أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - القنافذ🦔البشرية بين دفء النار🔥ووحشة الجليد …














المزيد.....

القنافذ🦔البشرية بين دفء النار🔥ووحشة الجليد …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 21:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ من المثير للسخرية أن الإنسان ، الذي أمضى قروناً في اختراع وسائل الراحة وتشييد الحضارات وتطوير أدوات السيطرة ، لم ينجح حتى الآن في اكتشاف المسافة المثالية التىّ تسمح له بالاقتراب من الآخرين دون أن يتأذى منهم ! فهو يهرب من البرد بحثاً عن النار ، ثم يخشى الاحتراق عندما يقترب منها ، ويهرب من وحشة الوحدة إلى أحضان الآخرين ، قبل أن يكتشف أن لكل واحد منهم أشواكه الخاصة ، وكأن أعظم معضلات البشرية ليست في كيفية الوصول إلى الدفء ، بل في كيفية الاستمتاع به دون دفع ثمنه احتراقاً ، هذه المفارقة تختصرها استعارة الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور المعروفة بـ«معضلة القنافذ» ، ففي ليلة شديدة البرودة ، تقترب مجموعة من القنافذ بعضها من بعض طلباً للدفء ، لكن أشواكها تتسبب في إيذائها ، فتضطر إلى الابتعاد ، قبل أن تدفعها قسوة البرد إلى الاقتراب مجدداً ، وتستمر هذه الحركة المتناقضة إلى أن تدرك أن النجاة لا تكمن في الالتصاق الكامل ولا في العزلة المطلقة ، وإنما في العثور على مسافة تسمح بالتدفئة دون التعرض للوخز .

لكن السؤال الذي تطرحه هذه الاستعارة يتجاوز حدود السلوك الفردي : لماذا يصر الإنسان على إعادة التجربة ذاتها ، رغم معرفته المسبقة بأن الاقتراب قد يحمل في طياته الألم ؟ ولماذا يكرر التاريخ صراعاته ، وكأن البشرية لم تتعلم من حروبها وانكساراتها أن الحاجة إلى الآخر لا تعني بالضرورة القدرة على التعايش معه؟ ، لعل الإجابة تكمن في طبيعة الإنسان نفسه ؛ فهو لا يستطيع مواجهة وحشة وجوده منفرداً ، ويحتاج إلى الحب والصحبة والانتماء والاعتراف ، غير أن هذه الحاجة قد تتحول ، عندما تغيب الحكمة ، إلى رغبة في الامتلاك والسيطرة ، فتختلط المودة بالتبعية ، والثقة بالرقابة ، والتقارب بإلغاء الخصوصية ، عندها يصبح الآخر ، الذي كان يفترض أن يكون مصدراً للأمان ، سبباً إضافياً للقلق والاستنزاف ، ومن هنا ، لا تكمن المشكلة في الاقتراب بحد ذاته ، بل في العجز عن إدراك الحدود التىّ تجعل العلاقات قابلة للاستمرار ، فالعلاقة الناضجة لا تشترط ذوبان أحد الطرفين في الآخر ، وإنما تقوم على التوازن بين الحميمية والاستقلال ، وبين المشاركة واحترام الخصوصية ، وإذا كان التقارب العاطفي في العلاقات الزوجية يحتاج إلى قدر من الالتصاق الوجداني ، فإن تحويل القرب إلى امتلاك في العلاقات الاجتماعية والسياسية لا ينتج سوى الاختناق والصراع .

وهذا ما يمنح استعارة شوبنهاور دلالة تتجاوز المجال النفسي إلى بنية العلاقات السياسية ؛ فالدول والأحزاب والتيارات كثيراً ما تتقارب تحت ضغط الأخطار أو تقاطع المصالح ، لكنها سرعان ما تتبادل الأشواك عندما تتغير موازين القوة ، فالتحالفات لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى ، والشراكة لا تمنح أحد أطرافها حق الهيمنة على الآخرين ، ومع ذلك ، يتصرف بعض الفاعلين السياسيين وكأن الاتفاق المؤقت صك ملكية دائمة ، وكأن الاختلاف في المصالح خيانة تستوجب العقاب ، لا حقيقة تفرضها طبيعة العمل السياسي .

ولعل هذا المشهد يستحضر العالم الملحمي في رواية «أغنية الجليد والنار» (A Song of Ice and Fire) للكاتب الأمريكي جورج ر. ر. مارتن ؛ ذلك العالم الذي تتشابك فيه التحالفات والمصالح والخيانة ، وتظل فيه النجاة رهينة موازين القوة وتقلبات الولاء ، فالجليد والنار ، في هذا السياق ، يتجاوزان صورتهما الطبيعية ليصبحا رمزين لعالم تتصارع فيه إرادة البقاء مع شهوة السلطة ، وتتحول فيه الصداقة أحياناً إلى هدنة مؤقتة ، والتحالف إلى حساب مؤجل ، وكأن بعض العلاقات السياسية لا تقوم على الثقة بقدر ما تقوم على انتظار اللحظة التىّ يصبح فيها التخلي عن الحليف أكثر فائدة من البقاء معه ، وإذا كانت القنافذ تجرح بعضها بأشواكها الطبيعية ، فإن الإنسان يمتلك أشواكاً أكثر تعقيداً وأشد فتكاً ؛ من الغيرة والحسد والنرجسية إلى حب السيطرة واحتكار الحقيقة والخوف من فقدان المكانة ، والمفارقة أنه كثيراً ما يطالب الآخرين بتقبّل عيوبه ، بينما يتعامل مع عيوبهم باعتبارها اعتداءً شخصياً عليه ، وهنا تتحول العلاقات إلى اختبارات مستمرة للصبر ، وتصبح المسافة التىّ كان ينبغي أن تحميها ضرورة لا غنى عنها .

في المحصلة ، ليست الحكمة في أن نبتعد عن الآخرين كي نتجنب أشواكهم ، ولا في أن نقترب منهم حتى نفقد استقلالنا ، بل في أن ندرك أن التعايش لا يعني الامتلاك ، وأن المحبة لا تلغي الحدود ، وأن التحالف لا يستوجب التبعية ، فالمسافة الحكيمة ليست بروداً عاطفياً ولا قطيعة اجتماعية ، وإنما شرط من شروط استمرار العلاقات الإنسانية والسياسية دون أن تلتهم تناقضاتها أطرافها .

وربما تكمن مأساة الإنسان في أنه لا يزال يبحث عن النار هرباً من الجليد ، ثم يحمل إلى جوارها كل أشواكه ، متوقعاً أن ينعم بالدفء دون أن يؤذي أحداً أو يتأذى منه ، وهكذا تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة ، وتتبدل الممالك والتحالفات والوجوه ، بينما تبقى الطبيعة البشرية أسيرة معضلتها القديمة : نخشى وحشة البرد ، لكننا كثيراً ما نجعل من نبحث عندهم عن الدفء سبباً لاحتراقنا …والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين «اضرب» و«لا تضرب»: عالمٌ ينتظر الضربة ، وواشنطن تُعيد تر ...
- الرومانسية في مواجهة العقل🧐المادي:حين يصبح الإنسان غ ...
- من حجر🧱فلسطين إلى مليارات العملات المشفرة 💵 ...
- بين القبر🪦وحافة الشباك:الجشع بوصفه موتاً مؤجلاً …
- ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤ ...
- هل الحرب استقالةً مؤجلة : نتنياهو وترمب وإيران في مواجهة صنا ...
- من شجرة الزيتون🫒إلى صندوق الاقتراع:كيف ننتقل من الته ...
- من ارتباك نتنياهو إلى حرية🗽المتنبي:حين تخاف السياسةُ ...
- مؤخرة نيكي وعلم فلسطين🇵🇸:حين يصبح الجسد جواز ...
- القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء&# ...
- مصر التي تغيّرت: من «تحت الإنشاء» إلى «مطار الجورة» ✈ ...
- من عنترة بن شداد🐎إلى «الماستر كي»: كيف تحوّل الحبّ&# ...
- الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة ...
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...


المزيد.....




- كيف تحولت الأغنام إلى سلاح في يد المستوطنين الإسرائيليين؟
- زاخاروفا تسخر من وزير الدفاع البريطاني وتلقبه بـ-سترينغر-
- أولى أزمات ترامب بعد الخسارة.. هل يكون هيغسيث كبش فداء لاحتو ...
- زاخاروفا: موسكو ترصد خطوات هلسنكي غير الودية
- زاخاروفا تنتقد غموض موقف باشينيان من الاتحاد الأوراسي
- خسارة الكونغرس تقلص خيارات ترامب
- ما حقيقة فرضية انتهاء العالم في 13 نوفمبر؟ نبوءة قديمة تعود ...
- الأردن: مقتل رجل أمن وإصابة آخر طعنا قرب سفارة سريلانكا في ع ...
- الولايات المتحدة: هل أثر صوت الناخب العربي على نتائج الإنتخا ...
- بؤرة استيطانية جديدة وسط الخليل وهدم 5 منازل وتحذير من هدم ت ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - القنافذ🦔البشرية بين دفء النار🔥ووحشة الجليد …