أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس إلى فلسفة أبي العلاء المعري وبورخيس وساراماغو …















المزيد.....

العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس إلى فلسفة أبي العلاء المعري وبورخيس وساراماغو …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 15:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لم تعد صناعة العظمة تحتاج ، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ، إلى عقل استثنائي أو منجز تاريخي ؛ يكفي أحيانًا أن تكون قد قدّمت فنجان قهوة لرئيس ، أو وقفت خلفه في صورة ، أو عملت في مطبخه ، لتكتشف بعد سنوات أنك كنت شاهدًا على التاريخ ، وربما قررت ، في لحظة إلهام نادرة ، أنك صانع خفي لأحداثه أيضًا ، هكذا أصبح الاقتراب من العظماء بديلًا عن العظمة ، وتحولت التفاصيل الصغيرة إلىّ بضاعة رائجة ، وصار بوسع طباخ الرئيس أن ينافس المؤرخ ، لا لأنه فهم ما جرى ، بل لأنه يعرف ماذا كان الرئيس يأكل قبل أن يقرر ما سيجري ، ولقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الناس فرصة غير مسبوقة لتبادل المعرفة في مجالات السياسة والرياضة والتغذية وعلم النفس ، لكنها منحتهم ، في الوقت نفسه ، مساحة واسعة لتضخيم ذواتهم وتسويق التفاهة بوصفها معرفة ، فما الذي يضيفه إلى التاريخ أن يخبرنا أحدهم بأن شخصية سياسية كانت تفضل الفول المدمس ، أو تنام على جانبها الأيمن ، أو ترتدي حذاءً إيطاليًا بدلًا من الألماني؟ ، قد تكون هذه التفاصيل ذات دلالة إذا أسهمت في فهم الشخصية ، لكنها تصبح ضربًا من النميمة المؤرشفة حين تُقدَّم بوصفها معرفة قائمة بذاتها ، فالتاريخ لا يُكتب بما أكله صانعوه ، بل بما صنعوه ؛ ولا تُقاس أهمية الشاهد بمقدار قربه من الحدث ، وإنما بقدرته على فهمه وتفسيره .

ومن هنا تبدأ المفارقة : كيف يستطيع إنسان حُرم البصر أن يرى في العالم ما يعجز عن رؤيته آخرون مفتوحو الأعين؟ وكيف يتمكن أبو العلاء المعري ، الذي عاش مكفوفًا ، من بناء عالم شعري وفلسفي تتقاطع فيه أسئلة الوجود والأخلاق والطبيعة والإنسان ، بينما لا يتجاوز بعض المبصرين حدود طبق الطعام الذي وضعوه أمام أسيادهم؟ ، لم يكن المعري مجرد شاعر عوّض فقدان البصر باللغة ، بل عقلًا جعل من التأمل وسيلة لمساءلة العالم وموروثاته ، لقد أثبتت تجربته أن الحرمان الحسي لا يعني بالضرورة فقرًا في الخيال ، وأن الرؤية لا تتوقف عند ما تلتقطه العين ، بل تبدأ أحيانًا حين تعجز العين عن تقديم إجابات جاهزة ، غير أن ذلك لا يجعل العمى فضيلة في ذاته ، كما لا يجعل البصر دليلًا على الحكمة ؛ فالفارق الحقيقي يكمن في قدرة الإنسان على تحويل تجربته إلى معرفة ، وما يراه إلى سؤال ، وما يسمعه إلى فكرة ، ولعل هذا ما يجعل استحضار المعري إلى جانب خورخي لويس بورخيس وجون ميلتون وطه حسين أمرًا يتجاوز الحديث عن شخصيات فقدت البصر ثم أبدعت ، فهؤلاء ، على اختلاف تجاربهم ، يذكّروننا بأن حدود الجسد ليست بالضرورة حدود العقل ، وأن الإنسان لا يُقاس بما حُرم منه ، بل بما استطاع أن يبنيه بما امتلكه ، أما العمى الذي يستحق التأمل حقًا ، فليس ذلك الذي يصيب العين ، بل الذي يصيب الفهم ، حين يرى الإنسان الأشياء ولا ينفذ إلى معانيها ، وقد منح بورخيس هذه المفارقة بعدًا حسيًا وفلسفيًا خاصًا ، فالعمى ، في تجربته ، لم يكن بالضرورة ليلًا دامسًا يبتلع العالم ، كما يتخيله المبصرون ، بل تجربة تتغير فيها علاقة الإنسان بالألوان والذاكرة والصورة ، وقد تحدث عن تراجع حضور بعض الألوان في إدراكه البصري ، ومنها الأحمر والأسود ، لكن تجربة المكفوفين ليست واحدة ، ولا يصح تعميم تجربته عليهم جميعًا ، الأهم أن بورخيس زعزع يقين المبصرين بشأن ما يتخيلونه عن العمى ، كاشفًا أن الإنسان قد يخطئ في فهم تجربة غيره بقدر ما يخطئ في فهم العالم الذي يظن أنه يعرفه .

وهنا يغدو اللون الأسود أكثر من لون ؛ يصبح استعارة للجهل حين يتخفى في هيئة يقين ، وللعقل حين يكتفي بظاهر الأشياء ، فالمرء قد يرى العالم بألوانه كلها ، لكنه يعجز عن إدراك تناقضاته ، وقد يفقد بعض قدرته على الرؤية ، لكنه يحتفظ بما يكفي من الخيال والتأمل ليفهم ما يتجاوز حدود الحواس.

وفي رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو ، تتخذ هذه المفارقة صورة أكثر قسوة ، فوباء العمى الذي يجتاح المجتمع لا يترك المصابين في ظلام أسود ، بل يغرقهم في بياض كثيف يحجب الأشياء ويعطل قدرتهم على الاهتداء ، ومن خلال هذه الصورة ، ينقل ساراماغو العمى من المجال الجسدي إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي ؛ إذ تكشف المحنة هشاشة النظام الذي يتباهى به البشر ، وتفضح الأنانية والعنف حين تتراجع القواعد التىّ تحفظ كرامة الإنسان ، لا يقول ساراماغو إن فقدان البصر يجعل الإنسان أكثر حكمة ، بل يكشف العكس أحيانًا : قد يفقد المرء القدرة على الرؤية ، ثم يفقد معها القدرة على رؤية الآخر بوصفه إنسانًا يستحق الاحترام ، وهنا يلتقي عالمه الروائي مع سؤال المعري وبورخيس : ما قيمة العين إذا عجز صاحبها عن إدراك الحقيقة؟ وما قيمة المعرفة إذا لم تتحول إلى وعي ومسؤولية ؟، إن الخيط الذي يجمع هذه التجارب ليس العمى في ذاته ، بل الفجوة بين امتلاك المعلومة وفهمها ، وبين رؤية الأشياء وإدراك دلالاتها ، فكما أن فقدان البصر لا يحكم على الإنسان بالعجز عن الإبداع ، فإن امتلاك المعلومات لا يمنح صاحبها تلقائيًا حق تفسير التاريخ ، قد يعرف شخص كل تفاصيل الحياة اليومية لرئيس ، لكنه يعجز عن تفسير قراراته وأثرها في المجتمع ، وقد يعرف آخر تفاصيل كثيرة عن العالم ، لكنه يظل أسير غرائزه ومصالحه ، عاجزًا عن تحويل المعرفة إلى حكمة .

عند هذه النقطة ، تتجاوز المسألة نقد التفاهة على وسائل التواصل الاجتماعي ، لتلامس علاقة الإنسان بالعقل والغريزة ، فحين تتقدم الرغبة في الشهرة على الحاجة إلى المعرفة ، وتصبح المنفعة أهم من المبدأ ، يتحول الإنسان إلى أسير لما يشبع حاجاته العاجلة ، وتغدو التفاصيل وسيلة للترويج للذات بدلًا من فهم الواقع ، ليست المشكلة في الطعام أو المال أو الشهرة ، بل في أن تصبح هذه الأشياء غايات تستعبد الإنسان وتحجب عنه ما هو أبعد منها ، وليس كل منعزل فيلسوفًا ، كما أن ليس كل من دخل السجن شاعرًا ، ولا كل من فقد بصره قادرًا على رؤية ما يعجز عنه الآخرون ، فالمحنة وحدها لا تصنع العظمة ؛ الذي يصنع الفارق هو ما يفعله الإنسان بها، وكيف يحولها إلى تجربة للفهم والإبداع ، بدلًا من أن يجعلها عذرًا للانسحاب أو وسيلة لابتزاز التعاطف .

في نهاية المطاف ، لا يحتاج التاريخ إلى مزيد من الرواة الذين يُخبروننا بما أكله الشخصيات التاريخية أو ما ارتدوه ، بقدر ما يحتاج إلى من يُفسّرون ما فعلوه ، ولماذا فعلوه ، وما خلّفوه من آثار ، فالتاريخ ليس مطبخًا نُحصي فيه الأطباق ، ولا خزانةً نُرتّب فيها الأحذية ؛ بل هو محاولة لفهم الإنسان في تناقضاته وتحولاته ومصائره ، ولهذا، حفظ التاريخ انتصارات خالد بن الوليد في اليرموك ومؤتة وأجنادين، ولم ينشغل بتسجيل أسماء طُهاته أو حُجّابه ؛ لأن ما يبقى في ذاكرة الأمم ليس تفاصيل موائد الكبار ، بل ما صنعوه من أحداث ، وما تركوه من أثر في مسيرة التاريخ ، وهذا مهمة المؤرخ ، فالمؤرخ الحقيقي لا يسمح لأحد تحويل التاريخ إلى حكايات عن الطعام واللباس والمركب ، والانشغالٌ بهوامش الحكاية على حساب جوهرها .

وربما كانت المفارقة الأشد سخرية أن نعيش في عصر تتضاعف فيه الصور حتى تحجب الواقع ، وتتراكم فيه المعلومات حتى يضيع المعنى ، ثم نتصور أننا نرى كل شيء لمجرد أن أعيننا مفتوحة ، لقد حُرم المعري البصر ، لكنه ترك لنا ما يستحق التفكير ؛ وأعاد بورخيس مساءلة اللون والذاكرة ؛ وجعل ساراماغو من العمى مرآة لمجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية ، وخلد ابو فراس الحمداني تجربته في الأسر بأروع القصائد المعروفة .

في النهاية ، ليس كلُّ من رأى أبصر ، وليس كلُّ من فقد البصر فقد الرؤية ؛ فالعمى الحقيقي أن يقف الإنسان أمام التاريخ فلا يرى منه إلا حذاءً ، وأمام الفكر فلا يسمع إلا صدى صوته ، وأمام العالم فلا يبحث إلا عمّا يُشبع غرائزه أو ينفخ في صورته.

ومن مفارقات التكنولوجيا أنها ، وإن لم ترتقِ بالوعي بالضرورة ، فقد جنّبتنا على الأقل هدر الورق والحبر والأقلام في تدوين كل ما يُنشر من خربشات على وسائل التواصل الاجتماعي ؛ فبات العبث رقميًّا ، بعد أن كان يستنزف موارد الكون ! ، لقد وفّرت التكنولوجيا الورق ، لكنها لم تستطع أن توفّر على العالم ضجيج العقول الفارغة… والسلام🙋‍♂✍ 📚



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...


المزيد.....




- السعودية والحوثيون.. كيف أدى تبادل الضربات في العمق إلى زياد ...
- تشيلي.. الأمطار الغزيرة تشل شوارع سانتياغو وتقطع الكهرباء عن ...
- مصدر أوروبي يستبعد انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي قبل ...
- عالم فلك يكشف ماهية الأجسام المتوهجة التي ظهرت في سماء كازاخ ...
- تقرير أمريكي يكشف خطط ترامب بخصوص العقوبات على روسيا
- صحفي ألماني: الاستخبارات الأمريكية علمت مسبقا بخطة تفجير «ال ...
- -التحالف- يكشف تفاصيل -عملية نوعية- ضد الحوثيين.. ويعلن اعتر ...
- -بسم الله إنها الظلمات- ما قصة هذه العبارة الغامضة التي اجتا ...
- السعودية: حريق بمبنى لأرامكو في الظهران و4 جرحى بشظايا صواري ...
- الغابة بدلا من المدرسة.. تجربة تعليمية جديدة للأطفال في تركي ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس إلى فلسفة أبي العلاء المعري وبورخيس وساراماغو …