أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بوصفها ذاكرةً اجتماعية وسخريةً من القهر😂…















المزيد.....

حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بوصفها ذاكرةً اجتماعية وسخريةً من القهر😂…


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ثمة شعوب تمتلك برلمانات وأحزابًا ووسائل إعلام ، وأخرى لا تملك من كل ذلك إلا الأغنية والنكتة ، وحين تضيق مساحة الكلام ، تتسع مساحة الغناء ؛ وحين يصبح قول الحقيقة مغامرة ، تستطيع أغنية أن تقولها وهي ترقص ، ثم تترك السلطة في مأزق : هل تصفق للجمهور أم تحاسب اللحن؟ ، ولعل هذه إحدى أكثر مفارقات التاريخ سخرية ؛ فالإنسان لم يخترع الموسيقى كي يرقص فقط ، بل كي يحتمل الحياة أيضًا ، فمنذ الطقوس الأولى والأناشيد الدينية إلى الأغاني الشعبية والموسيقى الحديثة ، ظل الصوت وسيلة لتثبيت الذاكرة والتعبير عن الخوف والحب والغضب والاحتجاج ، ولهذا لم تكن الموسيقى يومًا بعيدة تمامًا عن الدين أو السياسة أو المجتمع ، وفي الغرب عمومًا ، في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها ، أصبحت الموسيقى جزءًا أصيلًا من الحياة العامة والثقافة الشعبية ، تمامًا كما يحتل الأذان والأجراس موقعًا رمزيًا في المجال العام لدى المسلمين والمسيحيين في المجتمعات العربية ، فالإنسان لا يعيش بالأفكار المجردة وحدها ؛ إنه يحتاج إلى أصوات وعلامات وطقوس تمنحه شعورًا بالانتماء ، وحتى أسماء دور العبادة تكشف شيئًا من هذه العلاقة بين اللغة والمجتمع ، فالكنيسة ذات أصل يوناني ، بينما ارتبط الدير تاريخيًا بالتقاليد الرهبانية والعزلة والتعبد ، ولا سيما في التقاليد السريانية والمصرية ، أما الكاتدرائية فترتبط في أصلها بمفهوم “الكرسي”، أي كرسي الأسقف ومركز القيادة الدينية ، وليس المقصود من ذلك استعراض التاريخ اللغوي ، بقدر ما هو الإشارة إلى أن المؤسسات الإنسانية ، دينية كانت أم اجتماعية ، لا تعيش بلا رموز وأصوات وطقوس ومتغيرات .

ومن هنا يمكن فهم الموسيقى الشعبية ، أو الفولك (Volk)، بوصفها صوت الجماعة وذاكرتها اليومية ، فقد نشأت من حياة الناس العاديين ، من أفراحهم وأحزانهم ومخاوفهم ، ثم تطورت مع الزمن وانتقلت من الآلات البسيطة إلى أشكال أكثر حداثة ، وصولًا إلى الروك والموسيقى الكهربائية ، لكن التحول الحقيقي لم يكن في الآلة وحدها ، وإنما في الكلمات ، فالأغنية قد تكون أكثر من لحن ؛ قد تصبح طريقة لإعادة تسمية الواقع ، الفقر يتحول إلى قضية ، والاغتراب إلى قصيدة ، والظلم إلى إيقاع ، والغضب إلى حفلة ، ولهذا ارتبطت بعض الموسيقى الحديثة بالتمرد على القوالب الاجتماعية والسياسية والثقافية ، وعبّرت عن أجيال رأت في الموسيقى وسيلة للخروج من المألوف وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع ، وفي هذا السياق يمكن استحضار تجربة بوب مارلي ، الذي تجاوزت موسيقاه حدود جامايكا لتصبح صوتًا عالميًا للفقراء والمهمشين والمحتجين على الظلم والعدالة ، لم تكن الأغنية عنده مجرد وسيلة للترفيه ، بل مساحة لإعادة طرح الأسئلة حول الحرية والكرامة .

وهنا تكمن قوة الموسيقى : السياسي يحتاج إلى خطاب كي يقنعك ، أما المغني فقد يجعلك تردد الفكرة قبل أن تدرك أنك توافق عليها ، وفي المجتمعات التىّ تضيق فيها مساحة التعبير ، تظهر الثقافة الشعبية بوصفها متنفسًا لما لا يستطيع الخطاب الرسمي قوله ، لذلك لا تأتي المقاومة دائمًا في صورة مظاهرة أو بيان سياسي ؛ أحيانًا تأتي أغنية ، أو نكتة ، أو جملة ساخرة في مقهى ، ومن الأمثلة العربية اللافتة أغنية “زحمة يا دنيا زحمة” المرتبطة باسم أحمد عدوية ، فالزحام هنا يتجاوز الشوارع ؛ إنه صورة لمجتمع تتداخل فيه الطبقات والهموم والانتظارات ، حتى يضيع الناس والحب والأمل وسط ضجيج الحياة ، ولذلك أصبحت الأغنية أقرب إلى التعبير الشعبي عن الإحساس بالاختناق الاجتماعي ، من دون أن تتحول إلى خطاب سياسي مباشر .

كما ان هنا تلتقي الأغنية بالنكتة ، فحين يعجز الإنسان عن تغيير الواقع ، يستطيع ــ على الأقل ــ أن يغيّر صورته في مخيلته ، يستطيع أن يسخر من السلطة ، ومن الفقر ، ومن الخوف ، ومن نفسه أحيانًا ، ولذلك تنتشر النكات في البيئات القاسية والأنظمة الشمولية بوصفها نوعًا من التفريغ النفسي ؛ فالسلطة قد تستطيع مراقبة الكلام العلني ، لكنها لا تستطيع بسهولة مراقبة ما يتناقله الناس في جلساتهم الخاصة ، والضحك ، في هذه الحالة ، ليس مجرد ترف ؛ إنه استعادة مؤقتة للقدرة على السيطرة ، والأمر نفسه يحدث في الحفلات الصاخبة ، فالجمهور لا يذهب إليها دائمًا بحثًا عن الموسيقى وحدها ، وإنما بحثًا عن لحظة يتخلص فيها من ذاته اليومية ، قد يكون بين الحاضرين الغني والفقير ، الخائف والمطمئن ، المغترب والمستقر ؛ لكن الإيقاع يوحدهم مؤقتًا ، ويمنحهم شعورًا بالانتماء والانتصار على ضغوط الحياة ، لكن على الأغلب ، يتعرضون إلى مفاجأت تدميرية ، تماماً كما هو حاصل اليوم في أوروبا ، حيث يتم تمرير مادة مع المشروب للبنات من أجل اغتصابهم ، فهو يعرف بمشروب الاغتصاب .

إنها لحظة تفريغ للطاقات المكبوتة ، لا تختلف في جوهرها كثيرًا عن النكتة التىّ تجعل المقهور يضحك على ما يخشاه ، ولذلك لا ينبغي النظر إلى الموسيقى باعتبارها منفصلة عن السياسة ، فالسياسة ليست انتخابات وبرلمانات وأحزابًا فقط ؛ إنها أيضًا توزيع للمال والكرامة والخوف والفرص داخل المجتمع ، والموسيقى تلتقط هذه التناقضات بطريقة قد تعجز عنها التقارير والخطب الرسمية .

فالمؤرخ يكتب عن عصره ، والصحفي يصفه ، والسياسي يبرره ، أما الفنان فيجعلك تسمعه .

وربما لهذا تبدو السخرية ، عند جيمس ريدلي ، أقرب إلى كشف عبث العالم من مجرد الضحك عليه ؛ فحين يصبح الواقع أكثر غرابة من أن يُصدَّق ، يصبح السخرية منه وسيلة لفهمه .

وهكذا تظل الموسيقى والنكتة آخر المساحات التى يستطيع الإنسان أن يستعيد فيها شيئًا من حريته ، فالأغنية لا تسقط نظامًا سياسيًا ، والنكتة لا تبني مجتمعًا عادلًا ، لكنهما تمنعان الإنسان من الاعتياد الكامل على قهره .

يقول جوزيف هيلر في " كاتش 22 " كونك مصابًا بالارتياب لا يعني أنهم لا يطاردونك "، فحين تعجز السياسة عن الكلام ، تغني الشعوب ، وحين يصبح الكلام خطرًا ، يتحول اللحن إلى لغة ؛ وحين يصبح الواقع عبثيًا إلى الحد الذي لا يُحتمل ، لا يبقى أمام الإنسان إلا أن يضحك ، الضحك ليس نقيض القهر ، بل قد يكون إحدى طرق الإنسان في احتماله وتفريغه ومقاومته … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشارع والصناديق : الإسلام السياسي كذريعة والانقسام الثقافي ...
- حين يصبح الخوف مرآة🪞من قابيل إلى بيسوا: الخوف㈷ ...
- العاصفة 🌪القادمة:سوريا بين «سوفا 53» وتسامح ما بعد ا ...
- حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …


المزيد.....




- إعصار -إيساياس- يقترب من السواحل الأمريكية.. وتحذيرات من فيض ...
- الحرس الثوري يعلن استهداف سفينة في مضيق هرمز..ماذا عن وضع ال ...
- الطيران السعودي يشن غارات على مواقع في صنعاء وصعدة
- فرنسا تتعهّد بتعيين 3 آلاف معلم إضافي لاحتواء احتجاجات التلا ...
- باكستان تؤكد انتشار -أعداد كبيرة- من قواتها في السعودية.. وت ...
- إنقاذ أنثى أورانغوتان صغيرة من حرائق إندونيسيا.. إصابات في ي ...
- توقيف رجلين من لاتفيا بشبهة اختراق قاعدة عسكرية في بريطانيا. ...
- إعاصير تجتاح صقلية وتخلف سيارات مقلوبة ومبان متضررة
- براد كوبر بين النجاحات العسكرية ومعضلات حرب إيران.. كيف أثّر ...
- اشتباكات عنيفة في باب المندب.. هجوم بري كبير بدعم سعودي لاست ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تعجز السياسة عن الكلام…تغني الشعوب - الموسيقى🎵بوصفها ذاكرةً اجتماعية وسخريةً من القهر😂…