاكرة وأداء يقوم على الانتقال بين السكون والحركة وإضاءة تساعد في خلق الحالة وموسيقى تساند الانفعال وإن ارتفعت أحيانًا على حساب الصوت. كما يطرح العرض سؤالًا مهمًا حول حدود المونودراما وعلاقة الممثل بالمتلقي من خلال إشراك بعض الموجودين في الفعل المسرحي. لكن العرض كان يحتاج إلى بناء أكثر وضوحًا للعلاقة بين ماضي وناسة وحاضرها وبين حالتها الجسدية وما مرت به من تجارب حتى تتحول الأحداث من مجرد ذكريات مؤلمة إلى خطوات واضحة في تكوين الشخصية. وفي النهاية يبقى السؤال الذي يتركه العنوان مفتوحًا..هل ستشتري وناسة جناحات فعلًا أم أن الماضي سيظل ممسكًا بقدميها؟
بطاقة العرض
تأليف: خالد توفيق - تمثيل: نادين حسام الدين - ديكور: كريم معروف – إضاءة: أحمد اسامة دراما حركية: هشام شقاوة – مادة فيلمية: يوسف علي – فيديو مابينج: ابراهيم أبو بكر - إعداد موسيقي محمد الزمر - مخرج مساعد: ناصر صلاح – مهرجان منفذان: اسلام طه ومروة - إخراج ساندرا سامح
#حسام_موسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟