أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في الواقع؟..














المزيد.....

مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في الواقع؟..


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 20:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ يبدو أن بعض الأنظمة السياسية اكتشفت حلًّا عبقريًا لمعضلة الأخلاق : بدلًا من إصلاح الواقع ، يكفي حذف ما يكشف عيوبه ، وبدلًا من محاربة الفساد وأسبابه ، يمكن الاكتفاء بمنع الكتابة عنه ، هكذا يصبح الرقيب حارسًا للفضيلة ، يحمل مقصّه لمطاردة قبلة في رواية أو مشهد حميم في فيلم ، بينما يترك تناقضات المجتمع تمرّ أمامه من دون أن يرفّ له جفن ، فالمشكلة ، وفق هذا المنطق ، ليست فيما يفعله الناس ، بل فيما يجرؤ الكاتب على كشفه ، وبعيدًا عن مهنة الخياط ، وجد المقص وظيفة أكثر حساسية في المؤسسات الرقابية ؛ إذ لم يعد يقتطع القماش ، بل الكلمات والمشاهد والأفكار التىّ تتجاوز حدود المسموح به ، غير أن السؤال ليس عن حق المجتمع في مناقشة أخلاقه ، بل عن المعايير التىّ يستخدمها لفرضها : كيف تُحذف قبلة من رواية ، بينما تُتاح في الواقع أماكن وممارسات تتناقض مع القيم التىّ استُخدمت لتبرير الحذف؟ ، ولماذا يُحاكم الخيال على ما يصفه ، فيما يفلت الواقع من المساءلة عما يمارسه؟ ، إنها ازدواجية لا تخص الرقيب وحده ، بل تكشف خللًا في علاقة السلطة بالمجتمع ؛ فالسلطة التىّ تعجز عن معالجة الظواهر قد تجد في إخفائها بديلًا أقل كلفة ، وتتوهم أن ضبط الصورة يعادل ضبط الواقع ، وهكذا يصبح الكاتب متهمًا لأنه سمّى الأشياء بأسمائها ، فيما يُترك المشهد الحقيقي خارج المحاكمة ، وكأن الفضيلة لا تُنتهك إلا حين تتحول إلى جملة مطبوعة ، ولا تُخدش إلا عندما يراها قارئ .

لكن الروائي لا يستورد شخصياته من كوكب آخر ؛ إنه يكتب عن الناس الذين يعيش بينهم ، وعن رغباتهم وخيباتهم وأسرارهم ، إنه ، في هذا المعنى ، يشبه الطبيب الذي يفحص المرض قبل أن يشخّصه ؛ فكيف يُطلب منه أن يعالج علل المجتمع بينما يُمنع من وصف أعراضها؟ إن حظر الحديث عن الشر لا يلغي وجوده ، كما أن حذف الرغبة من الرواية لا ينتزعها من الإنسان ، كل ما يفعله المقص هو إبعاد المرآة عن وجه المجتمع ، كي لا يضطر إلى رؤية ما لا يعجبه ، وفي الليل ، حيث تخفّ قبضة الخطاب الأخلاقي وتظهر وجوه أخرى للحياة ، تتجلى المفارقة بوضوح أكبر ، هناك رجال يطاردون اللذة ، ونساء يبحثن عن المال أو الأمان أو الاعتراف ، وأشخاص يحاولون كسر رتابة أيامهم أو الهرب من فراغ لا يعرفون كيف يملؤونه ، وفي الشوارع والنوادي ، تتقاطع الرغبات والمصالح في علاقات قد تبدو بسيطة من الخارج ، لكنها تخفي وراءها حكايات أكثر تعقيدًا مما تسمح به الأحكام الجاهزة ، والنساء اللواتي يُطلق عليهن وصف «نساء الليل» لسن مجرد شخصيات في مشهد أخلاقي يستريح المجتمع إلى إدانته ؛ إنهن بشر يحملن تناقضاتهن وآلامهن ، كما يحملها أولئك الذين ينظرون إليهن من وراء ستائر الاحترام الاجتماعي ، وليس المقصود تبرئة الجميع أو إدانتهم ، بل إدراك أن الرغبة لا تتوزع وفق التصنيفات الأخلاقية ، وأن من يشتري المتعة قد يكون هاربًا من وحدته ، كما أن من يبيعها قد يكون أسير ظروف أو اختيارات لا يعرف الآخر عنها شيئًا .

لكن المفارقة الأشد تبدأ حين ينتقل الليل من الشارع إلى غرفة النوم ؛ حين يكتشف الرجل أن المرأة التىّ افتتن بجمالها لا تضمن له السعادة ، وأن الجسد الذي تخيّله بوابة إلى الجنة قد يصبح جزءًا من تجربة مؤلمة وشقاء ، وقد تكتشف المرأة بدورها أن الرجل الذي أراد امتلاكها لم يكن يبحث عنها بقدر ما كان يبحث عن إثبات شيء لنفسه ، هنا يتجاور الجنس مع الوحدة ، واللذة مع الخيبة ، والانجذاب مع الحاجة إلى السيطرة ، كيف يجتمع الألم مع امرأة فاتنة ، بعينين واسعتين داكنتين ، وحاجبين عريضين ، وملامح تبدو كأنها صيغت لتربك القلب؟ ربما لأن الجمال لا يحمل وعدًا بالسعادة ، ولأن الإنسان لا يقع في حب الآخر دائمًا كما هو ، بل كما يتخيله ، وقد لا تكون الخيبة نتيجة قسوة الآخر وحدها ، بل نتيجة المسافة بين إنسان حقيقي وصورة مثالية صنعناها له ، ثم طالبناه بأن يعيش داخلها ، ومن هنا يمكن استحضار بعض الأفكار التىّ يثيرها كتاب شيري أرجوف «لماذا يحب الرجال العاهرات؟» ، خصوصًا ما يتصل بالجاذبية والاستقلال والحدود الشخصية ، فالرجل الذي يطارد امرأة بلا حدود ، متنازلًا عن كرامته في سبيل الحصول على رضاها ، قد لا يكون واقعًا في الحب بقدر ما يكون أسير حاجته إلى القبول ، وكذلك المرأة التي تجعل قيمتها رهينة رغبة الرجل قد تجد نفسها في علاقة تستنزفها بدلًا من أن تمنحها الأمان ، ولا يعني ذلك أن القسوة تصنع الجاذبية ، أو أن التلاعب دليل قوة ؛ بل إن العلاقة التىّ يتحول فيها الحب إلى استجداء ، أو الجنس إلى وسيلة للسيطرة ، تصبح ساحة صراع لا مساحة للحميمية .

وهنا يلتقي الخاص بالعام ، فكما يحاول بعض الرجال التحكم في النساء باسم الحب ، تحاول بعض السلطات التحكم في المجتمع باسم الأخلاق ، وكما قد يخلط الرجل بين امتلاك المرأة وحبها ، قد تخلط السلطة بين إخضاع المجتمع وحمايته ، وبين الصمت والرضا ، وبين الطاعة والشرعية ، في الحالتين ، يجري تقديم السيطرة في صورة فضيلة ، ويصبح الخوف وسيلة لإدامتها .

في مثل هذه الليالي ، يطارد الجميع بعضهم بعضًا : رجل يبحث عن امرأة تنقذه من فراغه ، وامرأة تبحث عن شيء قد لا يمنحه المال ، وآخران يخلطان بين الرغبة والحب ، وبين الجسد والنجاة ، وفي الخارج ، يواصل المجتمع تمثيل مسرحيته الأخلاقية ، فيما يواصل الرقيب قصّ المشاهد التىَ تفضحها ، الجميع يريد شيئًا من الآخر ، لكن قليلين يملكون الشجاعة للاعتراف بما يريدونه حقًا .

لعل المشكلة ليست في الليل ، ولا في الجنس ، ولا حتى في المقص وحده ، بل في الإنسان الذي يعلن فضيلة لا يلتزم بها ، ويطلب الحرية لنفسه ثم يخافها حين يمنحها للآخر ، فالمقص يستطيع حذف قبلة من رواية ، لكنه لا يستطيع حذف الرغبة من الإنسان ؛ والسلطة تستطيع إسكات الكاتب ، لكنها لا تستطيع تحويل الصمت إلى أخلاق ، أما المجتمعات التىّ تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى تناقضاتها ، فستظل تقصّ الحكايات ، وتترك الواقع يكتب نهايته بنفسه … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...
- حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بو ...
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...


المزيد.....




- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟
- دبابة -أرماتا- الروسية قد تتحول إلى منصة قتالية روبوتية غير ...
- الجيش الروسي يفتح جبهة جديدة
- السودان وإثيوبيا يتبادلان طرد دبلوماسيين وسط اتهامات بدعم قو ...
- -تخيّلوا أنني على ورقة الاقتراع-.. فلمّا فعلوا حلت الكارثة ب ...
- من إيران إلى أوكرانيا.. 6 نقاط لفهم تداعيات هزيمة ترمب
- العثور على سياسي ألماني بارز ميتا في فندق ببرلين
- ارتفاع حصيلة قتلى القصف بزاباروجيا وزيلينسكي يعلق على انتخاب ...
- الانتخابات الأمريكية.. إلهان عمر تعلق على نتيجتها وتخاطب عبد ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في الواقع؟..