أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مروان صباح - لا تنسوا حذائي ..















المزيد.....

لا تنسوا حذائي ..


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 23:50
المحور: قضايا ثقافية
    


/ هناك شيءٌ فطريّ في الإنسان ،
شيءٌ يولد معه قبل أن يتعلّم كيف يكون عاقلًا .

شيءٌ يجعله يفضّل الشارع على المدرسة ،
والتراب على الدفاتر ،
ومطاردة الكرة على مطاردة الأحلام ،
والنوم حين يكون عليه أن يستيقظ ،
والسهر حين يكون الليل قد قال كلمته الأخيرة .

نولد ونحن نعرف كيف نعيش ،
ثم يقضي العمر كلّه في تعليمنا كيف ينبغي أن نعيش .

يا لها من مفارقة !

نقضي طفولتنا ونحن نتمنى أن نكبر ،
وحين نكبر نقضي بقية حياتنا ونحن نحاول سرًا أن نعود .

ولهذا ، ربما ، نحبّ الموتى أكثر من الأحياء لدرجة العبادة .

الموتى لا يطلبون منا أن نتغيّر ، لا يسألوننا لماذا تأخرنا ،
ولا أين ذهب العمر ،
ولا ماذا فعلنا بالأيام التىّ أقسمنا أنها ستكون أجمل .

الميت صديقٌ مثالي ؛
صامتٌ إلى الأبد ،
لا يغار منك ،
لا ينافسك ،
لا ينجح أمامك ،
ولا يذكّرك بفشلك .

أما الأحياء …
فهم مرآة ،

وما أقسى أن يعيش الإنسان بين المرايا .

ثم نكبر ،

وهذه هي الخديعة الكبرى ،

نكتشف فجأة أن الطفولة لم تكن مرحلةً عبرنا منها ،
بل كانت وطنًا غادرناه دون جواز سفر ،
ثم أمضينا أعمارنا كلها نحاول العودة إليه بجوازاتٍ مزوّرة .

نجلس في الليل وحدنا ،
حين يسكت العالم ،
ونسمع طفلًا في مكانٍ ما داخلنا يبكي .

لا نعرف اسمه ،
ولا نعرف منذ متى وهو هناك ،

لكننا نعرف صوته ،

فنبدأ بالبحث عن امرأة ،

لا لأننا نريد امرأة فقط ،
بل لأننا نريد ، دون أن نعترف ، أن تعيدنا إلى أمهاتنا ،

نريد صدرًا نضع عليه رؤوسنا دون أن نضطر إلى شرح شيء ،

نريد أن نبكي دون أن يسألنا أحد : لماذا ؟

نريد حضنًا لا يطالبنا بأن نكون رجالًا ،

نريد ، ولو لساعة ،
أن نتخلى عن هذا العبء الثقيل المسمى : أنا بخير .

فالطفل لم يكن يقول : أنا بخير ،

كان يبكي فقط ،

وكان بكاؤه شعرًا بدائيًا ،
قصيدةً لا تحتاج إلى قافية ،
ولا يفهم معناها سوى امرأة واحدة ،

أمه .

ثم يكبر الطفل ،

يتعلم الكلام والتعبير ،
لكنه يفقد القدرة على قول الحقيقة ،

فيحب .

وحين يحب ، يكتب ،

يكتب لحبيبته رسائل طويلة ،
ويقول لها : أحب عينيك ،
وأحب صوتك ،
وأحب يديك ،
وأحب هذا المساء حين تكونين فيه …

لكنه لا يقول الحقيقة ،

لا يقول :

أنا أحبك لأنني أشعر بالقرب منك من طفلٍ فقد طريقه إلى البيت ،

لا يقول :

أريد أن أنام بجانبك لا كرجلٍ يحب امرأة ، بل كطفلٍ تعب من العالم ،

لا يقول :

حين أضع رأسي على صدرك ، لا أبحث عنك وحدك .

ثم ، ذات ليلة ،
يكتشف الحقيقة التىّ كان يخاف منها :

أنه يقارن ،

يقارن بين صدرٍ كان وطنه الأول ،
وصدرٍ يحاول أن يكون وطنه الأخير وصدر وطناً كاملاً .

وهنا تبدأ المأساة ،

لأن الإنسان لا يبحث عن الحب فقط ،

إنه يبحث عن المكان الذي لا يحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسه ،

عن مكانٍ يستطيع أن يخلع فيه اسمه ،
وعمره ،
وهزائمه ،
ويجلس عاريًا من كل شيء
دون أن يخجل ،

ولهذا يقول كل رجل مهما على كعبه :

أعيدوني إلى طفولتي.

لكن …

لا تعيدوني إليها كاملة .

أعيدوا إليّ حذائي فقط ،

ذلك الحذاء الصغير الذي اتّسخ بالتراب ،
ثم نسيته في مكانٍ ما من الطريق ،

أريد أن أعرف أين تركته ،

أريد أن أعرف في أي يومٍ تحديدًا
بدأت أعتذر عن التراب ،

في أي يومٍ أقنعوني أن اللعب مضيعة للوقت ،
وأن الضحك بلا سببٍ عيب ،
وأن البكاء ضعف ،
وأن الرجل يجب أن يعرف دائمًا إلى أين يذهب ،
حتى لو كان لا يعرف إلى أين تذهب روحه .

أعيدوا إليّ أيامي .

ليس كلها ،

فبعضها لا أريده ،

أعيدوا فقط تلك الأيام التىّ أهدرتها في الأحلام .

تلك التىّ جلست فيها طويلًا أتخيل حياةً أخرى ،
ثم استيقظت ولم أفعل شيئًا ،

أعيدوا لي الأحلام التىّ ماتت لأنني كنت جبانًا بما يكفي لأحلم ،
وجبانًا بما يكفي أيضًا ألا أحاول ،

واجمعوا مخاوفي ،

لا تتركوها مبعثرةً في زوايا ذاكرتي ،

اجمعوا الخوف من كل شخصٍ أخافني ،
من كل مسدساً رفعَّ في وجهي ،
من كل حدود أُغلقت الطريق أمام طموحاتي ،
من كل مرةٍ قيل لي فيها : لا .

اجمعوا تلك الكلمات كلها ،

فربما اكتشفت يومًا
أنني لم أفشل وحدي ،

كان معي جيشٌ كامل من الأصوات
يقول لي كل صباح :

لن تستطيع العبور ،

ثم صدّقتهم ،

واجمعوا قمصاني ،

كل قميصٍ ارتديته في يومٍ ظننته عاديًا ،
ولم أكن أعرف أنه لن يتكرر ،

اجمعوها كلها ،

ثم خيطوا منها علمًا .

ليس لوطنٍ على الخريطة ،

بل لوطنٍ لا يعرفه أحد ،

وطن اسمه :

أنا مروان …

أنا بكل ما حدث لي ،
وبكل ما لم يحدث ،
بكل من أحببتهم ،
وبكل من فقدتهم ،
بكل الطرق التىّ سلكتها ،
وبكل الطرق التىّ خفت أن أسلكها .

ثم اجمعوا الكلمات ،

كل كلمةٍ قلتها لنفسي ولم أقلها لأحد ،

كل اعترافٍ بقي عالقًا في الحلق ،

كل “أحبك” خفت أن أقولها ،

كل “صفحاً ” وصل متأخرً ،

كل “أنا خائف” أخفيتها تحت كلمة : أنا بخير ،

كل الأشياء التىّ كان يمكن أن تغيّر حياتي لو أنني امتلكت الشجاعة لأقولها بصوتٍ مرتفع ،

اجمعوها كلها ،

لا تحرقوها ،

لا تدفنوها ،

ضعوها أمامي ،

أريد أن أرى حجم الصمت الذي عشته ،

أريد أن أعرف كم من إنسانٍ كان يمكن أن أكونه
لو أنني لم أتردد ،

وإذا انتهى بي الأمر إلى القبر بسبب انتهاء العمر ،
فلا بأس ،

فالقبر ليس عقوبة ،

القبر موعد قادم لا محالة ،

وهو ، على عكس البشر،
لا يتأخر عن موعده ،

إنه ينتظر الجميع لا أحد مفلت منه ،

ينتظر بصبرٍ لا يملكه أحد .

لكن قبل أن يصل إليه المرء …

عليه قول شيء واحد ،

لا تعيدون لنا شبابنا ،

لا خسراتنا ،

لا من فقدناهم ،

لا تصلحوا ما انكسر ،

ولا تجبروا لنا اعمار إضافية ،

فقط …

خذونا إلى المكان الذي كنا فيه أطفالاً .

اوضعونا على صدر امراة قليلًا أو كثيراً .

دعونا نرى انفسنا ونحن نركض في الشارع ووراء كرة قدم ، وأحذيتنا متّسخة بالتراب ،
وثيابنا تحمل آثار النهار ،
وجميلاتنا تنادينا من بعيد .

دعونا نسمعهم مرةً أخرى ،

دعونا نركض نحوهم ،

دعونا نصل إليهم قبل أن يكبر الطفل مرة اخرى ،

قبل أن يتعلم الخوف ،

قبل أن يتعلم الصمت ،

قبل أن يتعلم كيف يخسر الناس ،

وقبل أن يعرف أن هناك قبرًا ينتظره ،

ثم…

حين نصل إليهم ،

اتركونا .

لا توقظونا .

فربما ، للمرة الأولى منذ ولدتنا ،
نكون قد وصلنا إلى المكان الذي كنا نبحث عنه طوال حياتنا .

لا امرأة .

ولا وطنًا .

ولا مجدًا .

ولا نجاة .

فقط …

صدرٌ صغيرٌ قادر على رجلاً واجه العالم كله بمفرده ، وطفلٌ لم يكن يعرف بعد
أن العالم سيطلب منه يومًا -
أن يصبح رجلًا … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...
- نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من ...
- حين تسقط الأقنعة 😷…
- من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد ...
- العلمانية:حين تراجعت سلطة الكنيسة🏫ولم يتراجع الدين …
- حين يتكلم الموتى:من القلم🖊إلى الكاميرا… من يملك ذاكر ...
- سوريا بين قوقعة الأقليات ووحدة 🤝الوطن …
- محمود درويش:من خبز🥖الأم إلى أزمة الإنسان المعاصر …
- غادي أيزنكوت.. من ساحة الحرب إلى كرسي💺🗳رئاسة ...
- مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ - من عتاب أمية بن ...
- الرجل النبيل في موسكو🇷🇺 …والرجل الذي ترتدي ا ...
- سلمان منصور.. وداعاً لمن حمل أثقالنا -حين يصبح الجمل وطناً & ...
- الانتخابات النصفية الأمريكية 🇺🇸 : صراع التيا ...
- المعرفة والسلطة:حين يصبح الفهم عبئاً🤔على الإنسان…
- من الروح إلى المادة - رحلة الإنسان بين عالم الفكرة وواقع الح ...
- من تحالف مكة🕋إلى تحالف هرمز : الشرق الأوسط أمام إعاد ...
- في🌵الكتب: من المكتبة📚إلى المنفى الداخلي للإن ...
- الشِّعر والحقيقة:أبو العلاء المعرّي وسؤال🙋العقل في م ...
- من سماء سوريا إلى مياه النيل 💦:معركة إعادة تشكيل موا ...
- حين تتوقف الخيول🐎عن الركض - الشجاعة بين العقل والقيا ...


المزيد.....




- ساكسونيا-أنهالت: حزب البديل يحقق فوزا كبيرا في انتخابات حاسم ...
- إيران تعلن إقامة -منطقة محظورة- قرب مضيق هرمز وتهدد السفن بع ...
- بعد 31 مليون اختبار.. قميص مصمم لخداع أنظمة المراقبة الذكية ...
- اليابان.. عرض موسيقي لغزال في أحد أنفاق مدينة نارا
- الصين.. تصادم عنيف يشعل سيارة خلال سباق -China GT-
- اختبار التوازنات بالقاهرة.. هل تنجح الدبلوماسية العربية في ت ...
- خطوة إيرانية لكسر الحصار الأمريكي بفرض منطقة بحرية محظورة تش ...
- دميترييف: انتخابات ساكسونيا-أنهالت تُلحق هزيمة مذلة بميرتس
- إسرائيل تحتفي بجزيرة أخرى في الهادي تفتتح سفارة بالقدس
- واشنطن ومناورات -حافة الحرية-.. بين ترضية سول وترويض بيونغ ي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مروان صباح - لا تنسوا حذائي ..