أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - بين القبر🪦وحافة الشباك:الجشع بوصفه موتاً مؤجلاً …















المزيد.....

بين القبر🪦وحافة الشباك:الجشع بوصفه موتاً مؤجلاً …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 18:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ثمة مفارقة تستحق السخرية في حياة الإنسان ؛ فهو يتصرف كما لو أنه يمتلك عقداً أبدياً مع الوجود ، فيبني البيوت ، ويشتري الأراضي ، ويكدّس الأموال ، ويوسّع حدود ممتلكاته ، وكأن الموت ، حين يصل ، سيضطر إلى الوقوف أمام الباب وانتظار إذن الدخول , يقضي عمره في جمع ما لن يستطيع اصطحابه معه ، ويستنزف أيامه في حماية ما لن يستطيع الاحتفاظ به ، ثم يغادر تاركاً وراءه كل ما ظنّ أنه صنع من أجله معنى حياته ، والمثير للسخرية أن الإنسان يعرف نهايته جيداً ، لكنه يتعامل معها باعتبارها خبراً يخص الآخرين ، بين القبر وحافة الشباك ، تتكشف هذه المفارقة في مشاهد يومية متجاورة : ضوء يتسلل إلى غرفة ، وآخر يستقر على شاهد قبر ؛ عصفور يحطّ على شجرة أمام المنزل ، وآخر يقف فوق شاهد رخامي ؛ أطفال يملأون الشارع ضحكاً وصراخاً ، ثم يخفت صوتهم وهم يعبرون بمحاذاة المقبرة ؛ وردة تتفتح ، وعشب ينتظر مطر السماء ، في مكان قريب يد تحفر قبراً ، وفي مكان آخر تمتد يد لتتشبث بيد إنسان تخشى فقدانه ، جسد يتآكل في باطن الأرض ، وآخر ينمو فوقها ، هكذا تتقاسم الحياة والموت المكان نفسه ، من دون أن يحتاج أحدهما إلى إعلان حضوره .

غير أن اعتياد الحياة يجعل الإنسان أقل انتباهاً إلى هذا التجاور ؛ فهو يتعامل معها باعتبارها حقيقة مستقرة ، فيما ينظر إلى الموت بوصفه احتمالاً بعيداً ، على الرغم من أنه الحقيقة الأكثر يقيناً ، يمضي في أعماله ، ويطارد رغباته ، ويعيد ترتيب أحلامه ، كأن الزمن مخزون قابل للتجديد ، وربما كان الموت الرفيق الأكثر إخلاصاً للإنسان ، لأنه الوحيد الذي لا يساومه ولا يخلّ بموعده ، لكن الإنسان يفضّل نسيانه كي يتمكن من مواصلة حياته ، ولعل هذا النسيان هو ما يدفعه أحياناً إلى البحث عن امتداد بديل لوجوده في الأشياء ؛ منزل أكبر ، وثروة أضخم ، ومكانة أعلى ، وممتلكات يتركها وراءه لتشهد على حضوره بعد غيابه ، وكأن التملك محاولة غير معلنة لمقاومة الفناء ، أو رغبة في إقناع الذات بأن ما يجمعه الإنسان يستطيع أن يمنحه شيئاً من الخلود ، وهنا يتحول الامتلاك من وسيلة لتحسين شروط الحياة إلى مشروع لتعويض هشاشة الوجود ، من هذه النقطة يبدأ التعلّق في اكتساب خطورته ؛ فالإنسان لا يكتفي بامتلاك الأشياء ، بل يسمح لها تدريجياً بأن تحدد قيمته وصورته عن نفسه ، وما كان وسيلة للعيش يصبح غاية مستقلة ، وما كان يفترض أن يمنحه الطمأنينة يتحول إلى مصدر دائم للقلق ، لم يعد منشغلاً بما لديه ، بل بما ينقصه ، ولا يقيس حياته بما أنجزه ، بل بما يمتلكه الآخرون ولم يستطع الحصول عليه ، وهكذا تنشأ مفارقة التملك : كلما اتسعت دائرة الأشياء التىّ يسيطر عليها الإنسان ، ازدادت الأشياء التىّ تسيطر عليه.

لنتأمل شاباً يحلم بامتلاك سيارة مميزة ، معتقداً أن الحصول عليها سيمنحه الاكتفاء ، وما إن تتحقق الرغبة حتى تفقد السيارة بريقها ، وتصبح المقارنة مع سيارة أكثر فخامة بداية حلم جديد ، ثم يتسع الحلم إلى منزل أكبر ، فطائرة خاصة ، فممتلكات لا تنتهي ، ليست المشكلة في السيارة أو المنزل أو الطائرة ، بل في أن الرغبة لم تعد تستجيب لحاجة حقيقية ، وإنما أصبحت تنتج حاجاتها بنفسها ، فالإنسان الذي يعتقد أنه يبني حياته قد يجد نفسه يهدم قدرته على الرضا ، ويستبدل حريته الداخلية بمطاردة لا تعرف الاكتفاء ، بهذا المعنى ، لا يكون الجشع مجرد رغبة في الحصول على المزيد ، بل خللاً في العلاقة بين الإنسان وما يمتلكه ، إنه اللحظة التىّ يفقد فيها المرء القدرة على التمييز بين الحاجة والاستحواذ ، وبين الطموح والعبودية ، فالمال الذي كان وسيلة يصبح سلطة ، والثروة التىّ وعدت بالأمان تتحول إلى قلق دائم ، وكلما حصل الإنسان على المزيد ، اكتشف أن ما ينقصه أكبر مما امتلكه .

وفي الأدب ، نجد تجسيداً عميقاً لهذه المعضلة في رواية «ماك تيغ» (McTeague) للكاتب الأمريكي فرانك نوريس ، التىّ تكشف كيف يتحول الطمع إلى قوة تدميرية تتجاوز حدود الرغبة الفردية ، فتفسد العلاقات الإنسانية وتدفع الشخصيات إلى الانهيار ، لا يقدم نوريس المال باعتباره موضوعاً للتنافس فحسب ، بل يكشف كيف يستطيع أن يعيد تشكيل الإنسان ، حتى تصبح الروابط الإنسانية نفسها خاضعة لمنطق الاستحواذ والصراع ، تكمن أهمية الرواية في أنها لا تصور الجشع بوصفه عيباً أخلاقياً مجرداً ، بل قوة تتغذى على ذاتها ؛ فالرغبة التىّ لا تعرف حدوداً لا تقود صاحبها إلى الاكتفاء ، وإنما تدفعه إلى مزيد من التورط في عالمها ، ومأساة الإنسان هنا أنه يفقد ، أثناء مطاردته للمال ، القدرة على إدراك قيمة ما يمتلكه بالفعل ، وهكذا يصبح ما ظنه مصدر قوته سبباً في انهياره ، في المقابل ، يبدو القبر النقيض الفلسفي لوهم الملكية ؛ فهو الحد الذي تتوقف عنده امتيازات الحياة ، وتنكشف محدودية الأشياء التىّ استهلك الإنسان عمره في جمعها ، لا يلغي الموت الفوارق التىّ صنعتها الحياة ، لكنه يكشف أن الملكية ليست أبدية ، وأن الثروة لا تستطيع شراء الزمن أو تأجيل النهاية إلى ما لا نهاية ، ولعل الموت ، على قسوته ، هو ما يمنح الحياة حدودها ومعناها ؛ فلولا محدودية الزمن لتحولت الرغبات إلى سباق مفتوح لا يوقفه اكتفاء ولا تحدّه قناعة .

ليس المقصود من ذلك إدانة الطموح أو الدعوة إلى الزهد المطلق ، فالإنسان يحتاج إلى أن يعمل ويحلم ويبني ويحسّن شروط حياته ، لكن الفارق يكمن في ألا يتحول الطموح إلى عبودية ، وألا يصبح النجاح مرادفاً للتراكم ، وألا يختزل الإنسان قيمته في قائمة ممتلكات ، ثمة فرق بين أن يمتلك المرء بيتاً يسكنه ، وأن يقضي حياته في بناء بيت لا يجد وقتاً للعيش فيه ؛ وبين أن يجمع المال ليكون أكثر حرية ، وأن يصبح أسيراً له إلى درجة يعجز معها عن الاستمتاع بما جمعه .

في النهاية ، ربما لا تكون المأساة الكبرى أن الإنسان يموت ، بل أن يمضي جزءاً كبيراً من حياته في الاستعداد لامتلاك المستقبل ، من دون أن يترك لنفسه مساحة كافية ليعيش الحاضر ، يطارد ما ينقصه ، متجاهلاً ما بين يديه ، ويخشى خسارة ممتلكاته فيما يخسر أيامه تباعاً .

بين القبر وحافة الشباك ، تستمر الحياة في تقديم حجتها البسيطة : عصفور يحطّ ، ووردة تتفتح ، وضوء يعبر الغرفة ، وطفل يضحك ، تفاصيل لا تحتاج إلى امتلاك العالم كي تثبت قيمة وجودها .

وربما هنا تكمن أهمية القبر ؛ ليس لأنه ينهي الحياة فحسب ، بل لأنه يكشف ، في اللحظة الأخيرة ، ما الذي كان يستحق أن نمنحه أعمارنا ، فليس أخطر ما يفعله الموت أنه يأخذ الإنسان من الحياة ، بل أن يسمح له الجشع بأن يغادرها قبل أوانه ؛ أن يبقى جسده على قيد الوجود ، فيما تكون روحه قد استُنزفت في مطاردة أشياء لن تدخل معه القبر…والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديكتاتورية الأنا☝…حين يصبح الملحد أكثر أخلاقاً من المؤ ...
- هل الحرب استقالةً مؤجلة : نتنياهو وترمب وإيران في مواجهة صنا ...
- من شجرة الزيتون🫒إلى صندوق الاقتراع:كيف ننتقل من الته ...
- من ارتباك نتنياهو إلى حرية🗽المتنبي:حين تخاف السياسةُ ...
- مؤخرة نيكي وعلم فلسطين🇵🇸:حين يصبح الجسد جواز ...
- القاتل الذي لا يحمل سكينًا🔪:حين تُسرق لقمة الفقراء&# ...
- مصر التي تغيّرت: من «تحت الإنشاء» إلى «مطار الجورة» ✈ ...
- من عنترة بن شداد🐎إلى «الماستر كي»: كيف تحوّل الحبّ&# ...
- الإنسان حين يصبح جلّادًا:من غريزة الافتراس👹إلى هندسة ...
- إسرائيل بين وهم التحالف ورهان الجغرافيا : من وعد بلفورԂ ...
- مسرح 🎭 التفاهة : حين يصفّق الجمهور لانتصاره المزيّف ...
- حين يصبح المنشار🪚برنامجاً : الغرب بين أزمة الاقتصاد ...
- راشيل كوري🌹ووجوه العالم البيضاء:حين فضحت فتاةٌ بجسده ...
- درع السماء...وثقب في السقف:لماذا تنجح الصواريخ🚀الرخي ...
- نوبل🥇بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود ...
- إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد حرب اليمن: قراءة تحليلية في است ...
- العمى الذي يرى😎، والبصر الذي لا يرى - من طباخ الرئيس ...
- من زيت الزيتون🫒إلى فول الصويا 🫘: الغذاء كان ...
- مقصّ✂الفضيلة: لماذا يُمنع الجنس في الرواية ويُباح في ا ...
- من فنجان القهوة☕إلى صندوق الاقتراع:العرب وصناعة المعاد ...


المزيد.....




- -ليس معاداة للمسلمين-.. نائبة ديمقراطية تدعم المنافس الجمهور ...
- تل أبيب تستعرض صور المقاتلات الحربية وطائرات التزود بالوقود ...
- زاخاروفا تعلق على الأزمة الدستورية في بولندا
- حزب -الليكود- بزعامة نتنياهو يهاجم إيزنكوت وشركاءه وبينيت يع ...
- ترامب يتوعد باستخدام الفيتو ضد مشاريع الديمقراطيين في حال سي ...
- ميركل تحذر من محاولات إحداث انقسام في المجتمع الألماني
- دعوات في إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي تصل قب ...
- صراع توسيع الشراكات بين نتنياهو وآيزنكوت
- القناة 12: ترامب ونتنياهو يبحثان المفاوضات مع إيران في محادث ...
- تحذيرات صحية وشتاء قاس يثيران سخط سكان كييف


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - بين القبر🪦وحافة الشباك:الجشع بوصفه موتاً مؤجلاً …