أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إشكالية القيادة …















المزيد.....

سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إشكالية القيادة …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 20:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ لا شيء يُغيّر وعي المرء بالعالم مثل المعرفة العميقة ، فالعلم ، حين يتجاوز كونه رصيداً من المعلومات إلى أن يصبح عدسةً للرؤية ، يُحدث قطيعة مع نزعة الإنكار السريع ، تلك النزعة التىّ تغذي الانغلاق وتُعمي عن رؤية التعقيد ، من هنا تأتي المقولة المأثورة : "من كثُر علمُه انخفض إنكارُه" ، للإمام ابن تيمية ، فهي ليست وصفاً لحالة نفسية فحسب ، بل هي قانون وجودي : كلما اتسعت مدارك الإنسان ، أدرك أن الحقيقة متعددة الأوجه ، وأن الآخر ليس خطأً يحتاج إلى تصحيح ، بل اختلافاً يحتاج إلى فهم ، فالعلم الحقيقي يفضي إلى التواضع ، وهذا التواضع يبدأ من تأمل أصلنا المشترك : بالفعل التراب ؛ غير أن هذا التراب ليس متجانساً ؛ ففيه الطيني والرملي والسبخي ، وفيه الخصب والعقم ، وفيه ما يصلح للزراعة بلا عناء ، وما لا يصلح إلا بعد معالجات كيماوية دقيقة ، وهذا التشبيه ، وإن كان مادياً ، ينطبق على النفوس البشرية : فالناس معادن ، منهم الذهبي والفضي والنحاسي ، ومنهم من يبقي جوهره خاماً يحتاج إلى صقل ، والأخلاق ، إذاً ، ليست وليدة الاختيار المحض ، بل هي صدى لتركيبة وجودية سابقة ، وهو ما أشار إليه القرآن في محكم آيه : "وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا" ، فالأرض الخبيثة لا تنتج إلا شوكاً ، والنفس الخبيثة لا تصدر إلا أذى ، لكن الحكمة تكمن في إدراك هذا التنوع ، لا في محاربته ، وهذا الإدراك هو ثمرة العلم الناضج .

لكن العلم وحده لا يكفي ؛ فهو بحاجة إلى آليةٍ يعمل بها ، وهذه الآلية هي العقل ، غير أن العقل لا يُحدث تأثيراً إلا حين يتحد بموضوعه ، أي بالمعقول ، حين نُدرك مفهوماً مجرداً ، كالإنسانية مثلاً ، فإن هذا المفهوم لا يبقى غريباً عنا ، بل يحلّ في وعينا ، فيُصبح جزءاً من تكويننا الذهني والوجودي ، بعبارة أدق : العاقل يدرك المعقول ، والمعقول حين يُعقَل يُوجَد في العقل ، فيكون اتحاد العاقل بالمعقول في مقام التعقل ، هذا الاتحاد هو الذي يرفع الإنسان من مرتبة الاستهلاك السلبي للمعلومات إلى مرتبة الإنتاج الفكري والأخلاقي ، لكن هذا الاتحاد ، بدوره ، يفتح أبواباً من الأسئلة القديمة المتجددة ، وأكثرها إلحاحاً : هل يصح لهذا العقل المتحد بمعقولاته أن يُطبق على جميع الكائنات البشرية دون تمييز ، أم أن هناك تكوينات خاصة تستعصي على هذا التجريد؟ ، هذا السؤال يقودنا حتماً إلى إشكالية ظلت تؤرق الفكر الإسلامي منذ عصوره الذهبية : هل تصلح المرأة -تكوينياً- لتولي موقع القيادة الدينية العليا ، كالإمامة الكبرى ، أو الاجتهاد المطلق ، أو القضاء؟ ، التاريخ يشهد بنماذج نسائية فذّة ، كالسيدة عائشة رضي اللهِ عنها التىّ كانت مرجعاً للصحابة في الفتوى والتفسير ، لكنها مع ذلك ظلت استثناءً ، لا قاعدة ، فلم تكن العلاقة بين الرجل والمرأة ، في سياقها التاريخي ، علاقة تكامل بقدر ما كانت علاقة هيمنة وتهميش ، حتى في أحسن صورها ، حيث أهملت التكوينية الخاصة بكل طرف ، أو بتعبير أدق ، فُرضت قراءة ذكورية لهذه التكوينية .

من جهةٍ أخرى ، نجد موقفاً استثنائياً لابن عربي ، الذي أجاز إمامة المرأة للرجال ، ليس انطلاقاً من نصوص تأسيسية ، بل من عدم وجود مانع شرعي قاطع ، لكن هذا الموقف يبقى معزولاً ، إذ يُصارع تياراً سائداً يرى في الإمامة امتداداً للنبوة ، والنبوة -كما هو معلوم- كانت حكراً على الرجال ، لكن هل إمامة الصلاة هي ذاتها الإمامة الكبرى؟ وهل الالتزام بالطاعات والمباحات كافٍ لجعل المرأة جديرة بهذا الموقع ، أم أن ثمة شرطاً تكوينياً آخر؟ ، هنا يقدّم ابن عربي رؤية كوزمولوجية : الكون قائم على زوجية الفاعل والمنفعل ، المعطي والمستقبل ، وهذه الثنائية لا تعني تفوقاً لأحد الطرفين ، بل تعني تكاملاً ضرورياً ، وكما لا يحدث الإنجاب إلا باجتماع الرجل والمرأة ، لا يكتمل الوجود إلا بتعاون الأضداد وتكاملها ، وبهذا المنطق ، فإن استبعاد المرأة من القيادة الدينية ليس أمراً تكوينياً حقيقياً ، لكنها استثنيت من النبوة ، بل هو نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية تحتاج إلى مراجعة ، طالما كانت السيدة عايشة وغيرها في مجالات متعددة حاضرات بقوة ، تماماً كما تحتاج التربة المالحة إلى معالجة كيماوية حتى تُصبح صالحة للزرع .

وهنا يستدعي السياق الأدبي المعاصر رواية تولستوي "آنا كارنينا"، التىّ تبدأ بعبارتها الشهيرة : "كل العائلات السعيدة متشابهة ، وكل عائلة تعيسة تعيسة على طريقتها الخاصة" ، لكن ما الذي تفعله هذه المقولة في سياقنا السياسي والفلسفي؟، فتولستوي لا يصف هنا التعاسة ، بل يُؤسس لفكرة أن السعادة ، كونها حالة من التوافق الداخلي والخارجي ، تكون نمطية ومتكررة ، بينما التعاسة تولد من التناقض بين التكوين الداخلي للفرد والظروف الخارجية المفروضة عليه ، وشخصية آنا نفسها تجسّد هذه المعضلة : امرأة تمتلك وعياً وعاطفة متقدين ، لكنها توجد في مجتمع يفرض عليها قيوداً أخلاقية وقانونية لا تتناسب مع تكوينها النفسي ، وهو ما اشار له ابن عربي حوّل علاقة الانثى بالنفسية والعقلية بالرجل ، هي ، بمعنى ما، "تربة خصبة" لكنها وُضعت في بيئة غير مناسبة ، فكان أن نبت منها المأساة ، هذا التشابه بين آنا والمرأة في السياق الإسلامي يلفت النظر : فكلاهما يُعاني من فجوة بين إمكاناته الذاتية والتوقعات الاجتماعية ، فلو أن مجتمع آنا كان أكثر تفهماً لتعقيدات النفس البشرية ، لربما انتهت قصتها بشكل مختلف ، وكذلك ، لو أن قراءتنا للنصوص الدينية كانت أكثر مرونة واستيعاباً للمتغيرات التكوينية ، لكان موقع المرأة في القيادة الدينية أكثر وضوحاً وتقبلاً .

إذنً الخلاصة ، فإن الحكمة ، في نهاية المطاف ، ليست امتلاك الأجوبة ، بل القدرة على تحمّل الأسئلة ، والعلم العميق يعلّمنا أن ننظر إلى الآخر ، سواء كان رجلاً أو امرأة ، كاختلاف يحتاج إلى فَهم ، لا كتهديد يحتاج إلى إنكار وكما يحتاج التراب الخصب إلى ماء ، وتحتاج النفس إلى عقل ، وتحتاج القيادة إلى تكامل ، فإن المجتمعات بحاجة إلى إعادة قراءة تراثها بعيون معاصرة ، تُدرك أن الثنائيات (ذكر / أنثى، عاقل/معقول، خصب / سبخ ) ليست صراعاً ، بل شراكة في إنتاج الوجود .

في النهاية ، يظل السؤال مفتوحاً ، كما تظل آنا كارنينا رمزاً للمأساة التىّ تولد من إكراه الذات على قوالب لا تناسبها ، ولعل طريق الحكمة أن نتعلم من العلم ألا نُنكر ، ومن الأدب ألا نستعجل ، ومن الدين أن نبحث عن التكامل لا الاستئثار ، فالحقيقة ، كالتراب ، لا تُستنفد بمعرفة نوع واحد ، بل بفهم تنوعها الغني والمدهش… والسلام🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...
- سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً & ...
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...


المزيد.....




- شاهد.. مشتبه به يخترق جدار منزل بسيارة شرطة مسروقة
- إسرائيل تعلن تدمير بنية تحتية لحزب الله جنوب لبنان.. وهيئة أ ...
- -عرض عسكري حوثي بعد السيطرة على مدينة المخا-.. ما حقيقة الفي ...
- حصري لـCNN.. أمريكا توسع نطاق دعمها الاستخباراتي وتحديد الأه ...
- المغرب.. انطلاق حملة الانتخابات التشريعية بمشاركة 27 حزبا
- الجزائر والإمارات إلى القطيعة الدبلوماسية.. مسار خلافات تراك ...
- الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن محافظة خميس مشيط وم ...
- كيف ترى -صومالي لاند- التعاون المستقبلي مع إسرائيل؟ وما موقف ...
- ألمانيا.. النيابة الاتحادية تحقق في أعمال تخريبية طالت خطوط ...
- مصر تحدد هدفين إثيوبيين محظورين: لن نسمح لها بتحقيقهما


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إشكالية القيادة …