|
|
حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف😨،والخيانة، وجنون العظمة …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 14:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ هناك شعوب ورثت الذهب ، وأخرى ورثت الإمبراطوريات ، وثالثة ورثت العلم والتكنولوجيا ، أما نحن العرب فيبدو أننا ورثنا شيئًا أكثر غرابة : تاريخًا عظيمًا ، وحاضرًا يحتاج كل صباح إلى من يشرح لنا أين ذهب ذلك التاريخ ، منذ ولدت وأنا أراقب أننا جائعون فوق حقول الآخرين ؛ الأرض عند غيرنا ، والتكنولوجيا عند غيرنا ، والأقمار الصناعية في سماء غيرنا ، بينما نملك نحن من الخطب الوطنية ما يكفي لإطعام امة في القبور ، في المدرسة كنا نقف أمام أعلامنا مرفوعي الرؤوس ، نحفظ الأناشيد ونتعلم أن الوطن فوق الجميع ، ثم كبرنا ، فرأينا بعض الذين علمونا معنى السيادة يقفون منكسرين أمام سفارات الدول الكبرى يبحثون عن الهجرة ، وفي الطائرات ، حين كنا نعبر السماء ، كنا نرى عالمًا يتحرك بسرعة هائلة : طائرات ، أقمارًا صناعية ، جامعات ، مصانع ومراكز أبحاث ، فنطرح السؤال الذي لا تجيب عنه الخطب :
أين نحن؟
ليس السؤال عن الجغرافيا ؛ فنحن نعرف موقعنا على الخريطة ، السؤال عن الوزن : كم نزن في هذا العالم؟ ، ومن هنا يبدأ الخوف ، فالإنسان الذي يشعر طويلًا بأنه بلا وزن ، قد يبحث عن وزن بديل ؛ في المال ، أو السلطة ، أو القبيلة ، أو السلاح ، أو حتى في وهم أنه أعظم من الآخرين ، ومن الجرح الشخصي يمكن أن تولد النرجسية ، ومن النرجسية يمكن أن ينشأ جنون العظمة ، وحين تمتلك هذه النفس نفوذاً بلا محاسبة ، يتحول الخوف من الداخل إلى نهجاً في الخارج ، ربما علينا أن نعود إلى البداية ، فلم يكن الإنسان الأول بحاجة دور العبادة والأكاديميات والعيادات كي يتعرف على الغيرة والخوف ؛ كان يكفيه أخوه .
ومنذ ذلك الوقت لم تتغير الطبيعة البشرية كثيرًا ، وإنما تغيرت أدواتها ، كان قابيل يحتاج إلى يديه ، أما الإنسان الحديث فأصبح يستطيع أن يقتل بقرار ، أو بقانون ، أو بسجن ، أو بطائرة ، ولهذا فالسؤال ليس فقط : هل يولد الإنسان خائنًا ؟ بل : ماذا يحدث له حين يعيش في بيئة تكافئ الخوف وتمنح الخيانة فرصة؟ ، فالتاريخ نفسه ظل يبحث عن الخائن كلما سقطت مدينة أو دولة ، لأن تحميل الكارثة لرجل واحد أسهل من الاعتراف بأن الانهيارات الكبرى غالبًا ما تكون نتيجة تراكم طويل من الأخطاء ، يهوذا الإسخريوطي أصبح رمزًا للخيانة في الذاكرة المسيحية بعد ارتباط اسمه بتسليم المسيح مقابل 30 قطعة من الفضة ، وفي الذاكرة العربية ، أصبح أبو رغال رمزًا للخيانة في الروايات التى تنسب إليه إرشاد أبرهة الحبشي في طريقه إلى مكة ، ثم يأتي خاير بك ، الذي ارتبط اسمه بخيانة السلطان قانصوه الغوري والانضمام إلى العثمانيين ، وابن العلقمي الذي تحول في الذاكرة الشعبية إلى رمز للخيانة عند سقوط بغداد ، وفي التاريخ الأمريكي ، بقي بنديكت أرنولد رمزًا للخيانة بعد تآمره مع البريطانيين لتسليم موقع ويست بوينت ، ثم بروتوس ، ذلك الاسم الذي صار مرادفًا للخيانة السياسية ؛ فقد شارك في المؤامرة التىّ انتهت باغتيال يوليوس قيصر ، لكن هذه الأسماء جميعًا تقودنا إلى الحقيقة ذاتها : الخائن لا يسقط دولة بمفرده ؛ الخيانة تصبح قوة حين تجد عائلةً أو نظامًا يسمح لها بأن تعمل .
وهنا يدخل الخوف إلى السياسة ، لا يولد الإنسان بالضرورة وهو يعتقد أن العالم خُلق كي يصفق له ، لكن السلطة تستطيع أن تضخم ما في داخله ، فإذا كان خائفًا ، جعلته السلطة أكثر تشبثًا بالحماية ، وإذا كان نرجسيًا ، منحت نرجسيته أدواتها ، في البداية يشك في شخص -ثم في مجموعة - ثم في المعارضة - ثم في الصحافة - ثم في المثقفين - ثم في الجيش - ثم في الشعب كله - وفي النهاية يصل إلى أكثر مراحل الخوف عبثًا : يصبح الشعب متهمًا ، بينما يصبح هو الشاهد الوحيد على براءته ، عندها يتحول الخوف الشخصي إلى نهجاً في الحياة ، فالمراقبة تصبح ضرورة ، والشك يصبح قانونًا ، والمديح يصبح وظيفة ، والتصفيق يصبح واجبًا ، والصمت يصبح دليل ولاء ، أما السؤال فيتحول إلى خيانة ، وهكذا يصبح الإنسان أسيرًا لما صنعه بنفسه ؛ فهو لا يعود يخاف من أعدائه فقط ، بل يخاف من الحقيقة ، لأن الحقيقة قد تهدم الصورة التىّ بناها عن نفسه.
ومن هنا تبدأ حكاية المرآة ، فالإنسان قبل أن يبحث عن جمهور يصفق له ، يبحث عن صورة يحبها لنفسه ، والمشكلة ليست في حب الذات ، وإنما في اللحظة التىّ تصبح فيها قيمة الإنسان رهينة بالصورة التىّ يريد فرضها على الآخرين ، عندها يصبح النقد إهانة ، والاختلاف خيانة ، والرفض مؤامرة ، وفقدان الامتياز سقوطًا شخصيًا ، ولهذا تبدو رسائل فرناندو بيسوا إلى أوفيليا مهمة في هذا السياق ؛ ففيها يظهر الإنسان العاشق والمرتبك والهش ، لا الكاتب المتعدد الذي يبدو في كتبه كأنه عقل منفصل عن الجسد ، كان بيسوا قادرًا على الاعتراف باضطرابه ، لدرجة انه قال " كدت أفقد نرجسيتي " .
وهنا تكمن المفارقة ، فالإنسان الذي يستطيع أن يقول «أنا خائف» لا يحتاج إلى اختراع ألف عدو كي يحمي صورته ، أما الذي لا تستطيع الاعتراف بخوفه ، فيتحول الخوف إلى منظومة ، فبيسوا يشك في نفسه ، أما المستبد فيشك في الجميع ، بيسوا يكتب رسائل إلى امرأة يحبها ، أما صاحب السلطة فيحتاج إلى شعب كامل يؤكد له كل صباح أنه ما زال عظيمًا ، لذلك لا يكفي أن نسأل : من الخائن ؟، السؤال الأهم هو : ما الذي جعل الخيانة ممكنة ؟ ما النظام الذي جعل المنافق أقرب إلى القرار من الصادق ؟ ما نوع المرآة التىّ تركت من هو أمامها بلا محاسبة ؟ وما الثقافة التىّ جعلت نقده مساويًا للخيانة ؟ فالخوف إذا لم يجد حرية يتحول إلى شك ، والشك إذا تحول لنرجسية يتحول إلى رقابة ، والرقابة إذا غابت عنها المحاسبة تتحول إلى جنون العظمة ، والجنون حين يخاف على عظمته يبدأ بالبحث عن خونة ، وهكذا يصنع الخوف أعداءه ، ثم يستخدم وجودهم لتبرير مزيد من الخوف .
إنها دائرة مغلقة ، ربما مشكلتنا العربية ليست أننا بلا تاريخ ، بل أننا نعيش تحت ظل تاريخنا أكثر مما نعيش في حاضرنا ، تماما كما يعيش الفرد تحت رحمة المرآة ، وكلما فشلنا استدعينا بغداد ، وكلما تأخرنا استدعينا الأندلس ، وكلما شعرنا بالعجز تحدثنا عن الأسلاف ، لكن التاريخ لا ينقذ أحدًا ، التاريخ مرآة ، ومن لا يريد أن يرى وجهه الحقيقي فيها ، يكسرها ، ولهذا لا نحتاج إلى رجل ينقذ الأمة كل مرة ، بقدر ما نحتاج إلى مؤسسات لا تحتاج إلى رجل كي تنجو .
الدولة الحديثة هي التىّ تستطيع أن تقول لصاحب السلطة : أنت مخطئ ، والمواطن فيها يستطيع أن يقول للدولة : أنا لست خائنًا لأنني أسأل ، والوطن ليس المكان الذي يطلب منك أن تصفق له كل صباح ، بل المكان الذي يسمح لك أن تقول له ، وأنت مرفوع الرأس :
ماذا فعلت .
أما العربي الذي ما زال ينظر من نافذة الطائرة إلى العالم ، باحثًا عن اسمه بين أسماء الشعوب ، فلا يحتاج ربما إلى معجزة .
إنه يحتاج فقط إلى عائلة ودولة لا تجعله يشعر بأنه أقل من الإنسان .
وعندها قد ننظر إلى السماء لا لكي نسأل : ماذا صنع الآخرون؟
بل لكي نسأل :
ماذا نستطيع نحن أن نصنع؟
فالأمم لا تستعيد وزنها حين تستعيد أمجادها .
تستعيد وزنها حين تكفّ عن الخوف من مستقبلها ، وحين تتخلّى عن المكوث طويلًا أمام المرآة ؛ تمامًا كما هو الفرد ، فكلّما انصرف عن مراقبة ذاته إلى العمل والإنتاج ، استعاد قلبه خفّته ، واستعاد هو مكانه في الحياة واستعادت هي مكانتها بين الأمم .… والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا
...
-
حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
-
من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية &
...
-
حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ
...
-
سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم
...
-
كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
-
من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في
...
-
ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن
...
-
كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري
...
-
حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال
...
-
لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
-
الدبلوماسية الفكرية🙇♂ - كيف تعبر الفكرة من با
...
-
الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع
...
-
من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨🍳: مَن ي
...
-
العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴
...
-
الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا
...
-
من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال
...
-
السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
-
الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و
...
-
صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
المزيد.....
-
الإمارات تعلق بعد استمرار استهداف الحوثيين للسعودية
-
أذربيجان تعلق على الأنباء عن عمالة الرئيس الأسبق للاستخبارات
...
-
8 جنود أوكرانيين تتجاوز أعمارهم 60 عاما يستسلمون لجندي روسي
...
-
منظومة -أنتاي- الروسية.. عيون رادارية وصواريخ تضرب أهدافا حت
...
-
سنستخدم الذكاء الاصطناعي لعام أو عامين آخرين فقط. استمتعوا ق
...
-
مشاكل الديون الفرنسية – سيناريو كارثي
-
روبيو من أثينا: مضيق هرمز مفتوح وواشنطن لن تقبل سيطرة إيران
...
-
حفرية مصرية تكشف سرا عمره 45 مليون سنة
-
أطباء صينيون ينجحون في تقليص ورم خطير داخل صدر جنين قبل ولاد
...
-
ماسك يعلق على الاحتجاجات في فرنسا
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|