أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من باب السلطة دون أن تُطرد منه؟ ..















المزيد.....

الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من باب السلطة دون أن تُطرد منه؟ ..


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ثمة كائنات صغيرة على هذا الكوكب لا تعرف شيئًا عن البيروقراطية ، ولا عن البيانات الرسمية ، ولا عن اللجان التىّ تجتمع لتقرر موعد الاجتماع المقبل ، ومع ذلك تدير حياتها بكفاءة تستحق شيئًا من الغيرة البشرية ، " خذ النملة مثلًا " ، كائن صغير لا يكاد يلفت النظر ، لكنه يعيش داخل مجتمع شديد التنظيم ، يتحرك ، يبحث عن الغذاء ، ينقل المعلومات ، يؤدي وظيفة محددة ، ويتعاون مع أفراد مستعمرته ، ويتعامل مع الخطر والبيئة ، من دون أن نراه يحمل ملفًا أخضر ويقف أمام نافذة الموظف المختص طالبًا ختمًا يثبت أنه نملة فعلًا ، وللنملة منظومة بيولوجية معقدة رغم صغر حجمها ؛ غير أن المدهش ليس الأدوات التىّ تمتلكها منفردة ، بل الطريقة التىّ تعمل بها داخل منظومة واحدة ، وهنا تبدأ المفارقة الإنسانية ، كيف يستطيع كائن بهذا الحجم أن يعيش داخل نظام اجتماعي منظم ، بينما يحتاج الإنسان ، صاحب اللغة الأكثر تعقيدًا ، أحيانًا إلى اجتماعات طويلة كي يختلف على أفضل طريقة لعقد اجتماع آخر؟ ، ربما لا تكمن المفارقة في الذكاء ، بل في شيء آخر : الإنسان لا يعيش في الطبيعة وحدها ، وإنما يعيش داخل عالم من الأفكار والعادات والرموز والمصالح والذاكرة والسلطة .

ولهذا لا تصبح المشكلة دائمًا في معرفة الحقيقة ، وإنما في قدرة المجتمع على سماعها ، حين تصبح العادة أقوى من السؤال ، يستطيع الإنسان أن يغامر في المختبر ، ويخترع آلة لم تكن موجودة ، ويرسل مركبة إلى الفضاء ، لكنه قد يتردد طويلًا أمام فكرة تمس عادة اجتماعية أو قناعة راسخة أو صورة اعتاد المجتمع أن يرى نفسه من خلالها ، فالعادة ، حين تطول إقامتها ، لا تبقى عادة ، قد تتحول إلى قاعدة ، ثم إلى قيمة ، ثم إلى جزء من الهوية ، حتى يصبح السؤال عنها وكأنه سؤال عن المجتمع نفسه ، ومن هنا تبدأ مهمة المفكر الأصعب : ليس أن يعرف ما يريد قوله فقط ، بل أن يعرف كيف يمكن أن يصل قوله إلى الآخرين دون أن يتحول منذ لحظته الأولى إلى معركة ، فالفكرة الجديدة لا تدخل إلى مجتمع فارغ ؛ إنها تدخل إلى شبكة من المصالح والمخاوف والذكريات والتصورات التىّ سبقتها .

ابن خلدون : فهم البنية قبل إصدار الحكم ، تكمن إحدى أهم ميزات التفكير الخلدوني في أنه لا يكتفي بسؤال : ماذا حدث؟ بل ينتقل إلى السؤال الأكثر عناءً : لماذا حدث؟ ، في قراءته للتاريخ ، لا تظهر الدول والمجتمعات بوصفها أحداثًا منفصلة ، وإنما بوصفها نتاجًا لقوى اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تتفاعل فيما بينها ؛ من العصبية إلى العمران ، ومن البداوة إلى الحضارة ، ومن القوة إلى الضعف ، وتحمل هذه الطريقة في النظر إلى المجتمع درسًا يتجاوز قراءة التاريخ ، فإذا أردت إصلاح مؤسسة ، عليك أن تفهم أولًا كيف تشكلت ، وما الذي يحافظ على استمرارها ، ومن يخشى تغييرها ، وما البديل الذي يمكن أن يحل محلها .

والأمر نفسه ينطبق على الأفكار ، فالفكرة التىّ أصبحت «حقيقة» في وعي الناس لم تصل إلى هناك صدفة ، وراءها تجربة وذاكرة ومصلحة وخوف ، وربما فراغ لم تجد فكرة أخرى ما يكفي من القوة لملئه ، لذلك ، فإن نقد المجتمع قبل فهم بنيته قد يحوّل النقد إلى مواجهة ، بينما يسمح الفهم بتحويله إلى سؤال قابل للنقاش .

في الأدب الروسي ، ولا سيما عند غوغول وتشيخوف ودوستويفسكي ، نجد طريقة أخرى للاقتراب من الحقيقة ، وفي عالم غوغول ، يمكن لموظف صغير وورقة رسمية ومعطف أو رتبة أن تكشف نظامًا كاملًا أكثر مما تكشفه محاضرة عن البيروقراطية ، وعند تشيخوف ، قد تكفي غرفة هادئة وحوار عابر بين شخصيات عادية لكي يظهر خلف التفاصيل عالم من العجز والوحدة والتناقض ، أما دوستويفسكي ، فيجعل الصراع الخارجي يدخل إلى أعماق الإنسان ؛ فالفكرة الاجتماعية لا تبقى في الشارع أو المؤسسة ، بل تتحول إلى صراع داخلي بين القناعة والخوف والضمير والرغبة ، فالسخرية هنا ليست مجرد وسيلة للضحك ، بل طريقة تجعل القارئ يرى ما قد يرفضه لو قُدّم إليه في صورة اتهام مباشر ، وهنا تظهر قيمة الأسلوب : قد لا تحتاج الفكرة إلى أن تكون أقل حدة ، بل إلى أن تُقدَّم بطريقة تسمح برؤيتها .

من هذا الباب يمكن فهم العلاقة بين أورويل وأندرسن ، وفي «مزرعة الحيوانات» و**«1984»**، يحوّل أورويل قضايا السلطة واللغة والدعاية إلى عوالم وشخصيات ومواقف ، فيترك للقارئ مساحة لاكتشاف ما وراء الحكاية ، أما في «ملابس الإمبراطور الجديدة» ، فيضع أندرسن الحقيقة أمام الجميع ببساطة شديدة : الكل يرى ، لكن الخوف من الاختلاف يجعل الصمت أكثر أمانًا من الكلام ، في الحالتين ، لا تأتي الحقيقة على هيئة محاضرة ؛ إنها تظهر من خلال الرؤية والاكتشاف ، ومن هنا يمكن فهم الدبلوماسية الفكرية بوصفها إطارًا معاصرًا لوصف مهارة نقل الفكرة من صاحبها إلى المجتمع ، دون أن تصبح طريقة تقديمها حاجزًا أمام مضمونها ؛ فهي ليست إخفاءً للحقيقة ، ولا تنازلًا عنها لإرضاء الآخرين ، ولا تحويلًا للنقد إلى مجاملة ، بل هي القدرة على اختيار اللغة والوسيلة اللتين تمنحان الفكرة فرصة لأن تُسمع وتُناقش .

ولعل الفرنسي تاليران كان من أبرع من جسّد هذا الفن ؛ إذ كان يستطيع أن يوجّه إلى خصمه نقدًا بالغ القسوة في عبارة هادئة ، حتى يبدو الهدوء نفسه جزءًا من السخرية ، وكذلك عُرف هنري كيسنجر بتوظيف الدعابة والعبارة المواربة في المواقف الصعبة ، فيمرر رسالة ثقيلة دون أن يحوّلها إلى مواجهة مباشرة ، وهنا تكمن الدبلوماسية الفكرية : أن تبلغ الحقيقة ، دون أن تخسرها في طريق إيصالها .

قد تكون الحجة هي الطريق ، وقد يكون السؤال أبلغ ، وقد تفتح القصة بابًا أغلقه الخطاب المباشر ، وقد تكشف السخرية تناقضًا كان سيقاوم الاتهام الصريح ، يمكن أن تكون صلبًا في المبدأ ، مرنًا في اللغة ، فحين يشعر الإنسان بأنه مستهدف ، ينشغل بالدفاع عن نفسه قبل أن ينصت إلى الحجة ، أما حين تتاح له مساحة ليرى ويسأل ويكتشف ، فإن الفكرة تحصل على فرصة لأن تدخل الحوار بدل أن تبقى خارجه ، فحين تنتقل الفكرة من عقل صاحبها إلى مؤسسة أو مجتمع ، فإنها تدخل إلى مساحة من المصالح والحساسيات والرموز ، ولهذا قد تفشل فكرة صحيحة لأن صياغتها دفعت الآخرين إلى الدفاع عن أنفسهم بدل التفكير في مضمونها .

يمكن أن تنتقد مؤسسة دون أن تجعل كل من يعمل فيها يشعر بأنه متهم ، وأن تكشف خللًا دون أن تجعل الاعتراف به يبدو هزيمة ، وأن تطالب بالإصلاح دون أن تبدأ الحوار بإدانة الماضي كله ، وليست هذه مجاملة سياسية ، بل معرفة بطبيعة البشر والمؤسسات ، فاللغة لا تزيّن الفكرة فحسب ؛ إنها تحدد أحيانًا ما إذا كانت ستصل أصلًا ، فالطريق الذي تسلكه الفكرة ، لا تحتاج كل حقيقة إلى مطرقة ، بعض الحقائق تحتاج إلى تحليل هادئ ، وبعضها إلى قصة ، وبعضها إلى سؤال بسيط يكشف تناقضًا مختبئًا خلف الكلمات .

والمفكر الذي يريد أن يُسمع لا يكفيه أن يعرف ما يقول ؛ عليه أن يعرف أيضًا من يخاطب ، وما الذي قد يمنعه من الاستماع .

وربما تعود النملة هنا لتقدم المفارقة الأخيرة.

فهي لا تحتاج إلى خطب طويلة كي تنظم مستعمرتها ، ولا إلى معارك لغوية كي توصل الإشارة ، ولا إلى اجتماعات مطولة كي تعرف أن البقاء يحتاج إلى التعاون ، أما الإنسان ، فقد منحته اللغة ، ثم بالغ في استخدامها حتى صار يحتاج أحيانًا إلى صفحات كاملة كي يقول ما كان يمكن أن تقوله إشارة واحدة .

لكن الإنسان لا يريد فقط أن يُسمع ؛ إنه يريد أن يُفهَم .

وهنا تكمن المسافة الدقيقة بين الكلام والتأثير : أن تمتلك ما يستحق أن يُقال ، وأن تعرف كيف تترك له طريقًا يصل عبره .

فربما لا تكون الحكمة في أن نخفض صوت الحقيقة ، ولا في أن نرفع صوتنا فوق الآخرين ، بل في أن نجد للحقيقة لغةً لا تغلق الباب الذي جاءت لتفتحه … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…


المزيد.....




- سفن الشحن كانت تستقبل السياح.. لماذا أصبحت هذه التجربة نادرة ...
- -ضحكة البيت-... الملكة رانيا تهنئ الأميرة سلمى بعيد ميلادها ...
- رئيس وزراء قطر لـCNN: تقدم إيجابي في المحادثات غير المباشرة ...
- من المتضرر الأكبر من أزمة مضيق هرمز.. إيران أم أمريكا؟ رئيس ...
- مقتل ما لا يقل عن شخصين في انفجار مبنى قريب من الأكروبوليس ف ...
- القلب الاصطناعي الدائم.. ما مدى اقترابنا من تحقيق الحلم؟
- نجاح طبي وإنقاذ حياة شاب يفتح ملف التبرع بالجلد في مصر
- البرلمان الألماني يناقش التبرع بالأعضاء .. الجسد -ملكية جماع ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير 3 بلدات جديدة شرق وشمال أوكرانيا
- بوتين يبحث مع فوتشيتش العلاقات الروسية الصربية وأزمة أوكراني ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من باب السلطة دون أن تُطرد منه؟ ..