أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟















المزيد.....

كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 20:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ يقال إن كثيرًا من الناس يشبهون الغبار الذي يتراكم على لوحة مهجورة ؛ لا أحد يتوقف طويلًا أمامها ، لأن ما يراه ليس اللوحة ، وإنما طبقات الغبار التىّ حجبت ألوانها ، لكن إزاحة الغبار لا تصنع جمالًا جديدًا ، بل تكشف جمالًا كان موجودًا طوال الوقت ، وإن لم يره أحد ، ربما كانت هذه واحدة من أكثر الصور التىّ يمكن أن تفسر مأساة كوازيمودو في رواية «أحدب نوتردام» لفيكتور هوغو ، لم يكن كوازيمودو بحاجة إلى أن يصبح جميلًا كي يكون إنسانًا ، لكنه كان بحاجة إلى شخص يستطيع أن يرى الإنسان خلف صورته ، وكانت إزميرالدا ، الغجرية الجميلة التىّ اعتادت الرقص في ميدان المدينة ، واحدة من القلائل الذين فعلوا ذلك ، حين قدمت له الماء وهو معلق أمام الناس ، لم تكن تمنحه جرعة ماء فحسب ؛ كانت ، من حيث لا تدري ، تزيح طبقة من الغبار عن روحه ، كان الجميع يرون أحدبًا قبيحًا ومثيرًا للسخرية ، بينما رأته هي في تلك اللحظة إنسانًا عطشانًا يحتاج إلى الماء ، ولعل كوازيمودو لم يتذكر تلك الجرعة بوصفها ماءً ، بل بوصفها اللحظة الأولى التىّ شعر فيها أن أحدًا نظر إليه دون احتقار .

ومن هنا يمكن تخيل ذلك الحوار الذي لم يحدث بينهما ، كأن كوازيمودو يقول لها : كنت أعرف أنك لا تستطيعين النظر طويلًا إلى وجهي ، وكنت أفهم أن مظهري يثير فيك شيئًا من النفور ، لكنك ، عندما قدمت لي الماء ، فعلت شيئًا لم يفعله أحد من قبلك ؛ جعلتني أنسى للحظة أنني قبيح في عيون الآخرين ، وربما كان أكثر ما يؤلمه بعد ذلك أنه لم يستطع أن يقول لها شيئًا ، كان هو الذي يحمل الكثير من الكلام ، بينما كانت هي تتحدث ببساطة ، وتضحك دون خوف ، وتتعامل معه كأنه واحد من البشر ، وحين أصبحت حياتها مهددة ، لم يجد أمامه سوى أن يرد لها ما اعتقد أنه دين لا يمكن سداده ، وعلى الرغم من أنهما يعيشان معًا في مدينةٍ متحضّرة ، لم يجد فيمن حوله إنسانًا يتحلّى بقدرٍ من الأخلاق الإنسانية سوى الغجرية .

ثم ماتت إزميرالدا ، وبقي هو إلى جوار قبرها حتى مات .

لكن لماذا بقي هناك؟

هل كان ينتظر أن تعود؟ أم أنه كان يعرف أن الإنسان يستطيع أن يعيش سنوات طويلة بحثًا عن لحظة واحدة يشعر فيها بأنه مرئي؟ ، ربما لهذا السبب لا تبدو حكاية كوازيمودو مجرد قصة عن الحب ، بل عن الاعتراف بالإنسان ، فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من ينقذه ؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى من يراه كما هو ، وهنا يأخذ السؤال طريقًا آخر : كيف يستطيع الرجل أن يعشق مرة أخرى؟ ، السؤال يبدو في ظاهره عاطفيًا ، لكنه أوسع من ذلك بكثير ، إنه سؤال عن قدرة الإنسان على استعادة حياته بعد أن يعتقد أن الجزء الأهم منها قد انتهى ، وهذا بالضبط ما يجعل «الحب في زمن الكوليرا» لغابرييل غارسيا ماركيز قريبة من هذا السؤال ، فالحب عند ماركيز ليس لحظة رومانسية عابرة ، وإنما اختبار طويل للزمن والانتظار والقدرة على الاحتفاظ بإمكانية الحياة رغم كل ما يحدث حول الإنسان .

فلورنتينو أريثا لا ينتظر امرأة فقط ؛ إنه ينتظر فرصة أخرى للحياة ، وهذه الفكرة تصبح أكثر قسوة كلما تقدم الإنسان في العمر ، ففي العشرينات ، يبدو المستقبل واسعًا إلى درجة مخيفة ؛ يمكن أن تتغير المدينة ، والعمل ، والأصدقاء ، والحب ، وحتى الإنسان نفسه ، أما بعد الثلاثين ، وربما أكثر بعد الأربعين ، فيبدأ الإنسان بالنظر إلى حياته باعتبارها شيئًا اكتمل جزء كبير منه ، تصبح الخسارات أكثر ثقلًا ، والمغامرة أكثر تكلفة ، والخوف أكثر حضورًا ، حيث يبدأ السؤال في الظهور : هل أستطيع فعلًا أن أبدأ من جديد؟ ، ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة : هل ما فاتني قابل للتعويض؟ ، المشكلة أن الإنسان ، مع مرور الوقت ، لا تتصلب شرايينه وحدها ؛ قد تتصلب أيضًا طريقته في التفكير ، تصبح التجربة السابقة قاعدة للحكم على التجربة القادمة ، ويتحول الفشل القديم إلى توقع دائم للفشل ، يبدأ الإنسان بحماية نفسه من الألم إلى درجة أنه يحميها أيضًا من الاحتمال ، وهنا يصبح الجمود نوعًا من الانتحار البطيء ، لا لأن الإنسان يريد أن يموت ، بل لأنه يتوقف عن تجربة الحياة ، والمفارقة أن الإنسان يمتلك قدرة هائلة على إعادة تشكيل نفسه ، لكنه غالبًا لا يكتشفها إلا عندما تضطره الحياة إلى ذلك ، قد يبدأ التغيير من قرار صغير : أن يغير عمله ، أو بيئته ، أو علاقاته ، أو عاداته ، أو أن يتعلم شيئًا جديدًا ، أو أن يسمح لنفسه بالتعرف إلى أشخاص لم يكن يلتقي بهم في حياته السابقة ، ليست المسألة في أن يعود الإنسان إلى عشريناته ، فهذا مستحيل ، وإنما أن يكتشف أن العمر لا يلغي المرونة .

وهنا تخرج الحكاية من الفرد إلى المجتمع ، فالمجتمعات أيضًا يمكن أن تتصلب مثل الأفراد ، يمكن أن تتحول التجارب السابقة إلى قوالب ، والهزائم إلى ذاكرة سياسية مغلقة ، والخوف من المستقبل إلى ذريعة للحفاظ على كل شيء كما هو ، وعندما يصبح التغيير مخيفًا ، لا يعود السؤال : كيف نصنع مستقبلًا مختلفًا ؟ بل يصبح : كيف نحافظ على ما تبقى ؟، هذه واحدة من أخطر لحظات الجمود الاجتماعي والسياسي ؛ حين يتحول الماضي من خبرة نستفيد منها إلى سلطة تحكم مستقبلنا ، فالإنسان الذي يعتقد أن حياته انتهت لأنه أخطأ ، يشبه مجتمعًا يعتقد أن تاريخه حدد مستقبله إلى الأبد ، وكلاهما يقع في الخطأ نفسه : الخلط بين الذاكرة والقدر .

الماضي مهم ، لكنه ليس قدرًا نهائيًا .

وهنا ربما تكمن الإجابة عن السؤال الأول : كيف يستطيع الرجل أن يعشق مرة أخرى؟ ، ليس لأنه نسي حبه الأول ، ولا لأنه محا خساراته ، ولا لأنه أصبح شخصًا آخر ، بل لأنه أدرك أن الإنسان لا يعيش مرة واحدة بالضرورة ، حتى لو عاش حياة واحدة ، يستطيع أن يعيد تشكيلها ، وأن يمنح نفسه فرصة جديدة ، وأن يكتشف في داخله أشياء لم يكن يعرف أنها موجودة ، فالحب ، في هذه الحالة ، ليس مجرد امرأة جديدة ؛ قد يكون عملًا جديدًا ، مدينة جديدة ، فكرة جديدة ، صداقة جديدة ، أو حتى موقفًا جديدًا من الحياة ، وربما لهذا لم يكن فلورنتينو أريثا ينتظر امرأة فقط ، كما لم يكن كوازيمودو يبحث عن وجه جميل ، كان كلاهما ، بطريقة مختلفة ، يبحث عن شيء أكثر عمقًا : دليل على أن الحياة لم تغلق أبوابها بالكامل .

وهذا ما يجعل السؤال في النهاية أكبر من الحب :

هل يستطيع الإنسان أن يبدأ مرة أخرى؟

ربما يستطيع ، بشرط ألا يصدق أن الغبار هو اللوحة ، وأن ما حدث له هو كل ما يمكن أن يحدث له .

فبعض الأبواب لا تكون مغلقة فعلًا ؛ نحن فقط نتوقف عن محاولة فتحها .

وربما لا يحتاج الإنسان ، كي يعشق مرة أخرى ، إلى أن ينسى الماضي .

يكفي أن يرفض أن يجعل الماضي يكتب وحده بقية الحكاية … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...


المزيد.....




- صدام بين مرشحين لمنصب حاكم كاليفورنيا بسبب علاقة أحدهما بترا ...
- الإمارات: سلطاتنا القضائية هي المختصة بالتحقيق في حادثة -فلا ...
- من الدافع للسلاح ومن هبط بها.. 7 أسئلة تكشف تفاصيل محاولة اخ ...
- شاهد.. قصة طيار -فلاي دبي- الهندي الذي تصدى لهجوم مساعده وأن ...
- تدهور الحالة الصحية للرئيس السوداني المعزول عمر البشير ونقله ...
- لقاء سري بين دمشق وحزب الله في تركيا لتهدئة التوترات.. أول ...
- باكستان تشن غارات جوية داخل أفغانستان.. وطالبان: مقتل 9 مدني ...
- هجوم حوثي واسع وغارات سعودية.. التصعيد يتمدد في اليمن ويقترب ...
- ترامب يهدّد بـ-إبادة إيران-: استئناف الهجمات بعد انتخابات ال ...
- نهاية سيئة لأسطورة؟ ميسي اعتزل دوليا ورونالدو يترك منتخب بلا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟