أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسدها عارَ القوة …














المزيد.....

راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسدها عارَ القوة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مروان صباح / ثمة حكوماتٌ تنفق المليارات لتجميل صورتها ، ثم تأتي فتاةٌ بمعطف برتقالي لتكشف ، في لحظة ، ما عجزت عن إخفائه جيوش العلاقات العامة طوال عقود ، وثمة دولٌ تملأ الدنيا حديثًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، لكنها حين يتعلق الأمر بفلسطينيٍّ مهدد بالموت ، تكتشف فجأةً أن للعدالة استثناءات ، وللحرية حدودًا ، وللضمير حساباتٍ مصرفية لا ينبغي المساس بها ، هكذا تبدو السياسة حين تتحول المبادئ إلى سلعة ، ويصبح الإنسان تفصيلًا مزعجًا في بيانات الدول الكبرى ، كنت أعي ، منذ لقائي الأول بالناشطة الأمريكية راشيل كوري ، وقبل ذهابها إلى رفح ، وتحديدًا على شرفة البيت ، أثناء احتساء القهوة في الصباح الباكر ، أنني أمام شخصية استثنائية ، لم تكن تلك الفتاة مجرد ناشطة شابة تحمل حماسةً عابرة ، بل إنسانةً تشكّل وعيها على قاعدة أن الظلم لا يصبح مقبولًا لأن مرتكبه يمتلك القوة ، ولا يصبح بعيدًا عن المسؤولية لأن ضحيته تعيش خلف المحيطات ، وحين استشهدت في ال6 من آذار/مارس 2003 ، تحت جرافة عسكرية إسرائيلية ، بينما كانت تحاول حماية منزل فلسطيني من الهدم ، أدركت أن دماءها ستتجاوز حدود مدينة رفح ، وأن صورتها ستصبح جزءًا من ذاكرة عالمية يصعب محوها .

تعزز هذا الشعور لديّ خلال ترتيب لقاءٍ لتكريم والديها لدى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، الذي منحهما قلادة «بيت لحم 2000» ، يومها ، وقفت والدتها بثباتٍ لافت ، تتحدث عن التربية والثقافة والقيم الأخلاقية التىً أسهمت في تشكيل شخصية ابنتها ، لم تكن تستعيد سيرة ابنتها بوصفها فاجعةً عائلية فحسب ، بل كانت تشرح كيف يمكن للتربية أن تنتج إنسانًا لا يكتفي بمعرفة الصواب ، بل يشعر بأنه مسؤول عن الدفاع عنه.

كان عرفات ، في ذلك اللقاء ، يبدو منهكًا إلى حدٍّ أثار قلقي ، أتذكر أنه كان يعاني ضعفًا شديدًا في التركيز وصعوبةً في الوقوف والنطق ، ولم أكن أعلم حينها أنه أمضى الليلة السابقة في معاناةٍ مع الإسهال والتقيؤ ، حتى فقد قدرًا كبيرًا من سوائل جسده ، كما كانت تراودني ، في ضوء ما عُرف عن تعرضه بالتسميم من الطعام أو الأدويه ، مخاوف بشأن حالته الصحية ؛ فقد كانت هذه المرة الأولى ، ثم تجددت الشبهات لاحقًا بشأن تسميمه مرة ثانية بنفس التاريخ في العام التالي ، وفي تلك اللحظة ، بدا لي أن الرجل ينظر إليّ كأنه يستنجد بصمت ، وحين سألته : «مالك ، ليش هيك وضعك؟»، شعرت بأن وراء المشهد حكايةً أكبر مما يُقال علنًا ، بل خضت مشاحنة مع شخصية نافذة بجانبه بعد إصراري على البقاء لمعرفة وضعه الصحي ، لكنني أتوقف هنا ، عند حدود ما تسعفني به الذاكرة المغيبة ، لأن ما بقي راسخًا في ذهني هو ذلك التداخل بين هشاشة الجسد وثقل السياسة ، وبين إنسانٍ يواجه التسميم وشعبٍ يواجه محاولات المحو ، في هذا المعنى ، تستدعي حكاية راشيل تأملًا يلامس عالم رواية «الوجوه البيضاء» للياس خوري ؛ حيث لا يكون الوجه مجرد ملامح ، بل شهادةً على العنف وذاكرةً تقاوم النسيان ، فثمة وجوهٌ تحاول السلطة إخفاءها ، وأخرى تتحول ، بفعل المأساة ، إلى مرايا تكشف قبح العالم ، لم تعد راشيل ، بعد استشهادها ، مجرد طالبة أمريكية جاءت إلى فلسطين ، بل أصبحت وجهًا يلاحق ضمير العالم ، ويعيد طرح السؤال الذي تفضّل السياسة الهروب منه : كيف يمكن للإنسان أن يدافع عن كرامته ، ثم يقبل أن تُسلب كرامة الآخرين ؟

لم تبدأ راشيل مسيرتها من فلسطين ؛ فقد تشكل وعيها في الولايات المتحدة ، في محيطٍ ثقافي وتعليمي دفعها إلى مساءلة مجتمعها ومؤسساته ، لكنها أدركت أن التعليم والفنون والثقافة تفقد معناها حين تتحول إلى واجهةٍ تجميلية لسياسات لا تصغي إلا إلى مصالحها ، فالدبلوماسية التىّ تتحدث ولا تستمع ليست حوارًا ، والثقافة التىّ لا ترى آلام الآخرين ليست جسرًا للتواصل ، بل جدارٌ آخر يفصل البشر بعضهم عن بعض ، ومن هنا ، لم تستسلم راشيل للأصنام التىّ تصنعها جماعات الضغط ومراكز النفوذ ، ولا للروايات السياسية التىّ تطلب من الناس الاصطفاف قبل التفكير ، فالأصنام لا تنحت نفسها ؛ ينحتها الذين يخشون الحرية ، ويحرسها الذين يخشون خسارة امتيازاتهم ، وفي اغلب المؤسسات ، يُكافأ من يتقن التملق أكثر ممن يمتلك شجاعة النقد ، ويصعد من يطمئن المسؤولين بدلًا من أن يضعهم أمام مسؤولياتهم ، عندئذٍ تصبح الطاعة كفاءةً وظيفية ، ويُعامل الضمير المستقل باعتباره خللًا ينبغي التخلص منه .

كانت راشيل نقيضًا لهذا النموذج ؛ لم تبحث عن مقعدٍ في كواليس السلطة ، بل ذهبت إلى المكان الذي تُختبر فيه القيم على نحوٍ مباشر : أمام بيتٍ مهدد بالهدم ، وأمام أطفالٍ لا يعرفون لماذا صار منزلهم هدفًا للحرب ، هناك، لم تعد فلسطين بالنسبة إليها شعارًا سياسيًا ، بل امتحانًا لمعنى المواطنة والمسؤولية الإنسانية ، وهكذا تجاوزت حكايتها حدود رفح ، لتصبح مصدر إلهامٍ لناشطين وطلابٍ أعادوا فتح النقاش حول فلسطين داخل الجامعات الامريكية، لم يكن سر حضورها في امتلاكها منصبًا أو نفوذًا ، بل في قدرتها على تحويل التعاطف إلى فعل ، والقناعة إلى موقف ، والحرية الشخصية إلى مسؤولية تجاه الآخرين .

في النهاية ، لم تستطع الجرافة أن تهدم سوى البيت والجسد ؛ أما الحكاية فبقيت ، لقد أرادت القوة أن تنهي لحظة اعتراض ، فإذا بها تمنح العالم وجهًا لا تنفع معه مساحيق الدبلوماسية ، ومن هنا ، يعود السؤال الذي تركته راشيل مفتوحًا : ما الذي يمكن أن يجمع البشر حين تفصلهم السياسة والجغرافيا؟ ربما لا شيء أبسط من طفلٍ يريد أن يعيش ، وأمٍّ تريد حماية بيتها ، وإنسانٍ يرفض أن يكون صمته شريكًا في الظلم .

ذهبت راشيل إلى رفح لتقف أمام جرافة ، لكنها انتهت واقفةً أمام العالم كله ، ومنذ ذلك اليوم ، لم يعد السؤال لماذا ماتت فتاةٌ أمريكية دفاعًا عن بيتٍ فلسطيني ، بل كيف استطاع عالمٌ يتغنى بحقوق الإنسان أن يواصل حياته بعد ذلك ، كأن شيئًا لم يحدث … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسدها عارَ القوة …