أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة📕في تناقضات الوعي الجمعي مستلهمة من -دون كيشوت- لثيربانتس …















المزيد.....

طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة📕في تناقضات الوعي الجمعي مستلهمة من -دون كيشوت- لثيربانتس …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ تمهيد : في وهم الفروسية المعاصرة ، "قد ينكر الكثيرون أن الاستحمار ليس فناً عميقاً ، فالغريب أن الاستحمار يحتاج إلى تعلم طويل ، عكس الفطنة التىّ تتطلب يقظة ووعياً كبيرين " ، تلك الجملة ، التىّ تصلح مدخلاً لأنثروبولوجيا سياسية نادرة ، تضعنا أمام مفارقة جوهرية : فالوعي ليس نتاجاً تلقائياً للمعرفة ، بل هو نتاج صراع دائم مع المعرفة ذاتها ، فبينما تظن الجماهير أن التعلّم كافٍ للتحرر ، حيث يخبرنا التاريخ أن أكثر المجتمعات تحصيلاً للشهادات قد تكون أكثرها استسلاماً للخطاب الجاهز ، وأكثرها غرقاً في "استحمار حداثي" يرتدي ثياب التقدم ، كما أرتدى " دون كيشوت " درعاً صدئاً ليحارب طواحين الهواء ، ظاناً أنها عمالقة ، وفي رواية ميغيل دي ثيربانتس (1605)، لا يعدو الفارس الهائم أن يكون نموذجاً سامياً للوعي المُسْتَحْمَر : فهو ليس جاهلاً ، بل على العكس ، هو قارئ نهم ، لكن قراءته للعالم كانت عبر عدسات مشوهة ، جعلته يرى في التفاصيل اليومية ملاحم كبرى ، وفي الخراف حقائق مطلقة ، وهكذا يفعل الاستحمار الحداثي بأصحابه : يعبئ العقول بالمعرفة ، لكنه يسلب القدرة على نقد تلك المعرفة ، فيتحول المتعلم إلى متفرج ، والناقد إلى مهرج ، والمثقف إلى دون كيشوت جديد .

نمضي إلى أبعد من ذلك ، وفي رحلة تأريخية للدلالات ، نذّكر بقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمقولته الشهيرة : "البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةَ"، ثم نعرج على العرف الجاهلي حيث كان "مَسْحُ البطن" يُعتبر فطنة ، لأن الكرش كان يعتبر تشبّه بالمرأة الحامل ، وهو ما كان يمثل انتقاصاً من رجولة الرجل وفاعليته ، لكن السؤال الذي يطرحه النص بقوة : كيف تحول ذلك "العار" إلى "وسام"؟ كيف صار الكرش في ثقافتنا المعاصرة رمزاً للهيبة والجاه والثراء ، وكيف تردد الأمثال الشعبية الساخرة : "الرجل بلا كرش كالبيت بلا عفش"؟ ، هذا الانقلاب الدلالي ليس مجرد تحول في الأذواق ، بل هو مؤشر على تحول في أنظمة القيم ذاتها ، فالمجتمع الذي كان يقيس الرجل بفطنته وحركته ، صار يقيسه بثباته وامتلائه ، أي بقدرته على الاستهلاك لا على الإنتاج ، وبقدرته على الركون لا على الحركة ، وهنا يكمن جوهر الاستحمار السياسي : عندما تُقدّس السكونية ، وتُصبح الفاعلية مهددة ، فإن الشعوب تصبح قابلة للقيادة بسهولة ، لأنها لم تعد تبحث عن الحقيقة ، بل عن المزيد من الطعام والاطمئنان ، ثم أن معادلة لافتة تشير : "ليس كل ذكي فطناً ، لكن كل فطن ذكي" ، وهي معادلة تخلق فجوة معرفية بين القدرة على التكيف (الذكاء) والقدرة على النقد (الفطنة) ، فالذكي قد يكون بارعاً في حل المشكلات داخل النظام القائم ، لكن الفطن هو من يستطيع رؤية النظام نفسه كإشكالية ، وهذا هو الفرق بين المتعلم والواعي : فالمتعلم يقبل المعرفة الجاهزة ، بينما الواعي يصنع أدواته لتفكيكها ، وهنا نعود إلى دون كيشوت : لقد كان ذكياً في تفاصيله ، لكنه كان أفْقَدَ الفطنة في كليّاته ، لقد كان يتقن قواعد الفروسية ، لكنه كان عاجزاً عن قراءة عصره ، وكذلك مجتمعاتنا اليوم ، تغرق في استهلاك الخطابات الإعلامية والسياسية المعلبة ، وتظن أنها تمارس حرية الرأي ، بينما هي تمارس فقط "ثرثرة مشروعة" ضمن حدود مسموحة ، بل "فاعلو البرامج التلفزيونية في الأغلب لا يصنعون وعياً ، بل يعززون الثرثرة والحكايات الفارغة والتفاهات ، لدرجة أنهم يبعدون الناس عن معارف تؤدي إلى الحقائق " .

ربما تكون أكثر فقرات النص إثارة للدهشة هي المقارنة بين الاستحمار والقمع ، حيث يرى أن الاستحمار أخطر بكثير من القمع ، لأن القمع يمنح المقموع وعياً بقيده ، فيولد لديه الرغبة في التحرر ، بينما الاستحمار يمنح المستحمر وهم الحرية ، فيظن نفسه طليقاً وهو معلق في شبكة من الأوهام ، وهذا ما يفسر لماذا الشعوب المستعبدة ثقافياً قد تكون أكثر استقراراً من الشعوب المقموعة سياسياً ، لأن الأول يرى نفسه في نعيم ، بينما الثاني يرى نفسه في سجن ، وهنا تبرز خطورة ما يسمى "الاستحمار الحداثي" الذي يتفوق في خطورته على الاستحمار البدائي ، لأن الأول يأتي معبأً في قوالب رفاهية : إعلام ناعم ، استهلاك مفرط ، فراغ معرفي ، وشعور زائف بالمشاركة ، وفي المقابل ، كان الاستحمار البدائي أكثر خشونة ، لذا كان أقل خداعاً ، إن الاستحمار الحداثي ، كما يصوره الواقع ، هو " دون كيشوت " الذي لا يكتفي بمحاربة الطواحين ، بل يبني حولها نظرية فلسفية تبرر هجومه ، ويجعل أتباعه يرددون : "نحن أحراراً ، ونحن نعلم".

بل إذا انتقل المرء من الوصف إلى التشخيص ، فيقرّ بأن الاستحمار قد حوّل الدين من منقذ من الهلاك إلى كبسولات تخديرية ، أي من خطاب تحرري ثوري إلى أداة تهدئة وتبريد ، وهذه ليست مجرد قراءة لاهوتية ، بل قراءة سياسية عميقة ، لأنها تشير إلى كيف يمكن للأدوات الأكثر قدسية أن تُسخّر لخدمة الاستقرار الوهمي ، ثم ينتقل إلى الإعلام ، لكي يؤدي الدور نفسه ، لكن بثوب حداثي : فهو لا يقدم وعياً ، بل يقدم جرعات يومية من الانشغال الزائف ، تجعل المواطن مشغولاً بالتفاهات ، بعيداً عن الحقائق الكبر ، وهنا يكمن الفخ الأكثر دهاءً : أن يعتقد الفرد أنه بمجرد قراءة الخبر أو مشاهدة التحليل أو سماع الرأي ، فإنه قد تحرك خارج "نطاق ما صُنع مسبقاً" ، لكن الحقيقة ، بأن هذا مجرد وهم ، لأن كل هذه المدخلات صُنعت خصيصاً لتبقيه داخل الدائرة ذاتها.

في النهاية ، يطرح النص سؤالاً وجودياً على القارئ : كيف الخروج من دائرة الاستحمار دون الدخول في دائرة القمع ؟ كيف يمكن امتلاك الفطنة دون أن يكون المجتمع ثائرين هدامين ، وواعين دون أن يكون متشائمين؟ ، ربما يكون الجسر هو النقد الذاتي المؤسسي ، أي تحويل الفطنة من صفة فردية إلى ممارسة جمعية ، بحيث تصبح المجتمعات قادرة على مراجعة مسلماتها ، وتهشيم كروشها الرمزية ، واستبدالها بعقول ناقدة ، فإن دون كيشوت مات عاقلاً في نهاية الرواية ، بعد أن تخلى عن وهمه ، لكن مجتمعاتنا لا تزال تحارب طواحينها ، ظانة أنها تحرر وطناً ، والفارق بين الرجلين ، أن " دون كيشوت " كان وحيداً ، بينما الاستحمار بات جماعة ، وكلما كبرت الجماعة في وهمها ، صار الخروج منه أصعب ، لكنه ليس مستحيلاً .

فالفطنة ، ليست هبة ، بل هي جهد متواصل في عدم الاستغراق في التقاليد ، حتى لو كانت تلك التقاليد تدعى "حداثة"، وعدم السكون أمام المسلمات ، حتى لو كانت تلك المسلمات تدعى "علماً"… والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...
- سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً & ...
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...


المزيد.....




- ماذا تغير في وضع الأمير هاري وميغان ضمن أفراد العائلة المالك ...
- لصان يسرقان 4 لوحات من متحف في فرنسا ويفقدان اثنتين أثناء ال ...
- بيسكوف: مشاركة الثلاثي الأوروبي المتعطش لإطالة النزاع تعقد م ...
- مقتل قائد في الباسيج بهجوم في مدينة راسك جنوب شرقي إيران
- لافروف لبن فرحان: روسيا تسعى بصدق للمساعدة في تهدئة الأوضاع ...
- مصر.. أقوى مقاتلة شبحية روسية تقدم عرضا مثيرا أمام السيسي
- حاملة الطائرات الأمريكية -يو إس إس أبراهام لينكولن- تتآكل من ...
- العداء لأوكرانيا يتصاعد في بولندا إلى حد العنف
- رئيس فيتنام يضع إكليلا من الزهور على ضريح الجندي المجهول عن ...
- بوتين: تنوع لغات وتقاليد شعوب روسيا ثروة حقيقية للبلاد


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة📕في تناقضات الوعي الجمعي مستلهمة من -دون كيشوت- لثيربانتس …